الاثنين، 11 مايو 2026

اللُّقَطَةُ في الإسلام .. معناها وأحكامها

 

اللُّقَطَةُ في الإسلام .. معناها وأحكامها

 


جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الأموال وصيانة حقوق الناس، ومن ذلك ما يتعلق بـ«اللُّقَطة»، وهي الأموال أو المقتنيات التي يجدها الإنسان ضائعة لا يُعرف صاحبها، فجعلت الشريعة لها أحكامًا دقيقة توازن بين حفظ حق المالك، ومنع ضياع المال، وتحقيق الأمانة بين الناس.

معنى اللقطة:

اللُّقَطة في اللغة: الشيء الملتقط الذي يجده الإنسان فيأخذه.

أما في الاصطلاح الشرعي: فهي أخذ مال محترم ضائع بقصد حفظه لصاحبه، أو تملكه بعد التعريف به المدة المقررة شرعًا.

وقد ثبت أصل أحكام اللقطة في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فبيّن كيفية التعامل معها، وأمر بحفظ أوصافها والتعريف بها سنة كاملة، ثم الانتفاع بها مع بقاء حق صاحبها متى جاء يطلبها.

أقسام اللقطة:

تنقسم اللقطة إلى عدة أقسام، ولكل قسم حكمه:

أولًا: الأشياء اليسيرة التي لا يهتم الناس بفقدها

كالعصا، والسوط، والرغيف، والثمرة ونحو ذلك.

فهذه يجوز أخذها والانتفاع بها دون حاجة إلى تعريف؛ لأن الناس غالبًا لا يحرصون على المطالبة بها.

ثانيًا: ما يمتنع بنفسه من الحيوانات

كالإبل والخيل والبقر والبغال، فهذه لا يجوز التقاطها؛ لأنها قادرة على حماية نفسها والوصول إلى الماء والطعام حتى يجدها صاحبها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الإبل:

«مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها».

ثالثًا: ما يحتاج إلى حفظ وتعريف

كالنقود، والذهب، والفضة، والأمتعة، وكذلك الحيوانات الضعيفة كالغنم والدجاج.

فهذه يجوز التقاطها لمن كان أمينًا قادرًا على التعريف بها وحفظها.

أحكام مهمة تتعلق باللقطة:

1- التصرف في الحيوان المأكول: إذا كانت اللقطة حيوانًا يؤكل، كالغنم، فإن ملتقطه مخير بين:

أ- حفظه والإنفاق عليه، وأخذ النفقة من صاحبها بعد ذلك.

ب- أو بيعه والاحتفاظ بثمنه.

جـ- أو أكله مع ضمان قيمته لصاحبه إذا ظهر.

فإن جاء صاحبه قبل التصرف فيه فله أخذه.

2- الأشياء سريعة التلف: كالخضروات والفواكه، فيجوز للملتقط أن يأكلها أو يبيعها، ثم يحتفظ بقيمتها لصاحبها.

3- وجوب حفظ الأموال والأمتعة: فالنقود والأواني والمتاع يجب حفظها أمانة، مع التعريف بها في الأماكن التي يجتمع فيها الناس.

4- لا يجوز أخذ اللقطة إلا لمن يقدر على الأمانة: فمن خشي على نفسه التفريط أو العجز عن التعريف بها فلا يجوز له أخذها؛ لأن التعريف واجب شرعًا.

ويجب على الملتقط أن يحفظ أوصاف اللقطة بدقة، ثم يعرّف بها سنة كاملة، فإذا جاء صاحبها ووصفها وصفًا مطابقًا دُفعت إليه.

5- تملك اللقطة بعد التعريف: إذا مضت سنة كاملة ولم يظهر صاحبها، جاز للملتقط أن يتملكها، لكن مع بقاء حق صاحبها متى جاء ووصفها وصفًا صحيحًا.

6- لقطة الصبي والسفيه: إذا وجد الصبي أو السفيه لقطة، فإن ولي أمره هو الذي يتولى حفظها والتعريف بها والتصرف فيها وفق الأحكام السابقة.

7- لقطة الحرم: أما لقطة الحرم المكي فلها خصوصية؛ إذ لا يجوز تملكها أبدًا، بل يجب التعريف بها دائمًا حتى يُعثر على صاحبها.

خاتمة:

تظهر أحكام اللقطة جانبًا عظيمًا من عناية الإسلام بحفظ الحقوق والأموال، وترسيخ قيم الأمانة والعدل بين الناس. فالمسلم لا ينظر إلى المال الضائع على أنه غنيمة، بل أمانة يجب حفظها وردها إلى أهلها، ولذلك جاءت هذه الأحكام التفصيلية حمايةً للأموال، وصيانةً للمجتمع من الفوضى والاعتداء على حقوق الآخرين.

الأحد، 10 مايو 2026

 

الأجسام الطائرة.. وجهة نظر شرعية


أثار إعلان وزارة الدفاع الأميركية نشر دفعة من الملفات السرية المتعلقة بما يُعرف بالأجسام الطائرة المجهولة اهتمامًا عالميًا واسعًا، لما يحمله هذا الملف من غموض وتشويق امتد لعقود طويلة.

وقد تضمنت الوثائق والصور ومقاطع الفيديو حالات رصد جوية عجزت الجهات المختصة عن تفسيرها بشكل حاسم، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها جزء من سياسة "الشفافية" مع الرأي العام، وبينما سارعت بعض الأوساط إلى ربط هذه الظواهر بفرضيات الكائنات الفضائية، أكد البنتاغون أن ما نُشر لا يثبت وجود حياة خارج الأرض، وإنما يوثق مشاهدات وظواهر ما تزال غير مفسّرة بسبب نقص المعلومات أو تعقيد الحالات المرصودة.

ومن الناحية الشرعية، فإن الجزم بوجود "مخلوقات فضائية" أو نفي ذلك أمرٌ لا نص قاطع عليه؛ إذ لم يأتِ في كتاب الله تعالى ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم نصٌّ صريح يثبت ذلك أو ينفيه، لكن جاء في القرآن ما يدل على أن خلق الله تعالى أوسع مما يحيط به علم البشر، قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8].

ولذلك فإن هذه الظواهر التي تُبث بين حين وآخر قد تكون أشياء متعددة، ولا يصح التسرع في القطع بحقيقتها دون بينة.

فمن الاحتمالات:

- ما يذكره بعض المحللين: أن يكون جزء من هذه المشاهدات نوعًا من التهويل الإعلامي أو التوظيف السياسي؛ لصرف الأنظار عن أزمات أو أحداث جارية، وهو أسلوب معروف في السياسات الدولية.

- كما يحتمل أن تكون بعض هذه الظواهر مرتبطة بعالم الملائكة؛ فقد وردت نصوص صحيحة قريبة في وصفها لبعض تلك المشاهدات، ففي الصحيحين: أن أُسيد بن حضير رضي الله عنه كان يقرأ القرآن ليلًا، فاضطربت فرسه مرارًا، فلما انصرف رأى فوقه شيئًا كالسحابة فيها أمثال المصابيح تصعد في السماء، فلما أخبر النبي ﷺ قال: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ».

- ويحتمل كذلك أن تكون بعض هذه الظواهر أجسام شيطانية؛ فإن الله تعالى أخبر عن قدرتهم على بلوغ السماء ومحاولة استراق السمع، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ۝ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 8-9].

وأخبرني مَن أثق به من العسكريين أن أجهزة الرصد الحراري في الآلات العسكرية تريهم أجساماً غريبة في الصحراء، تتشكل على أشكال مختلفة، مرة بأشكال غير مألوفة، ومرة بشكل إنسان، ومرة نصف إنسان!

كما دلت السنة على قدرة الشياطين على التشكل بصور مختلفة؛ ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يحرس زكاة رمضان، فجاءه رجل يسرق الطعام ثلاث ليالٍ، وفي كل مرة يعتذر بالفقر فيتركه. وفي الليلة الثالثة قال له أبو هريرة: «لأرفعنك إلى رسول الله»، فقال: «دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها»، فعلّمه قراءة آية الكرسي قبل النوم، وقال: لن يقربك شيطان حتى تصبح. فلما أخبر أبو هريرة النبي ﷺ قال: «صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قال: لا. قال: «ذاك شيطان».

وعلى المسلم أن يقف في مثل هذه القضايا عند حدود العلم والدليل، وألا ينساق خلف التهويل الإعلامي أو القصص الخيالية التي تُبنى على الظنون والتكهنات، ولا ننكر أيضاً أن الكون مليء بالأسرار التي لم يكتشفها الإنسان بعد، والله تعالى أعلم بخلقه وأسرار كونه.

السبت، 9 مايو 2026

نكران الجميل

نكران الجميل

من أخطر الأخلاق التي تُفسد القلوب، وتقطع أواصر الصِلات: خُلُقُ نكران الجميل، وهو جحود الإحسان، وتناسي المعروف، ومقابلة الفضل بالإساءة أو الإعراض. وقد ذمَّ الشرع هذا الخُلُق ذمًّا شديدًا، وحذَّر من آثاره في الدنيا والآخرة؛ لأنه يدل على قسوة القلب، وضعف الوفاء، وفساد الطبع.

ولذلك وصف الله تعالى الإنسان بهذا الطبع إن لم يهذّبه الإيمان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، أي: كثير الكفران لنعم الله، يجحد إحسان ربِّه وفضله عليه.

ومن صور هذا الجحود أن الإنسان إذا وقع في الشدة والضيق لجأ إلى الله مخلصًا، فإذا كشف الله عنه البلاء أعرض ونسي، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، وقال سبحانه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

ولم يقف التحذير عند مجرد الذم، بل بيَّن القرآن أن نكران النعم سببٌ لزوالها، وحلول العقوبات، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ۝ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.

وقد نبَّه النبي ﷺ إلى خطورة هذا الخُلُق في التعامل بين الناس، فقال في خطبته يوم العيد: «يا معشر النساء، تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار». فلما سألنه عن السبب قال: «تُكثرن اللعن، وتكفرن العشير».

وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما: «لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط».

والمقصود: جحود الإحسان، وتناسي سنوات المعروف لأجل موقف عابر أو خطأ يسير.

ومن هنا جاءت الشريعة بالتأكيد على شكر الناس والاعتراف بفضلهم، فقال النبي ﷺ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».

وقال ﷺ: «من أُعطي عطاءً فوجد فليجزِ به، فإن لم يجد فليثنِ به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره».

(فوجد فليجزِ به): رزقه الله مالاً فليكافئ المحسن.

ومن أقبح صور نكران الجميل: عقوق الوالدين؛ فإن الوالدين يبذلان أعمارَهما في التربية والرعاية والتضحية، ثم قد يُقابَل هذا الإحسان بالجفاء والعقوق والإساءة، مع أن الله تعالى أمر بشكر الوالدين: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ولذلك كان السلف ينفِّرون من صحبة العاقّ؛ لأنه لا يُؤمَن جانبه، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «لا تصحبنَّ عاقًّا؛ فإنه لن يقبلك وقد عقَّ والديه».

بل إن الإسلام نهى عن نكران المعروف حتى مع البهائم؛ فقد هربت امرأةٌ من الأسر على ناقة، ثم نذرت إن نجّاها الله عليها أن تنحرها، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: «سبحان الله! بئسما جزتها!»، فأنكر عليها أن تُقابل سبب نجاتها بالإهلاك والذبح.

ومن آثار نكران الجميل:

ولنكران الجميل آثار خطيرة على الأفراد والمجتمعات، من أبرزها:

تقطيع الأواصر والعلاقات بين الناس.

نشر الكراهية والعداوة والضغائن.

أنه سببٌ للعقوبة ودخول النار، خاصة مع من عظم حقه كالزوج والوالدين.

أنه سبب لزوال النعم ورفع البركات.

أنه يدفع بعض الناس إلى ترك الإحسان ومنع المعروف.

أنه قد يحمل المحسن على المنِّ والأذى بسبب الجحود.

أنه سبب لغضب الله والإعراض من الخلق.

أنه يورث نكد العيش وسوء الحال واضطراب النفس.

خاتمة:

المؤمن الحق هو الذي يحفظ المعروف، ويشكر الإحسان، ويعترف بالفضل لأهله، ولا ينسى يدًا امتدت إليه بخير، فإنَّ شكر الناس من شكر الله، والوفاء من شيم الكرام، أما الجحود ونكران الجميل فخُلُقٌ مذمومٌ تنفر منه النفوس السليمة، وتتوعده نصوص الشرع بالذم والعقوبة.

 

للاستزادة: موسوعة الأخلاق

الجمعة، 8 مايو 2026

الإمام ابن ماجه وسننه

 الإمام ابن ماجه وسننه

 

يُعدّ الإمام محمد بن يزيد ابن ماجه القزويني أحد الأئمة الكبار في علم الحديث، وصاحب الكتاب المشهور: سنن ابن ماجه، الذي أصبح مع الزمن واحدًا من أشهر كتب السنة النبوية وأكثرها تداولًا. وقد جمع بين الرحلة الواسعة في طلب العلم، والتصنيف النافع، والدقة في الترتيب والتبويب، حتى بقي اسمه حاضرًا في كل دراسة لعلوم الحديث وكتبه.

 نسبه ورحلته في طلب العلم:

هو: محمد بن يزيد الربعي القزويني، أبو عبد الله، المعروف بابن ماجه، وُلد سنة 209هـ بمدينة قزوين، وتوفي سنة 273هـ. وكان من أهل الحديث الذين جابوا البلدان في طلب العلم؛ فرحل إلى البصرة وبغداد والشام ومصر والحجاز والري، يسمع الحديث ويجمع الروايات من كبار العلماء والمحدثين.

مدينة قزوين:

تقع مدينة قزوين شمال غربي طهران، على سفوح جبال البرز، وكانت من المدن العلمية المعروفة في العالم الإسلامي، وخرج منها عدد من أهل العلم والرواية.

 مؤلفاته: 

ترك ابن ماجه عددًا من المصنفات، من أشهرها:

سنن ابن ماجه.

تفسير القرآن.

تاريخ قزوين.

أما تفسيره، فقد وصفه ابن كثير بأنه: «تفسير حافل»، إلا أن الكتاب فُقد ولم يصل إلينا منه شيء معروف اليوم. وكذلك كتابه في التاريخ، فقد أثنى عليه العلماء، فقال ابن خلكان: «تاريخ مليح»، وقال ابن كثير: «تاريخ كامل»، وقال ابن الوردي: «تاريخ أحسن فيه».

وقد أشار الشيخ محمد مصطفى الأعظمي إلى أن هذين الكتابين مفقودان في عصرنا، فقال: «في الوقت الحاضر لا ندري شيئًا عن تفسيره ولا عن تاريخه».

معنى "ماجه":

اختلف العلماء في كلمة "ماجه":

فقيل: هو لقب والده يزيد.

وقيل: لقب جدّه.

وقيل: اسم أمّه.

ويصح في النطق أن يقال:

ابن ماجه، بالهاء

أو ابن ماجة، بالتاء المربوطة.

إلا أن العلامة عبد الرحمن المعلمي نصّ على أن "ماجه" من الأسماء التي تبقى فيها الهاء في الوقف والوصل، فقال: «وثَمّ أربعة أسماء صرّح أهل العلم بأنّه يبقى آخرها هاء وقفًا ووصلًا، وهي: ماجه، وداسه، ومنده، وسيده».

سنن ابن ماجه ومكانته بين كتب السنة:

يُعد كتاب سنن ابن ماجه من أشهر كتب الحديث، وقد عرضه مؤلفه على الإمام أبو زرعة الرازي فاستحسنه. وقال ابن كثير عنه: «كتاب مفيد قوي التبويب»، وقال الذهبي: «كتاب حسن، لولا ما كدره من أحاديث واهية ليست بالكثيرة».

ولم يكن سنن ابن ماجه يُعدّ في البداية سادس الكتب الستة، حتى جاء الحافظ ابن طاهر المقدسي فجعل ابن ماجه سادس أصحاب الكتب الستة، وصنف في أطرافها وشروطها، بينما كان بعض العلماء يجعل موطأ مالك أو سنن الدارمي بدلًا منه.

أبرز مميزات سنن ابن ماجه:

يمكن تلخيص أهم مزايا الكتاب في أربع خصائص رئيسة:

1- دقة التبويب وحسن الترتيب: امتاز الكتاب بأبواب موجزة دقيقة، مع ترتيب فقهي واضح يُسهّل على طالب العلم الوصول إلى المسائل والأحاديث.

2- كثرة الزوائد: من أهم ما ميّز الكتاب اشتماله على عدد كبير من الأحاديث الزائدة على الكتب الخمسة الأخرى، ولذلك اعتنى به العلماء وجعلوه ضمن الكتب الستة.

3- قلة التكرار: كان ابن ماجه يميل إلى الاختصار، فيورد الحديث غالبًا دون تكرار، بخلاف بعض المصنفات الأخرى.

4- الاقتصار على الأحاديث المرفوعة: اقتصر في الغالب على الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ، مع قلة الموقوفات والمقطوعات، إلا ما ورد في مقدمته.

منهج ابن ماجه في كتابه:

لم يصرّح ابن ماجه بشرطه في كتابه، لكن يظهر من صنيعه أنه قصد جمع أحاديث الأحكام التي يحتج بها الفقهاء، مع الاختصار وعدم اشتراط الصحة المطلقة.

وقد خرّج عن طبقات متعددة من الرواة؛ فإلى جانب روايته عن الثقات المشهورين، أكثر من التخريج لبعض رواة الطبقتين الثالثة والرابعة، كما بيّن ذلك الحافظ أبو بكر الحازمي.

أبرز المآخذ على سنن ابن ماجه:

رغم مكانة الكتاب، فقد وجّه العلماء إليه عددًا من الملاحظات، وأبرزها أمران:

أولًا: الرواية عن بعض الضعفاء والمتروكين: فقد روى ابن ماجه عن بعض الرواة المتهمين بالكذب أو شديدي الضعف، بل تفرّد أحيانًا بأحاديث لا تُعرف إلا من جهتهم.

ثانيًا: وجود أحاديث ضعيفة ومنكرة: يشتمل الكتاب على عدد من الأحاديث الضعيفة، بل والواهية والموضوعة، وهو ما جعل بعض العلماء يتوقف في إلحاقه بالكتب الستة.

وقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني إن فيه «أحاديث ضعيفة جدًا»، ونقل عن الحافظ المزي قوله: «كل ما ينفرد به ابن ماجه فهو ضعيف»، ثم ناقش هذا الإطلاق، وبيّن أن المقصود غالبًا الرجال لا جميع الأحاديث، إذ إن في زوائده أحاديث صحيحة وحسنة أيضًا.

عدد زوائد ابن ماجه:

قام الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي بإحصاء زوائد ابن ماجه، فبلغت عنده (1339) حديثًا، وهي على النحو الآتي:

428 حديثًا صحيح الإسناد.

199 حديثًا حسن الإسناد.

613 حديثًا ضعيف الإسناد.

99 حديثًا واهيًا أو منكرًا أو مكذوبًا.

وهذا يدل على أن الكتاب، رغم ما فيه من الضعيف، يشتمل كذلك على قدر كبير من الأحاديث الصحيحة والحسنة.

رُواة سنن ابن ماجه:

اشتهر برواية سنن ابن ماجه عدد من التلاميذ والرواة، منهم:

أبو الحسن ابن القطان

سليمان بن يزيد القزويني.

أبو جعفر محمد بن عيسى المطوعي.

أبو بكر حامد بن ليثويه الأبهريان.

وأضاف ابن حجر راويين آخرين: سعدون، إبراهيم بن دينار.

وأشهر طرق الكتاب اليوم طريق أبي الحسن ابن القطان، حتى قال الشيخ محمد مصطفى الأعظمي إن الكتاب لم يشتهر إلا من طريقه، أما بقية الروايات فقد اندثرت مبكرًا.

كما أن للقطان زيادات على السنن بلغت (44) زيادة.

خاتمة:

يبقى الإمام ابن ماجه واحدًا من كبار أئمة الحديث الذين خدموا السنة النبوية خدمة جليلة، وكان كتابه السنن من المصنفات التي أثرت المكتبة الحديثية الإسلامية، بما فيه من ترتيب حسن، وزوائد نافعة، واختصار مفيد. ورغم ما وُجه إليه من نقد بسبب بعض الأحاديث الضعيفة، فإن مكانته العلمية بقيت محفوظة، وظل كتابه معتمدًا عند العلماء وطلاب العلم عبر القرون.

الأربعاء، 8 أبريل 2026

ما بين إشعال الفتيل والهدنة

 ما بين إشعال الفتيل والهدنة


انتهت جولة من الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، وبدأت مرحلة الهدنة، لكن ما بعد الهدنة لا يقل أهمية عن الحرب نفسها؛ ففي هذه اللحظة، تتضح النتائج الحقيقية، ويظهر أي الأطراف استطاع أن يحافظ على توازنه، وأيها دخل مرحلة جديدة من التحديات.

أولاً: دول الخليج:

وجدت دول الخليج نفسها في قلب صراع أكبر منها، تتلقى تداعياته المباشرة، دون أن تكون صاحبة قراره، ومع ذلك، استطاعت الحفاظ على توازنها، فلم تنجرّ إلى تصعيد غير محسوب، ولم تفقد السيطرة على جبهتها الداخلية.

واجه الخليج تهديدات مباشرة بالصواريخ والمسيرات من الأراضي الإيرانية، كان النصيب الأكبر (90%) من الصواريخ والمسيرات الإيرانية موجهة للخيلج، والباقي لإسرائيل، في وضع يطرح سؤالاً ضخماً: من العدو الحقيقي لإيران؟!

كما كان جزء كبير منها جاء من الميليشيات العراقية التابعة لإيران، حيث تشير التقديرات إلى أن النسبة الأكبر من الضربات التي استهدفت الكويت والسعودية -على وجه الخصوص- جاءت من تلك الجهة، ولم تكتفِ الكويت والسعودية بالدفاع، بل اتجهت – في بعض مراحل المواجهة – إلى ردود استهدفت مواقع لفصائل مسلحة موالية لإيران داخل العراق.

وفي خضم هذه التجربة، تعزز إدراك دول الخليج بأن الاعتماد على الحماية الخارجية لم يعد كافياً، وأن بناء القدرة الذاتية ضرورة لا خيار، كما برزت أهمية تماسك الجبهة الداخلية، ووحدة الصف الخليجي، باعتبارهما خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات.

ومن أبرز ما كشفت عنه الحرب، أن الخليج لم يعد مجرد طرف في الصراع، بل ركيزة في الاقتصاد العالمي؛ فقد ظهر بوضوح مدى اعتماد العالم على طاقته، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، وما تبعه من ارتباك في الأسواق. وهذا ما يجعل استقرار الخليج مصلحة دولية عليا، تسعى القوى الكبرى – كأوروبا والصين – إلى الحفاظ عليها.

ثانياً: الولايات المتحدة:

دخلت الولايات المتحدة الحرب مدفوعة باعتبارات متعددة، في مقدمتها دعم إسرائيل، لكنها لم تكن تملك تصوراً واضحاً لنهايتها: هل الهدف إسقاط النظام الإيراني؟ أم تحجيمه؟ أم مجرد ضبط سلوكه؟

هذا الغموض انعكس على إدارة المعركة المربكة، التي بدت في كثير من مراحلها أقرب إلى رد الفعل منها إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، ورغم قدرتها على ترجيح كفة الصراع، فإنها واجهت كلفة مرتفعة، وتعقيدات ميدانية وسياسية كشفت حدود القوة العسكرية في فرض استقرار دائم.

ومن المرجح أن تدفع هذه التجربة واشنطن إلى تقليل انخراطها المباشر مستقبلاً، والاعتماد على أدوات أقل كلفة، مع إعادة ترتيب أولوياتها، بما يتجاوز الشرق الأوسط إلى ملفات دولية أخرى.

ثالثاً: إسرائيل:

ظهرت إسرائيل في هذه الحرب معتمدة بشكل كبير على الدعم الأمريكي، في واقع يبرز صعوبة تحقيق طموحاتها الاستراتيجية منفردة، ورغم ما حققته من مكاسب استراتيجية، فإنها لم تحقق حالة الاستقرار الذي كانت تسعى إليه.

لقد تلقت إسرائيل ضربات صاروخية قاسية، يُرجّح أن جانباً منها تحت التكتيم الإعلامي، كما كشفت المواجهة أن منظومات الدفاع القبة الحديدية – رغم تطورها – ليست حصناً مطلقاً، وأن استنزافها أو تجاوزها بات ممكناً ضمن تكتيكات وثغرات استغلها النظام الإيراني.

ويبدو أن ما يُطرح تحت عنوان: “إسرائيل الكبرى” يواجه واقعاً معقداً يجعل تحققه أبعد من أي وقت مضى، في ظل توازنات إقليمية رافضة وتكاليف باهضة، كما بات حلم “المشروع الإبراهيمي” والتوسع في مسار التطبيع أكثر صعوبة، بعد أن أعادت الحرب إحياء الحساسية الشعبية والسياسية في المنطقة، وأظهرت أن بناء تحالفات مستقرة لا يمكن أن يقوم على تجاوز جذور الصراع.

ومع تصاعد العزلة الدولية، وتراجع الشعور بالأمان في الداخل الإسرائيلي، تواجه إسرائيل تحديات لا تقتصر على ساحة المعركة، بل تمتد إلى بنية المجتمع واستقراره.

وباتت حكومة بنيامين نتنياهو أكثر عرضة للتهديد من أي وقت مضى، في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة وتداعيات الحرب التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أدائها وقدرتها على إدارة المرحلة القادمة.

رابعاً: إيران:

خاضت إيران هذه الحرب مدفوعة بالحفاظ والدفاع عن مشروعها الاستراتيجي، وأظهرت قدراً من التماسك، والتهديد، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن فجوة بين خطابها وقدراتها العسكرية الفعلية، سواء في نوعية ترسانتها التي ظهرت بدائية، أو في أداء أذرعها الإقليمية وفاعليتها.

كما برزت مؤشرات على اختراقات أمنية واسعة، طالت مستويات متقدمة من دوائر القرار، وصلت إلى رأس المرشد والصف الأول والثاني من القيادات، وربما امتدت إلى الصف الثالث، وهو ما يعكس خللاً في البنية الأمنية، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على حماية مراكزها الحساسة.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الخسائر العسكرية، بل في ما قد تخلّفه من آثار داخلية: ضغط اقتصادي، وتراجع في الخدمات، واحتقان اجتماعي قد يتطور إلى اضطرابات أوسع، تهدد تماسك الدولة على المدى البعيد، بعد ضربات أمريكية-إسرائيلية أرجعتها إلى عقدين من الزمان!

* * *

في الختام .. كشفت هذه الحرب أن المنطقة لا تتجه نحو هيمنة طرف واحد، بل نحو حالة من التوازن الهش، حيث يملك الجميع القدرة على الإيذاء دون القدرة على الحسم.

وفي مثل هذا السياق، لا يكون الانتصار في كسب المعركة، بل في القدرة على التعلم منها، وإعادة بناء الذات على أسس أكثر صلابة. 

وهنا تحديداً، تبدو دول الخليج وقد خرجت من هذه الجولة أكثر وعياً، وأكثر تماسكاً، وأقل خسارة، وأكثر استعداداً لما هو قادم.

الخميس، 2 أبريل 2026

الرد على قاعدة الدكتور بشار عواد

 الرد على قاعدة الدكتور بشار عواد


استوقفني ما طُرح في لقاءٍ ضمن لقاءات راديو ثمانية، الذي يقدّمه عبد الرحمن أبو مالح، واستُضيف فيه الدكتور المحقق بشار عواد معروف، حيث أُثيرت مسألة تتعلق بمنزلة “الصحيحين” وحدود ما يُستفاد من عدم إخراج بعض الأحاديث فيهما.

وقد جزم الدكتور بشار بقاعدة خطيرة، مؤداها: أن كل حديثٍ في حكمٍ عقدي أو عبادي أو إرشادي، ليس في “الصحيحين”، فهو ضعيف. وهذا القول – على وجازته – يثير إشكالًا علميًا عميقًا؛ إذ لم يُعرف عن أئمة الحديث المتقدمين، ولا عن صاحبي الصحيحين نفسيهما، تقرير مثل هذا الأصل.

فالإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج لم يلتزما استيعاب جميع الصحيح، بل صرّحا بخلاف ذلك. فقد تقرر في منهجهما أنهما انتقيا من الصحيح ما رأياه مناسبًا لشروط كتابيهما، مع علمهما بوجود أحاديث صحيحة كثيرة خارج الصحيحين. بل جاء عن البخاري قوله: “ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحيح أكثر”

ومن الشواهد المهمة على ذلك: أن الإمام محمد بن عيسى الترمذي كان يسأل البخاري عن أحاديث، فيصححها، مع أنها ليست في “صحيحه”، ولا في “صحيح مسلم”. وهذا يدل دلالة واضحة على أن دائرة الصحيح أوسع من دائرة ما أُخرج في الصحيحين.

ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما صنّفه الأئمة بعدهما من كتبٍ التزم أصحابها إخراج الصحيح – بحسب اجتهادهم – مثل كتاب صحيح ابن خزيمة، وكتاب صحيح ابن حبان، وهما شاهدان عمليان على أن الصحيح لم يُحصر في الصحيحين.

بل إن الإمام الحاكم النيسابوري تنبّه لهذه القضية حين أُثيرت في زمنه من قبل مَن لا يُحسن هذا العلم، فجمع الأحاديث التي هي على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما في كتابه المستدرك على الصحيحين، مستدركًا بذلك ما فاتهما – بحسب اجتهاده – ومؤكدًا سعة دائرة الصحيح.

حتى لو قيل إن العبارة قد خانته وأن مراد الدكتور بشار الأبواب لا أفراد الأحاديث، فإن ذلك لا يُسلَّم له أيضًا؛ إذ توجد عشرات بل مئات الأبواب التي صححها العلماء واعتمدوها، مع أنها ليست في الصحيحين. ومصنَّف ابن أبي شيبة شاهد بيّن على ذلك؛ ففيه آلاف التراجم والأبواب التي جرى عليها عمل أهل العلم قبولًا واحتجاجًا.

إن  خطورة هذا القول لا تقف عند حدّ الخطأ المنهجي، بل تتعداه إلى آثارٍ علميةٍ جسيمة؛ إذ يترتب عليه ردّ طائفة كبيرة من الأحاديث التي بُنيت عليها أحكام فقهية ومسائل عقدية، وهي ثابتة عند أئمة هذا الشأن، وإن لم تُخرّج في الصحيحين.

ومن هنا، فإن الميزان في مثل هذه المسائل الدقيقة لا يكون بالآراء المعاصرة – مهما بلغ أصحابها من التحقيق والفضل – بل بالرجوع إلى نقاد الحديث المتقدمين، الذين استقرّ عندهم علم العلل، ودقائق التصحيح والتضعيف، وهم العمدة في هذا الباب.

ولا ريب أن الدكتور بشار عواد معروف محققٌ معتبر، وله جهود علمية مشهودة، لكن مسائل العلل والمصطلح الدقيق لها أهلها من المتقدمين، وكلامهم فيها هو الأصل الذي يُرجع إليه، ويُوزن به غيره.

يذكر أنه قال ذلك في معرض إنكار أحاديث المهدي، التي بلغت نحو خمسين حديثًا، حتى حكم جماعة من أهل العلم ببلوغها حد التواتر، كما قرره السخاوي، والكتاني، والشوكاني، والسفاريني، وصديق حسن خان، وابن باز، فضلًا عن تصحيح أحاديث المهدي عند جمع من المتقدمين والمتأخرين غير هؤلاء!

وخلاصة القول: إن الصحيحين ذروة ما صُنّف في الحديث الصحيح، لكنهما ليسا حدًّا جامعًا له، ولا يصح جعل ما لم يرد فيهما في حكم الضعيف بإطلاق. بل الصواب هو ما عليه أهل الحديث: أن الصحيح يُعرف بشروطه وقواعده، لا بمجرد كونه داخل كتابٍ بعينه أو خارجه.

وهذا بابٌ يحتاج دائمًا إلى قدرٍ من التؤدة، وإنصافٍ في النقل، وتعظيمٍ لمنهج الأئمة، حتى لا ننقض – من حيث لا نشعر – ما بناه أولئك الأعلام عبر قرونٍ من التحقيق والتدقيق.



الأربعاء، 1 أكتوبر 2025

 زهرة التوليب والبيتكوين .. حين تتكرر الفقاعات بثياب مختلفة


في تاريخ الاقتصاد العالمي، ظهرت أزمات مالية متشابهة في جوهرها رغم اختلاف الزمان والمكان، تتكرر فيها ذات الملامح: ارتفاع جنوني في الأسعار، مضاربة محمومة، وثقة نفسية هشة، ثم انهيار مفاجئ يطيح بالثروات ويكشف هشاشة الأسس التي بُنيت عليها هذه الأسواق.

من العصر الهولندي الذهبي، مرورًا بـالكويت في ثمانينيات القرن الماضي، وصولًا إلى العملات الرقمية في العصر الحديث، تتجلى أمامنا نماذج لفهم كيف تتحول الأسواق إلى فقاعات اقتصادية إذا غابت الرقابة الكاملة، وسادت شهوة الربح السريع.

فقاعة التوليب: زهور تُباع بثمن القصور!

في ذروة العصر الذهبي الهولندي، بين عامي 1634 و1637، اجتاحت البلاد موجة جنون استثماري تُعرف بـ "فقاعة التوليب"، حيث تحوّلت زهرة التوليب النادرة المجلوبة من ديار العثمانيين إلى سلعة مضاربة لا مثيل لها؛ حيث كانت رمزاً للثراء "المزيّف"، تجاوزت أسعار بعض بُصيلات التوليب في تلك الفترة قيمة المنازل الفاخرة، بل وجرى تداول العقود الآجلة لها كما لو كانت سبائك ذهبية.

تسارع الناس إلى شراء "التوليب" على آثار بعضهم يُهرعون .. لم يكن الغرض من الشراء اقتناء الزهور أو زراعتها، بل فقط إعادة بيعها بسعر أعلى، مدفوعين بأمل الثراء السريع، وفي لحظةِ شَكٍّ .. انهار السوق، وانهارت معها الثروات الورقية، ليكتشف الناس أنهم كانوا يبيعون الوَهْم لبعضهم البعض!

أزمة سوق المناخ: أسهم على الورق وثقة بلا أساس!

بعد أكثر من ثلاثة قرون من الحادثة الهولندية، شهدت الكويت ظاهرة مشابهة في صورة أزمة سوق المناخ عام 1982؛ ففي سوق "غير رسمي"، وخارج "الرقابة المالية"، نشطت حركة بيع وشراء لأسهم شركات أغلبها لا يملك إنتاجًا حقيقيًا، بل كان مدفوعًا بالمضاربة والعقود الآجلة المفتوحة.

ارتفعت آنذاك الأسعار بصورة خيالية حتى فقدت أي صلة بقيمتها الواقعية -كزهرة التوليب- وعندما بدأت الثقة تتآكل، انهار السوق سريعًا، وانكشف حجم الكارثة: شيكات مؤجلة بمليارات، وخسائر شخصية ومؤسسية ضخمة، واضطرت الدولة إلى التدخل لاحتواء الأزمة، كانت النتيجة درسا قاسيًا عن خطورة الأسواق غير المنظمة عندما تستولي عليها شهوة الربح بلا ضوابط.

العملات الرقمية: فقاعة بثوب رقمي!

في العقدين الأخيرين، ظهرت العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، كظاهرة مالية جديدة جذبت أنظار المستثمرين حول العالم، ورغم أن هذه العملات تستند إلى تقنيات متقدمة مثل "البلوك تشين"، إلا أن طبيعة التداول فيها -خصوصًا في مراحل الصعود الحاد- أظهرت تشابهًا لافتًا مع الأزمات السابقة؛ فالمضاربة الواسعة، والتوقعات النفسية الجامحة، والشراء بدافع اللحاق بركب الثراء، كلها سمات تكررت.

وقد شهدت البيتكوين وغيرها من العملات ارتفاعات مذهلة وانهيارات عنيفة في فترات قصيرة، مما يعكس هشاشة جزء كبير من هذا السوق، خاصة في ظل غياب التنظيم الصارم والاعتراف الحكومي الشامل.

الشريعة ونظرتها الاستباقية ..

ومن أجل كل هذه الدروس المتكررة، جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج استباقي يُحصّن السوق من مثل هذه الكوارث؛ فنهى النبي ﷺ عن صور عديدة من البيوع التي تقوم على الغرر والجهالة والمقامرة، كـ "بيع الغرر"، و"بيع ما لا تملك"، و"بيع ‌حَبَلِ ‌الْحَبَلَةِ"[1]، لما في هذه المعاملات من مخاطرة مفرطة وأوهام ربحية قد تُفضي إلى الفساد والظلم.

خلاصة المشهد ..

من زهور التوليب إلى أسهم المناخ إلى العملات الرقمية، تتكرر الظاهرة: فقاعة تبدأ بمؤشر طمع، ثم تتضخم بالتوقعات النفسية، وتنتهي بانفجار مؤلم، وكلما غاب التنظيم، وضعُف "الوعي الجَمْعي"، وزاد الاعتماد على "سلوك القطيع" .. أصبحت الأسواق أكثر عرضة للانهيار.



[1] بيع ‌حبل ‌الحبلة: هو بيع كان يتبايعه أهل الجاهلية، يبيع أحدهم ناقته بحمل ناقة أخرى، أو بولد ولدها، أو يبيع ولد الولد، فيقول: بعتك ولد ما في بطن هذه الناقة، إذا حملت هذه الناقة ثم حملت الناقة التي تلدها، فإذا ولدت بكرة فإني أبيعك ذلك المولود، ولا شك أن هذا غرر؛ لأنه بيع معدوم، قد يحصل وقد لا يحصل.