الخميس، 18 يونيو 2026

سيرةُ إمامٍ وقصةُ كتابٍ

 

سيرةُ إمامٍ وقصةُ كتابٍ

إذا ذُكر الثبات على الحق، والصبر على المحنة، وسعة الرواية، والإمامة في السنة؛ برز اسم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ذلك الإمام الذي لم يكن مجرد فقيهٍ أو محدّث، بل كان مدرسةً علميةً متكاملة، ترك أثراً بالغاً في الفقه والحديث والعقيدة.

ومن أعظم آثاره العلمية كتابه الشهير: المسند، الذي يعد من أكبر دواوين السنة وأوسعها جمعاً للأحاديث.

أولاً: ترجمة الإمام أحمد بن حنبل:

هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الوائلي، أبو عبد الله، ولد سنة 164هـ ببغداد، ونشأ فيها طالباً للعلم، شديد الشغف بالحديث والرواية.

رحل في طلب العلم رحلات طويلة شملت العراق، والحجاز، واليمن، والشام، وخراسان، وفارس، وغيرها من الأقاليم، حتى صار إمام أهل الحديث في عصره.

وكان رحمه الله أسمر اللون، حسن الوجه، طويل القامة، يلبس البياض، ويخضب شعره ولحيته بالحناء.

محنة خلق القرآن:

اشتهر الإمام أحمد بثباته في محنة القول بخلق القرآن، حين تبنّى الخلفاء العباسيون هذا القول، فرفض الإمام الموافقة عليه، فسُجن وضُرب في عهد المعتصم، وبقي في السجن قرابة ثمانية وعشرين شهراً، حتى أطلق سنة 220هـ، ثم جاء عهد المتوكل، فأكرم الإمام أحمد، وقرّبه، وعظّم مكانته، حتى توفي سنة 241هـ وقد اجتمع الناس على إمامته وفضله.

ثانياً: مسند الإمام أحمد:

بدأ الإمام أحمد في جمع المسند تقريباً بعد سنة 200هـ، بعد رجوعه من رحلته إلى اليمن ولقائه بالإمام عبد الرزاق الصنعاني، وقد جمع فيه ما يقارب ثلاثين ألف حديث، انتقاها من مجموع ضخم قيل إنه تجاوز 750 ألف حديث.

لكن الإمام لم يُتم تهذيب كتابه النهائي؛ فقد كان يضيف ويحذف ويصحح حتى وفاته، فبقي الكتاب في أوراق وأجزاء متفرقة، ثم قام ابنه عبد الله بجمعه وترتيبه وإضافة بعض الروايات.

ولهذا قال الحافظ الذهبي: "لم يصنعه هو ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه".

منهج ترتيب المسند:

رتّب عبد الله بن أحمد الكتاب على أساس المسانيد؛ أي جمع أحاديث كل صحابي على حدة، مع مراعاة عدة اعتبارات، من أبرزها:

1- السبق إلى الإسلام: فبدأ بالعشرة المبشرين بالجنة، وقدم الخلفاء الأربعة.

2- شرف القرابة من النبي ﷺ: فذكر أهل البيت وبني هاشم، ثم ابن عباس وغيره.

3- كثرة الرواية: فقدّم المكثرين من الصحابة، مثل: أبو هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك رضي الله عنه.

4- الاعتبار الجغرافي: فرتب بعض المسانيد بحسب بلدان الصحابة؛ كالمكيين، ثم الشاميين، فالكوفيين، فالبصريين.

5- ختم بمسانيد الصحابيات، وقدم مسند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

ومع ذلك؛ فقد انتقد بعض العلماء ترتيب المسند؛ لوقوع اختلاط بين بعض المسانيد، وكثرة التكرار، ودخول بعض الروايات في غير مواضعها.

كم عدد أحاديث المسند؟

اختلف العلماء في عدد أحاديث المسند:

قيل: 30 ألف حديث، وقيل: 40 ألفاً مع زيادات عبد الله، وقيل: 50 ألفاً، وأقرب الأعداد: 27647 حديثاً، كما في طبعة الرسالة.

أما عدد الصحابة الذين روى لهم الإمام أحمد في المسند، فقد بلغ نحو 1056 صحابياً.

زوائد المسند ورُواته:

أضاف عبد الله بن أحمد روايات ليست من رواية أبيه، وبلغت قرابة 230 حديثاً.

أما ما أضافه أبو بكر القطيعي، فالأقرب أنه قليل جداً، وربما لا يتجاوز حديثاً واحداً على التحقيق.

وروى المسند عن الإمام أحمد: ابنه عبد الله، وابنه صالح، وابن عمه حنبل بن إسحاق.

لكن الرواية التي وصلت واشتهرت إنما كانت من طريق عبد الله بن أحمد، رواها عنه القطيعي.

درجة أحاديث المسند:

من أشهر الأسئلة: هل كل ما في المسند صحيح؟

اختلف العلماء في ذلك:

فمنهم من قال: كل ما فيه صحيح، ومنهم من قال: فيه الصحيح والحسن والضعيف، ومنهم من قال: فيه أحاديث ضعيفة جداً، لكنها قليلة، وذهب بعضهم إلى وجود أحاديث شديدة الضعف أو موضوعة.

وقال الذهبي: "فيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر".

وقد دافع الحافظ ابن حجر عن المسند في كتابه "القول المسدد"، وناقش الأحاديث المنتقدة حديثاً حديثاً.

لماذا روى الإمام أحمد أحاديث ضعيفة؟

هذه مسألة مهمة، فالإمام أحمد لم يكن يورد الحديث الضعيف عبثاً، بل لأسباب، منها:

1- يوردها للشواهد والمتابعات.

2- أو يوردها في الفضائل والمغازي دون العقائد والأحكام.

3- أو أن هذا الراوي الضعيف إنما هو ثقة عند أحمد ضعيف عند غيره.

4- أو أن الكتاب لم يكتمل تهذيبه النهائي فلو أمد الله في أجل الإمام أحمد لحذفها.

5- أو لأن الباب لا يوجد فيه إلا هذا الحديث الضعيف.

ما المقصود بالحديث الضعيف عند الإمام أحمد؟

هنا يقع الإشكال عند كثير من الناس، فمصطلح الضعيف عند الإمام أحمد أوسع من الاصطلاح المتأخر؛ إذ كان العلماء قبله يقسمون الحديث غالباً إلى: صحيح، وضعيف، وكان يدخل تحت "الضعيف" ما نسميه اليوم: الحسن، أو القريب من الحسن.

ولذلك قال ابن تيمية: "ومَن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف، الذي ليس بصحيح ولا حسن، فقد غلط عليه، ولكن كان في عُرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يُحتج به، وإلى ضعيف حسن ... فهذا وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً ويحتج به، ولهذا مثّل أحمد الحديث الضعيف الذي يُحتج به بحديث عمرو بن شعيب.

ثم قال: ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف، كحديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري وغيرهما، فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفا هو أرفع من كثير من الحسن، بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحا"[1].

* * *

وبعد هذا العرض الموجز نستطيع القول أن الإمام أحمد يعد مثالاً نادراً في الجمع بين سعة الرواية، ودقة العلم، والثبات على المبدأ، أما مسنده فليس مجرد كتاب حديث، بل مشروع علمي ضخم، يعكس حركة الرواية في القرن الثالث الهجري، ويكشف لنا كيف كانت تُبنى الموسوعات الحديثية الكبرى قبل اكتمال مناهج التصنيف والترتيب.

ورغم ما في المسند من تكرار أو تفاوت في درجات الروايات، فإنه يظل من أعظم دواوين السنة، وأوسعها أثراً، وأكثرها خدمةً لعلم الحديث.



[1] الفتاوى 25/18

الخميس، 11 يونيو 2026

أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (2)

 أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (2)

الْمَنْقُوصُونَ

30 - حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «إِنَّ أُنَاسًا يَدْعُونَ الْمَنْقُوصُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: «كَانَ أَحَدُهُمْ يُنْقِصُ طهُورَهُ، وَالْتِفَاتهِ فِي صَلَاتِهِ».

رجال الإسناد:

(أَبُو الْأَحْوَصِ): سلام بن سليم الحنفي مولاهم، الكوفي: ثقة متقن، صاحب حديث.

(آدَم بْن عَلِيٍّ): العجلي الشيباني: صدوق.

(ابْنُ عُمَرَ): عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، واستصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة.

دراسة الإسناد:

أثر موقوف، وإسناده حسن، وله حكم الرفع؛ لأنه إخبار عن أمر أخروي، لا يدرك إلا بالوحي، وابن عمر لا يروي عن بني إسرائيل.

تخريج الحديث:

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه[1].

شرح الحديث:

قوله: (إِنَّ أُنَاسًا يُدْعَوْنَ الْمَنْقُوصُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: يُعرفون بهذا الوصف؛ لأن أعمالهم كانت ناقصة غير تامة.

قوله: (كَانَ أَحَدُهُمْ يُنْقِصُ طهُورَهُ) أي: لا يُسبغ الوضوء ولا يُتمه، فيترك غسل بعض الأعضاء أو لا يأتي بالوضوء على وجهه الكامل.

وقوله: (والتفاته في صلاته) أي: يكثر الالتفات في الصلاة، فينقص خشوعها وكمالها، لأن الالتفات يذهب بخشوع المصلي ويُضعف إقباله على الله.

فالمقصود أن هؤلاء لم يتركوا الوضوء والصلاة بالكلية، وإنما نقصوا كمالهما وتمامهما، فاستحقوا أن يُوصفوا يوم القيامة بــ "المنقوصين"؛ لأنهم اعتادوا التهاون في إكمال عباداتهم.

وفي الأثر إشارة لطيفة إلى أن المؤمن لا يكتفي بأداء العبادة في الجملة، بل يحرص على إتمامها وإحسانها؛ فإن الله تعالى يحب من عبده الإتقان والإحسان، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.


[1] مصنف عبد الرزاق (3/ 96 ط التأصيل الثانية): 3868.


الأربعاء، 10 يونيو 2026

شرح البيقونية (22) الحديث المقلوب

 

المقلوب

21 - ........................... والَمقْلُوبُ قِسْمَانِ تَلا

22 - إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قِسْمُ … وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْمُ

يُعَدُّ هذا المبحث من الأنواع التي اعتنى بها المحدثون لكشف الأوهام والأخطاء التي تطرأ على الروايات، لما قد يترتب عليه من تغيير في الحكم على الحديث، وقد ذكر العلماء له صوراً متعددة، أشهرها: قلب الرواة، وقلب الإسناد للمتن، والقلب في المتن، ولكل صورة أمثلتها وأحكامها الخاصة.

المقلوب: هو الحديث الذي وقع تغيير في سنده أو متنه بإبدال لفظ بآخر، أو بتقديم وتأخير، ونحو ذلك.

ذكر الناظم أنه على قسمين:

1- قلب الرواة، وهو معنى قول الناظم: (إبدال راوٍ ما براوٍ)، مثاله:

كما لو قَلَبَ حديثاً عن: "عبد الله بن عمر العمري"، فيرويه عن: "عبيد الله بن عمر العمري"!

أو أن يقدم ويؤخر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه؛ "معاذ بن سعد"، بدل: "سعد بن معاذ"، أو: "مرة بن كعب"، بدل: "كعب بن مرة".

فإن كان الاسم لراوٍ واحدٍ لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه، أما إن كان صيَّره بالقلب رجلاً آخر، فلا يشكل على صحة الحديث إذا كانا ثقتين، أو ضَعْف الحديث إذا كانا ضعيفين، إنما يُشكل لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً كما في الأخوينِ في المثال السابق: (عبد الله: ضعيف، عبيد الله: ثقة) ، ويُعل بذلك الإسناد، فيكون الوصف بالقلب بسبب خطأ الراوي حكماً على الحديث بالضعف[1].

2- قلب الإسناد: وهو قول الناظم: (وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْمُ)، أي: أن يجعل الراوي متن هذا الحديث على إسناد آخر، ويجعل إسناده لمتن آخر.

مثاله: قال ابن أبي حاتم: "بلغني أن في كتاب الحسين: عن الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله؛ في قوله: {....}، وعلى أثره: الثوري، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم محشورون …فَدَخَلَ لعُمر بن شبّة إسناد حديث الأول، في متن حديث الثاني".

مثال آخر: ما أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير"[2]، وابن عدي في "الكامل"[3]، من حديث: أحمد بن خليد، عن يوسف بن يونس الأفطس -أخو أبي مسلم المستملي-، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت رَسُول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من عبيده، فيوقف بين يديه، فيسأله عن ‌جاهه كما يسأله عن ماله".

قال الطبراني: "لم يروه عن عبد الله بن دينار إلا سليمان بن بلال تفرد به يوسف بن يونس".

وقال ابن حبان عن يوسف بن يونس الأفطس: "يروي عن سليمان بن بلال ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد"، ثم أورد هذا الحديث من مناكيره، فقال عَقِبه: "وهذا لا أصل له من كلام النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

ولكن الدارقطني والخطيب البغدادي وثَّقا يوسف الأفطس ورجال الإسناد كلهم، وللحديث علة تفطن لها الدارقطني، فقال: "حدثني الحسن بن أحمد بن صالح الحافظ الحلبي أن هذا الحديث كان في كتاب أحمد بن خليد عن يوسف بن يونس [الأفطس]، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وقد دَرَسَ مَتْنُه، ودَرَسَ [أيضاً] إسناد الحديث الذي بعده، وبعدهُ هذا الكلام ، ‌فكتبه ‌بعض ‌الورَّاقين ‌عنه، ‌وألزق إسناد حديث سليمان بن بلال إلى هذا المتن" .

بهذا الشكل: [أحمد بن خليد عن يوسف بن يونس الأفطس، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت رَسُول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول ... [لا يوجد حديث] ...، ..... [لا يوجد إسناد] ..... إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من عبيده، فيوقف بين يديه، فيسأله عن ‌جاهه كما يسأله عن ماله]، فحذف الناسخُ (الورَّاق) الفراغات، وألصق الإسناد بالمتن الذي بعده.

يعني: أن الحديث [المتن] الذي رواه يوسف الأفطس بإسناده قد انمحى فلا يُعرف، كما أن إسناد الحديث الذي بعده قد انمحى فلا يُعرف.

فالخلاصة: أن هذا الحديث لا يُعرف إسناده -أعني: لا أصل له-، وأما الإسناد المذكور فليس لهذا الحديث كما بَـيـَّنَ الدارقطني.

3- قلب في المتن: وهذا النوع لم يذكره الناظم، أي: أن يقدم الراوي ويؤخر في بعض متن الحديث، ومثاله: حديث أبي هريرة عند مسلم، في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيه: "ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله": فهذا مما انقلب على بعض الرواة، وإنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".

تتمة: ويدخل في القلب ما يعرف بـــ :

أ- سرقة الحديث: بقصد الإغراب: كحديث مشهور عن "سالم عن ابن عمر"، فيجعله الراوي عمداً عن "نافع عن ابن عمر"، وممن كان يفعل ذلك من الرواة: "حماد بن عمرو النصيبي" ومثاله: حديث رواه حماد النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام".

فهذا حديث مقلوب؛ قلبه حماد النصيبي، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم في صحيحه.

مثال آخر: معاوية بن يحيى الصدفي أبو روح الدمشقي، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، قال عنه الساجي: ضعيف الحديث جدا، وكان اشترى كتابا للزهري من السوق فرواه عن الزهري!

مثال آخر: ما جاء في ترجمة أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، في "الكامل" لابن عدي، قال ابن عدي:

حدث عن الثقات بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث، حَدَّثَنَا مُحَمد بن عبدة بن حرب، حَدَّثَنا أحمد بن معاوية الباهلي، حَدَّثَنا ابن عياش، عن صفوان بن عَمْرو عن عَبد الرحمن بن جُبَير بن نفير عن كثير بن مرة الحضرمي، عن عَبد الله بن عَمْرو، قَال: قَال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، فمنزلي ومنزل إبراهيم يوم القيامة في الجنة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن بين خليلين.

قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بعبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش، وأحمد بن معاوية هذا سرقه من عَبد الوهاب

وسرقة الحديث قدح شديد في العدالة، يسقط الاعتداد بجميع رواية الموصوف بذلك.

ب- أو بقصد الاختبار: كما فعل أهل بغداد مع الإمام البخاري؛ إذ قلبوا له مائة حديث، وسألوه عنها امتحانا واختباراً لحفظه، فردها على ما كانت عليه قبل القلب، ولم يخطئ في واحد منها، فأذعنوا له بالحفظ.

إذاً فالأسباب الحاملة على القلب متنوعة:

أ- قصد الإغراب؛ ليرغب الناس في رواية حديثه، والأخذ عنه وهذا يعتبر جرحاً.

ب- قصد الامتحان، والتأكد من حفظ المحدِّث، وتمام ضبطه، ويشترط بيان الحقيقة في ذاك المجلس.

ج- الوقوع في الخطأ والغلط من غير قصد، والخطأ لا يسلم منه أحد حتى الثقات، لكن إذا كثر من الراوي كان جرحا.

وخلاصة القول: أن المقلوب من أنواع الحديث التي تدل على دقة المحدثين في نقد الروايات وتمحيصها، ومعرفة هذا النوع من أهم وسائل التمييز بين الروايات الصحيحة والمعلولة، وحفظ السنة النبوية من التحريف والوهم.


[1] تحرير علوم الحديث (2/ 1004).

[2] المعجم الصغير للطبراني (1/ 33) برقم: (18)

[3] الكامل في ضعفاء الرجال (8/ 514).

الاثنين، 8 يونيو 2026

شرح البيقونية (21) الحديث الشاذ

 

الشَّاذّ

21 - وما يخالف ثِقَةٌ بِهِ الَملا // فالشاذُّ .......................

يُعدُّ مبحث الحديث الشاذ من أدق أبواب علم الحديث؛ إذ لا يكفي في قبول الرواية عدالة الراوي وضبطه فقط، بل لا بد من سلامتها من مخالفة من هو أولى منه حفظًا أو عددًا، وقد اعتنى المحدثون بهذا الباب لتمييز الروايات المحفوظة من الشاذة؛ صيانةً للسنة النبوية، وإعمالًا لقواعد النقد والترجيح بين المرويات.

قوله: (وما يخالف ثقة به الملا) يعني: أن يخالف الراوي الثقةُ (الملأَ) أي: الجماعةَ من الثقات، أو مَن هو أوثق منه كما سيأتي.

تعريف الحديث الشاذ: هو ما رواه المقبولُ مخالفاً لمن هو أولى منه.

والمقبول هو: الراوي العدل الذي تمَّ ضبطُه، أو العدل الذي خفَّ ضبطُه.

والذي هو أولى منه: إما أن يكون راو أوثق منه، أو ثقتان فأكثر يُقدَّمون عليه بسبب كثرة العدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات.

فالمرجوح يقال له: "الشاذ"، والراجح يقال له: "المحفوظ".

قال الشافعي: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نَصٍّ، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم"، فقيّد الشاذ بقيدين: قيد المخالفة، وقيد الثقة.

إذاً هذا النوع يختص بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو المقبول لمن هو أولى منه، أما إذا خالف الضعيفُ الثقةَ، فالمعتمَد هو حديث الثقة بلا شك، ويسمى: "المعروف"، وأما حديث الضعيف فيسمى: "منكر"، وليس هذا مبحثه.

مكان الشذوذ:

1- إما في الإسناد: مثاله حديث: حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"[1].

حماد بن سلمة ثقة، لكنه تفرد بوصل هذا الحديث، قال أبو زرعة الرازي: "لا أعلم أحداً تابع حماداً على هذا"؛ فخالفه حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، فقالوا: عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث.

وهذه رواية مرسلة، و(حماد بن زيد، وابن عُلية، وعبد الوهاب)، كل واحد منهم أوثق من حماد بن سلمة، فكيف بهم مجتمعين؟!

لذلك حكم جماعة من الحفاظ بترجيح روايتهم المرسلة، إذاً رواية الجماعة (محفوظة) ورواية حماد بن سلمة (شاذة)[2].

2- أو في المتن: مثاله حديث: عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ"[3].

هذه رواية شاذة؛ عبد الواحد يخطئ في حديثه عن الأعمش، أما بقية الثقات إنما رووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قول.

أخرج البيهقي الرواية المحفوظة بإسناده من رواية: محمد بن إبراهيم، عن أبي صالح السمان قال: سمعت أبا هريرة يحدث مروان بن الحكم وهو على المدينة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين ركعتيه من الفجر وبين الصبح بضجعة على شقه الأيمن".

قال البيهقي: "وهذا أولى أن يكون محفوظا؛ لموافقته سائر الروايات عن عائشة[4] وابن عباس[5]"[6].

وخلاصة القول: إن الحديث الشاذ من المباحث الدقيقة التي تُظهر عمق منهج المحدثين في نقد الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؛ إذ لم يكتفوا بعدالة الراوي وضبطه، بل نظروا في موافقته لمن هو أولى منه، وبمعرفة الشذوذ تتبين الروايات المحفوظة من المرجوحة، ويتجلى جانب من عناية الأئمة البالغة بحفظ السنة النبوية وصيانتها من الخطأ والوهم.



[1] أخرجه أحمد (6/ 144) والدارمي (2127) وأبو داود (2134) والترمذي في " الجامع " (1140) و " العلل " (1/ 448) والنسائي (3943) وابن ماجة (1971)

[2] انظر: تحرير علوم الحديث (2/ 1019).

[3] سنن أبي داود (2/ 443 ت الأرنؤوط): 1261، سنن الترمذي (1/ 474): 422.

[4] البخاري (1161)، ومسلم (743/ 133).

[5] السنن الكبير للبيهقي (5/ 470 ت التركي): 4949.

[6] السنن الكبير للبيهقي (5/ 472 ت التركي).

الجمعة، 5 يونيو 2026

الدَّين .. همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار

 

الدَّين .. همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار

من أعظم ما ابتلي به الناس في هذا الزمن المعاصرة: التوسع في الدَّين بغير حاجة، أو التساهل في حقوق الناس المالية؛ فالدَّين ليس مجرد التزام مالي، بل عبء نفسي، وهمٌّ ملازم، ومسؤولية شرعية عظيمة قد تمتد آثارها إلى ما بعد الموت.

فكم من إنسان أثقل كاهله الدَّين، فأفسد راحته، وأشغل قلبه، وأثر في عبادته وعلاقاته، حتى صار أسيرًا لهمِّ السداد والخوف من المطالبة، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر الاستعاذة منه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».

لماذا كان الشرع شديدًا في أمر الدَّين؟!

جاءت النصوص الشرعية محذرة من التساهل في الديون؛ لأنها حقوق للعباد مبنية على الـمُشاحَّة، ولذلك عظّم الإسلام شأنها، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».

وثبت أن النبي ﷺ امتنع أول الأمر عن الصلاة على بعض المدينين حتى يتحمل أحدٌ سداد ديونهم، كما في قصة أبي قتادة رضي الله عنه؛ وذلك زجرًا للأمة عن الاستهانة بحقوق الناس.

قال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه كُنَّا جُلوسًا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ أُتيَ بجَنازةٍ، ... فقالوا: صَلِّ عليها، قال: هل تَرَكَ شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دَينٌ؟ قالوا: ثَلاثةُ دَنانيرَ، قال: صَلُّوا على صاحِبِكُم، قال أبو قَتادةَ: صَلِّ عليه يا رَسولَ اللهِ، وعليَّ دَينُه، فصَلَّى عليه.

وفي حديث سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لأهل رجلٍ مات وعليه دَين: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي مَاتَ فِيكُمْ قَدِ احْتَبَسَ عَنِ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ».

بل حتى منزلة الشهيد العظيمة لم تسقط الدَّين عنه، ففي صحيح مسلم: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ».

أنَّ رجلًا جاء إلى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: ما لِـيَ يا رسولَ اللهِ إن قُتِلْتُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «الْجَنَّةُ» فلمَّا وَلَّى قال: «إِلَّا الدَّيْنَ، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفًا».

كيف يتعامل المسلم مع الدَّين؟

الأصل أن المسلم لا يدخل في الدَّين إلا لحاجة، فإذا استدان وجب عليه أن يعزم على الوفاء، ويسارع في السداد، ويحذر من المماطلة والتسويف، قال ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ».

وفي المقابل، مَن صدقت نيته في السداد أعانه الله ووفقه أو يقضى حق صاحب الدين في الآخرة، قال ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّهُ».

(أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ) أي: يسَّرَ اللهُ له ذلك بإعانته وتوسيع رزقه، ومَن نوى الوفاء ومات قبله لعسر أو فجأة لا يأخذ رَبُّ العالمين من حسناته في الآخرة، بل يُرضى اللهُ صاحبَ الدَّين، (وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا) أتلف اللهُ أموالَه فِي الدُّنْيَا بِكَثْرَة المحن والمغارم والمصائب ومحق الْبركَة، وَفِي الْآخِرَة بِالْعَذَابِ[1].

ومن أعظم ما يُستعان به بعد الأخذ بالأسباب الدعاء، ومن الأدعية العظيمة في هذا الباب ما علّمه النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».

ماذا لو مات الإنسان وعليه دَين؟

إذا مات المسلم وعليه حقوق للناس، فإن الديون تُقضى من تركته قبل توزيع الميراث؛ لأن حق الغرماء مقدم على حق الورثة، فإن كانت له تركة، سُددت منها جميع الديون.

أما إذا لم يترك مالًا، أو كانت التركة لا تكفي، فلا يجب على الورثة السداد من أموالهم الخاصة، لكن يستحب لهم ذلك، وهو من أعظم البر بالميت؛ لأن ذمته تبقى مشغولة بالدَّين حتى يُقضى عنه، كما يمكن للورثة أن يتعاونوا في السداد، ولو على دفعات وأقساط بحسب قدرتهم، إبراءً لذمة الميت وإحسانًا إليه بعد موته.

وأما مَن مات وعليه دين كان ينوي سداده، ولم يترك مالاً، ولم يسدد عنه الورثة، فإن الله تعالى بمنّه وكرمه يُرضي غريمَه يوم القيامة كما مرَّ في الحديث السابق.

إذاً .. فالدَّين ليس أمرًا هيّنًا كما يتصوره كثير من الناس، بل هو باب يحتاج إلى فقهٍ وحذرٍ وحسن تقدير، والمؤمن العاقل لا يجعل نفسه أسيرًا للديون، ولا يستخف بحقوق الناس، بل يوازن بين حاجته وقدرته، ويجعل السداد والوفاء من أولوياته، فكم من دَينٍ بدأ يسيرًا، ثم تحول إلى همٍّ دائم، وكم من وفاءٍ بالحقوق كان سببًا في راحة القلب وبركة الحياة.



[1] فيض القدير (6/ 41)

الخميس، 4 يونيو 2026

أعظم ما أُعطي أهل الجنة

 

أعظم ما أُعطي أهل الجنة

من أعظم النعيم الذي وعد الله به عباده المؤمنين في الدار الآخرة: التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، وهي عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، تلقَّتها الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل، وعدَّها أهل السنة من مسائل الاعتقاد الظاهرة التي تواترت بها النصوص، حتى قال العلماء: إن أدلتها بلغت حدَّ التواتر اللفظي والمعنوي الذي لا يدع مجالًا للشك أو التردد.

فالآيات صريحة الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى لا تقبل تحريفا ولا تأويلا ولا يردها إلا مكابر قد ختم الله على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله.

دلالة القرآن الكريم على رؤية الله تعالى:

قال تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [الْقِيَامَةِ: 23-24].

فهذه الآية من أوضح ما استدل به أهل السنة؛ إذ أخبر الله عن وجوه أهل الإيمان أنها ناضرة مشرقة حسنة، ثم بيَّن سبب هذا النعيم والبهاء بقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.

وقال تعالى: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يُونُسَ: 26].

وقد جاء تفسير هذه الزيادة في السنة الصحيحة، قال رسول الله ﷺ: «الزيادةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللهِ» وأصله عند مسلم.

الأحاديث المتواترة في إثبات الرؤية:

وقد تواترت الأحاديث بمعنى ما تضمنته هذه الآيات رواها أئمة السنة والحديث في دواوين الإسلام عن فضلاء الصحابة وأجلائهم.

ففي الصحيحين عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ ‌سَتَرَوْنَ ‌رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا".

وفيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ ‌نَرَى ‌رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ"** قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ".

ولهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ ‌نَرَى ‌رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ تبارك وتعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا".

وفي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ يَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}.

والتشبيه في هذه الأحاديث إنما هو في وضوح الرؤية وعدم المزاحمة فيها، لا في تشبيه الله تعالى بخلقه، تعالى الله عن ذلك.

إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين:

وثبت الإيمان بالرؤية عن الصحابة مثل: أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وفضالة بن عبيد، وغيرهم.

وعن التابعين قال: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، في قوله: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} أنها النظر إلى الله تبارك وتعالى.

وهذا الانتشار الواسع للنقول عن الصحابة والتابعين يدل على أن المسألة كانت معلومة مشهورة بينهم، لا خلاف فيها عند أهل القرون المفضلة.

وهي عقيدة أئمة الإسلام:

قال مالك بن أنس الإمام رحمه الله تعالى: "الناس ينظرون إلى ربهم عز وجل يوم القيامة بأعينهم".

وقال سفيان بن عيينة: "مَن لم يقل إن القرآن كلام الله، وأن الله يُرى في الجنة فهو: جَهَمي"، وذكر عنه ابن أبي حاتم أنه قال: "لا يُصلَّى خلف الجهمي".

والجهمي الذي يقول: "لا يَرى ربه يوم القيامة"، نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي نشر هذه العقيدة الخبيثة.

وقال الربيع بن سليمان: حضرتُ محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها سؤال: ما تقول في قول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}

فقال الشافعي: "لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا".

قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: "نعم وبه أدين الله، ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل".

وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وذكر له عن رجلٍ شيء في الرؤية، فغضب وقال: "من قال إن الله لا يرى فهو كافر".

ومن أجمع ما قيل في الاحتجاج لأحاديث الرؤية ما جاء عن إسحاق بن راهويه: قال له عبد الله بن طاهر أمير خراسان: يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي يروونها في النزول والرؤية ما هُنَّ؟!

فقال: "رواها مَن روى الطهارة والغُسل والصلاة والأحكام، فإن يكونوا في هذه عدولا وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع!".

فقال ابن طاهر: "شفاك الله كما شفيتني".

فهذا كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة، وهذه أقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الهدى، كلها مجتمعة على أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى في الجنة، ويتلذذون بالنظر إلى وجهه الكريم، وذلك غاية النعيم، وأعلى الكرامات، وأفضل فضيلة.

ولذلك كان النظر إلى وجه الله الكريم أعظم من كل نعيم الجنة؛ إذ يذهل أهل الجنة بالنظر إليه عن كل ما هم فيه من النعيم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من أهل رضوانه، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم والشوق إلى لقائه.