النكاح
في الإسلام: مفهومه، وحكمته، وأسس الاختيار الصحيح
جعل الله تعالى الزواج من أعظم سننه في خلقه، وبنى عليه استقرار الأفراد،
وصلاح الأسر، وعمارة المجتمعات، ولم يأتِ النكاح في الإسلام مجرد علاقة اجتماعية أو
حاجة فطرية فحسب، بل شريعة محكمة، ومقصد عظيم، تحفظ به الأديان، وتصان به الأعراض،
وتستقيم به الحياة.
ما معنى النكاح؟
النكاح في اللغة يدور حول معنى الضم والاجتماع والاختلاط، ومنه
قول العرب: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض.
أما في الاصطلاح الشرعي: فهو عقدٌ شرعي يترتب عليه إباحة استمتاع
كلٍّ من الزوجين بالآخر على الوجه الذي أذن الله به.
مشروعية النكاح في الإسلام:
دلَّت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، على مشروعية
النكاح والحث عليه.
قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ
وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].
وقال سبحانه:﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ
عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة
فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء».
كما أجمع المسلمون على مشروعية الزواج وأهميته في حياة الأفراد والمجتمعات.
لماذا شرع الله الزواج؟
جاءت الشريعة بالنكاح لتحقيق مقاصد عظيمة، من أبرزها:
1- إعفاف النفس وصيانة الفطرة: خلق الله في الإنسان الغريزة، وجعل الزواج
الطريق المشروع لإشباعها؛ حمايةً للإنسان من الانحراف والوقوع في الحرام.
2- تحقيق السكن والمودة: فالزواج ليس علاقة مادية مجردة، بل سكنٌ نفسي
وروحي، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:
21].
3- حفظ الأنساب وصلة الأرحام: فالأسرة لبنة المجتمع، وبالزواج تحفظ الأنساب،
وتتسع دوائر القرابة والتكافل.
4- بقاء النسل وتكثير الأمة: ومن مقاصد الزواج استمرار البشرية، وتكثير
أمة الإسلام، ونشر الخير والصلاح.
5- حماية الأخلاق والمجتمع: فالزواج حصن للأفراد، وسياج للمجتمعات من
التفكك والانحراف والعلاقات المحرمة.
حكم الزواج يختلف باختلاف الأشخاص:
ليس حكم الزواج واحدًا في حق الجميع، بل يختلف بحسب حال الشخص:
يكون واجبًا إذا خشي الإنسان الوقوع في الحرام، وكان قادرًا على
تكاليف الزواج ونفقاته؛ لأن حفظ النفس من المعصية واجب.
يكون مستحبًا لمن لديه رغبة وقدرة، لكنه لا يخشى الوقوع في الحرام،
فيبقى الزواج في حقه من السنن المؤكدة المرغَّب فيها.
يكون مكروهًا إذا كان الإنسان لا حاجة له بالزواج، أو كان عاجزًا
عن القيام بمقاصده وحقوقه، مع عدم وجود رغبة أو حاجة معتبرة.
معايير اختيار الشريك؟
من أكثر أسباب نجاح الحياة الزوجية: حسن الاختيار من البداية، وقد أرشد
النبي صلى الله عليه وسلم إلى معايير الاختيار فقال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها،
ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك».
فمن أهم الصفات التي يُستحب مراعاتها:
الدين والصلاح: وهو الأساس الذي تُبنى عليه بقية الصفات؛ فصاحبة الدين
أقرب لحفظ البيت والحقوق.
العفاف وحسن الأصل: فالبيئة الصالحة والأخلاق الحسنة من أسباب استقرار
الحياة الزوجية.
الودود الولود: قال صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني
مكاثر بكم الأمم».
البكارة: وذلك عند عدم وجود مصلحة راجحة لغيرها لما في ذلك من مزيد الألفة
أحيانًا، إلا أن المصلحة قد تقتضي اختيار الثيب في بعض الأحوال.
الجمال: لأن الألفة والمودة تتأثر بالقبول النفسي، والجمال يعين على غض
البصر واستمرار المودة.
* * *
الزواج في الإسلام ليس مجرد ارتباط بين شخصين، بل مشروع حياة، وعبادة،
ومسؤولية، ومقصد شرعي عظيم، وكلما كان الاختيار مبنيًا على الدين والوعي وحسن القصد؛
كانت الحياة أقرب إلى السكينة والمودة والرحمة التي أرادها الله لعباده.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق