الاثنين، 13 يناير 2020

شرح البيقونية (المقدمة)

شرح البيقونية (1) (المقدمة)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه .. أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى أنزل كتابه الحكيم هداية ونورا يضيء للناس سبل السعادة والسلام في دنياهم وآخرتهم، وجعله معجزة لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى يوم الدين، ثم أعطاه السنة مفصلة للكتاب وشارحة له، كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [سورة النحل الآية: 44]، أي: فتفصل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل.
ولذلك قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن؛ قال الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [سورة النساء الآية: 105].
فصار الكتاب والسنة ركيزتا هذه الملة، حيث العقائد توجد فيهما، والأحكام تستنبط منهما، والاعتماد عند كل نازلة وخلاف عليهما، كما قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [سورة النساء الآية: 59] أي: فردوه إلى كتابه، وإلى الرسول مدة حياته، وبعد مماته إلى سنته.
فمن فجر الإسلام والمسلمون يهتمون بالوحيين اهتماما فائقا؛ لما مر من النصوص، وغيرها في القرآن الكريم، ولما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في سنته بذلك، فقال: "بلغوا عني ولو آية". والمراد: بلغوا عني كل ما جئت به، آية مثلا أو حديثا.

فأما القرآن فقد تكفل الله عز وجل بحفظه من التبديل والزيادة والنقصان؛ كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [سورة الحجر الآية: 9]، فتولى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا.
وأما الحديث فحفظه موكول بهذه الأمة؛ "لذلك عنيت الأمة الإسلامية بالحديث النبوي، فأوعته حوافظها الفذة، وبذلت من أجله أعظم الجهد، وحاز حديث النبي صلى الله عليه وسلم من الوقاية والمحافظة ما لم يكن قط لحديث نبي من الأنبياء، فقد نقل لنا الرواة أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في الشؤون كلها العظيمة واليسيرة، بل في الجزئيات التي قد يتوهم أنها ليست موضع اهتمام، فنقلوا تفاصيل أحواله صلى الله عليه وسلم في طعامه وشرابه ويقظته ومنامه وقيامه وقعوده، حتى ليدرك من يتتبع كتب السنة أنها ما تركت شيئا صدر عنه صلى الله عليه وسلم إلا روته ونقلته"
ثم وضع المسلمون للرواية قوانين تحقق ضبط الراوي للحديث، وتكلموا في الرجال، وذلك ليتميز المقبول فيعمل به، من غير المقبول، ومن هنا نشأ "علم مصطلح الحديث".
وتطورت قواعد هذا العلم على مر السنين، فانتقل من كونه قواعد شفوية إلى مسائل ضمن المصنفات إلى كتب مستقلة، إلى نضوج هذا العلم على زمن أبي عمرو ابن الصلاح (ت 643 هـ).
فألف كتابه المشهور "علوم الحديث" المعروف بمقدمة ابن الصلاح، فصار هذا الكتاب قطب رحى علم المصطلح، والناس في فلكه يدورون؛ شرحا واختصارا ونظما ونقدا.
ولا تزال الأمة الإسلامية تعتني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم من جميع جوانبه، إلى زماننا هذا؛ إضافة وابتكارا وشرحا واختصارا.
والبيقوني ممن ألّف في علم المصطلح، ألَّف منظومة لطيفة في أربعة وثلاثين بيت، جمع فيها اثنين وثلاثين نوعاً من أنواع مصطلح الحديث، نالت عناية العلمان وطلاب العلم، فكثرت شروحها منذ زمن المؤلف إلى زماننا هذا.
والبيقوني لا يكاد يُعرف، فغاية ما قال فيه الزركلي في الأعلام (5/ 64):
(عمر (أوطه) بن محمد بن فتوح البيقوني: عالم بمصطلح الحديث، دمشقي شافعيّ، اشتهر بمنظومته المعروفة باسمه " البيقونية - ط " في المصطلح. شرحها محمد بن عثمان الميرغني وغيره. وله " فتح القادر المغيث - خ " في طوبقبو، في الحديث).
ونحسب أن صدق نيته من أسباب اشتهار منظومته -والله حسيبه-.

الوَرَقُ والوَرَّاقون



الوَرَقُ والوَرَّاقون



يُعدُّ الكتاب من أهم وسائل المعرفة على الإطلاق، وركيزة حضاريَّة مهمة تساهم في بلورة شخصيّة الفرد والمجتمع على حد سواء، فالكتاب عنوان لشتى أنواع المعارف، وعليه تتوقف سعادة الفرد، ورقي المجتمعات، وهو عنوان لإبداع المبدعين وتنافسهم في شتى العلوم والمعارف لذلك فإنّ له فوائد عظيمة، وسبل متنوّعة للاهتمام به[1].
واختلف في نشأة الكتابة، متى كانت بدايتها، ومن أول من اخترعها، فالبعض يرى أن الكتابة توقيف من الله تعالى، أنزلت على آدم - عليه السلام - في إحدى وعشرين صحيفة.
وقيل: إنّ آدم - عليه السلام - هو من وضعها، كتبها في طين وطبخه، قبل أن يموت بثلاثمائة سنة، ولما كان غرق الطوفان، أصاب كلّ قوم كتابهم.
والحقيقة أنّ المعرفة الحقيقة لأصل الكتابة، وكيف كانت نشأتها، ليس بالأمر السهل، لغموض تاريخ تلك الفترات، ولكنّ المطلع على النقوش والآثار، التي خلّفتها الحضارات القديمة، يدركُ أن عملية الكتابة لم تكن توقيفية من الله تعالى، ولم تكن اختراعًا فجائيًّا من وضع أحد بعينه.
وإذا كان الاتفاق على أن الكتابة هي من صنع الإنسان، لا توقيفية من الله تعالى، ولا من وضع آدم - عليه السلام - فهذا يعني أن الكتابة لم تكن بالشكل المتعارف عليه الآن، ولكنّها مرّت بعدة مراحل طويلة عبر التاريخ، وذلك تبعًا لتطور حياة الإنسان، وبيئاته المختلفة، حتى وصلت إلى هي ما عليه في هذا العصر[2].
وأول من كتب بالعربية من ولد إسماعيل هو: نزار بن معد بن عدنان[3]، وقيل غيره.
وتُشير بعض الروايات إلى أن الكتابة العربية اشتقت من الخط الحميري (المسند)، الذي انتقل إلى العراق في عهد المناذرة، حيث تعلمه أهل الحيرة، ثم تعلمه أهل الأنبار، ثم انتقل إلى الحجاز، عن طريق القوافل التجارية، وقد أخرج الحافظ أبو طاهر السلفي في "الطيوريات" بسنده عن الشعبي ما يؤيد ذلك فقال: «أول العرب الذي كتب بالعربية حرب بن أمية، تعلم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار».
وقال أبو بكر بن أبي داود في كتابه "المصاحف": «حدثنا عبد الله بن محمد الزهري حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: سَألْنَا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة قالوا: تعلمنا من أهل الحيرة سألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة قالوا: من أهل الأنبار».
ولعلّ أقرب الآراء إلى الصّواب، هو الرأي الذي أجمع عليه العلماء والمستشرقون والذي يقول: إنّ الخطّ العربي مشتق من الخطّ النبطي، وأن العرب أخذوا الخط العربي عن أبناء عمومتهم الأنباط قبل الإسلام، والأنباط هم قبائل عربية نزحت من الجزيرة العربية وسكنوا في المناطق الآرامية في فلسطين وجنوب بلاد الشام والأردن، ويؤيد هذا الرأي الدكتور جواد علي؛ حيث يقول: إن أغلب حروف وأشكال الخط العربي مشابهة لحروف الخطّ النبطي المتأخر وأشكاله، كما أيده في ذلك الدكتور إبراهيم جمعة، ولعله أكثر رأي يركن إلى دليل ماديّ؛ حيث يستند العلماء الذين قالوا به، إلى النقوش النبطية التي كشفت الصلة بين الخط العربي والنبطي[4].
مع ظهور الإسلام واختيار الله تعالى اللغة العربية لكتابه، زاد انتشار اللغة العربية، وبتوجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد شجع الرسول -عليه الصلاة والسلام- على تعلم الكتابة بطرق مختلفة، فمن ذلك أنه جعل فداء بعض أسرى قريش في معركة بدر ممن تعلموا الكتابة أن يعلموها عشرة من صبيان المدينة.
وزاد انتشار العربية كذلك مع الفتوحات الإسلامية وصارت هي اللغة المعتمدة في كثير من بقاع المعمورة، لنشر القرآن والسُنة وتعليم الناس، ثم أخذت الكتابة تستخدم استخداما واسعا لا في كتابة القرآن الكريم فحسب، بل في كتابة كثير من شئون المسلمين.
وكان لا بد حينئذ من مواد يتحصل بها المطلوب من أقلام وأوراق، فقد كتب الجاهليون على الجلد، وكانوا يسمّونه بالرقّ والأديم والقضيم، وهناك اختلاف بسيط بينهم، فالرقّ جلد رقيق، والأديم جلد احمر والقضيم جلدٌ أبيض، وكتبوا على القماش، حريرًا كان أم قطنًا، وعلى سعف النخيل، وكان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتبون على العظام والرقاع وجريد النخل ورقيق الحجارة، واستخدم العرب ورق البردي المصري، ويرجع عهدهم به بعد سنة عشرين للهجرة[5].
وورق البردي حظِيَ بشهرةٍ كبيرة في العصر العبَّاسي، وكان أكثر تلك الأدوات استعمالًا، أما الورق، فقد ظهَر كمنافس جِدِّي للبردي من عام 133 ﻫـ؛ أي: بعد فتح المسلمين مدينة فرغانة[6]، حيث عادوا بعشرين ألف أسيرٍ، بينهم بعض الصِّينيين الذين يتقنون صناعةَ الورَق، وهؤلاء نقلوا هذه الصِّناعة إلى العرب، ومنذ ذلك الحين أَسهم ظهور الورَق مساهمة فعَّالة في ازدِهار حركة التأليفِ والكتابة؛ لسهولة تداول المخطوط الورَقي بين النَّاس، بل ساهَم في حركة التَّرجمة الضَّخمة التي قام بها العربُ والمسلمون لنقلِ مختلف العلوم والفنون والآداب من الحضارات والثَّقافات القديمة - كالفارسيَّة، والهندية، واليونانية - إلى اللغة العربية، من المعلوم أنَّ أوربا قد عرفَت صناعة الورَق عن طريق العرب، ولولاهم لَما عرفَت أوربا عصرًا مثل ذلك الذي سُمِّي في تاريخنا بعصر النَّهضة[7].
فاشتهرت حينئذ مهنة الوراقة وهي حرفة صناعة الورَق ونسْخ الكتب، والاتِّجار بها، وقد وضح ابن خلدون مكونات مهنة هذه الصِّناعة بقوله: "إنَّها معاناة الكتب بالاستِنساخ، والتصحيح، والتجليد، وسائر الأمور الكتابيَّة، والدَّواوين"[8].
تمتعت الوراقة بازدهار كبير في القرن الرابع الهجري، بسبب كثرة ما نُقل وانتُسخ فيه من الكتب والمؤلفات، إلى جانب جودة النسخ والتصحيح والعناية بهما في ذلك العصر، وبلغ عدد حوانيت الوراقين في بغداد في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) أكثر من مائة حانوت، بل إن أسواقًا كاملة ببغداد تخصصت في الوراقة، وتحولت دكاكين الوراقين إلى مراكز للثقافة وملتقيات للعلماء والأدباء وأهل المعرفة، وقد استعانت دور الكتب العامة أيضًا بالوراقين، بل لقد كان هؤلاء جزءًا مهمًا من هيكل تلك الدور التنظيمي والعلمي، كما كان الحال في بيت الحكمة[9] ببغداد.
وقد أُطلق هذا اللقب -الوراق- منذ ذلك الحين على عدد من الشخصيات العلمية والأدبية المشهورة، ومن أشهر هؤلاء:
-أبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم (توفي 232 هـ)
-علان الشعوبي
-أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور (توفي 280 هـ)
-أبو زكريا يحيى بن عدي بن زكريا المنطقي (توفي 364 هـ)
-أبو الفرج محمد بن إسحق النديم (توفي 385)، وهو صاحب الفهرست.
-أبو الحسن علي بن أحمد الدريدي.
* * *
واستمرت مهنة الوراقة إلى أن كان ظهور الطباعة الحجرية وهي وسيلة للطباعة باستخدام الحجر (الحجر الجيري معدني) أو لوحة معدنية مع سطح أملس تماما، واخترعت عام 1796 في ولاية بافاريا الألمانية على يد الكاتب "الويس سانفيلدر" باعتبارها وسيلة من والسائل منخفضة التكلفة لنشر الأعمال المسرحية أو لطباعة النص أو العمل الفني على الورق أو غيرها من المواد الأخرى المناسبة.
ثم جاءت المطبعة الحديثة سنة 1436 هـ، أو 1937 م، على يد الألماني "يوهان جوتنبرج" -الذي يعتبر مخترع الطباعة الحديثة- إيذانا ببدء عصر جديد، وانتشار العلم، والتقاء الحضارات، وتبادل الثقافات.
وكانت الآستانة عاصمة الخلافة العثمانية، أسبق مدن الشرق إلى الطباعة، وتردد القوم في طبع كتب الحكمة واللغة والتاريخ والطب والفلك، التي لم يجرؤ أحد على طبعها إلا بعد صدور فتوى من شيخ الإسلام عبد الله أفندي سنة ۱۷۱۹ م، بجواز ذلك، فيما عدا الكتب الدينية التي استصدرت فتوى أخرى بعدها؛ لإجازة طبعها، وتعددت المطابع في الآستانة، فكان أشهرها مطبعة الجوائب، لأحمد فارس الشدياق، وقد نشر في هذه المطبعة، إلى جانب صحيفة الجوائب طائفة صالحة من الكتب العربية[10].





[1] إقرأ المزيد على موضوع.كوم: https://mawdoo3.com/%D9%85%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%B9_%D8%B9%D9%86_%D8%A3%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8
[2] رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/63331/#ixzz6AnnERDzo
[3] قاله برهان الدين الحلبي في كتابه السيرة الحلبية.
[4] رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/63331/#ixzz6AnoPloqY
[5] رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/63331/#ixzz6AnpU9Tdi
[6] الواقعة في شرق أوزبكستان.
[7] رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/97786/#ixzz6AnqP1PAQ
[8] رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/97786/#ixzz6Ansc4QYK
[9] بيت الحكمة أو خزائن الحكمة أول دار علمية أقيم في عمر الحضارة الإسلامية، أُسِّسَ في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، واتخذ من بغداد مقرًا له، كان أبو جعفر المنصور مهتمًا بعلوم الحكمة، فترجمت له كتب في الطب والنجوم والهندسة والآداب، فخصص لها خزانات في قصره لحفظها حتى ضاق قصره عنها، أمر بإخراج الكتب والمخطوطات التي كانت تحفظ في جدران قصر الخلافة، لتكون مكتبة عامة مفتوحة أمام الدارسين والعلماء وطلاب العلم وأسماها بيت الحكمة، وأضاف إليها ما اجتمع عنده من الكتب المترجمة والمؤلفة، فتوسعت خزانة الكتب وأصبحت أقسام لكل منها من يقوم بالإشراف عليها.
[10] مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، مع محاضرة عن التصحيف والتحريف للطناحي ص28

الجمعة، 3 يناير 2020

ثري حاول الانتحار




لا بد للإنسان أن يعلم حقيقةً واضحة في هذه الدنيا، وهي تلك الحقيقة التي تقول: كما للجسد غذاء وملذات، كذلك للروح غذاء وملذات!
فهذا الشخص الثري الذي "فشل في الانتحار" نلحظ من قصته أمرين:
الأول: أنه أغرق جسده بالشهوات؛ لقوله (كل شيء موجود).
الثاني: أنه لم يُغَذِ روحه بالإيمانيات؛ لأنه حاول الانتحار، والانتحار محرم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) متفق عليه.
وأكثر ما يكون الإنسان على خطر حينما تكون شهوته جامحة ومتاحة، وعِلمه وإيمانه ضعيف!
* * *
وتلك الشهوات التي تفسد القلب، جمعها ابن القيم -رحمه الله-، وجعل أصولها خمسة (كَثْرَةِ الْخُلْطَةِ، وَالتَّمَنِّي، وَالتَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَالشِّبَعِ، وَالْمَنَامِ)[1].
ولو كان هذا الشخص قد شغل نفسه بالطاعات ومساعدة الناس المحتاجين وإقامة المشاريع النافعة -الخدمية والعلمية- لوجد في صدره لذةً لا يجدها بجمع الأموال وإنفاقها في الشهوات.
وما وقع فيه من إقدامه على الانتحار نتيجة طبيعة لمن أعرض عن الهدى والقرآن والطاعات:
يقول الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}
أي: معيشةً ضيقةً، لما يكون فيه من القلق والحرص على الدنيا، والتهالك على ازديادها، والخوف من انتقاصها، فترى الشح غالبًا عليه، والبخل راسخاً في أعراقه، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة
وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}
قال الإمام السعدي: الذي هو القرآن العظيم، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده، فمن قبلها، فقد قبل خير المواهب، وفاز بأعظم المطالب والرغائب، ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيَّض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا،
{وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا.
قال السعدي: "فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟
قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر الله، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم".
وعلى عكس هذا المعرِض وما يعانيه من شتات نفسي وضيقٍ صدري، عكسه أهل الإيمان -على قلة ما عندهم من المال- يقول الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
قال ابن كثير: "هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت".
وفُسرت الحياة الطيبة بعدة تفاسير، فقيل: هي القناعة، وقيل السعادة، وقيل الرزق الحلال ... إلخ.
وقول ابن كثير: "والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت" جامع لهذا كله.
قال الجرجاني:
وإني لـــراضٍ عـن فتـًـــى متعـــــففٍ          يروح ويغدو ليس يملك درهـمًا
يَبيتُ يراعِـــي النجــمَ من سوءِ حالِه      ويصبحُ طَــلْقا ضـاحكا متبسما

 


[1] اقرأها بالتفصيل هنا:
https://ar.islamway.net/article/527/%D9%85%D9%81%D8%B3%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%85%D8%B3%D8%A9


الخميس، 5 ديسمبر 2019

السماحة

السماحة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه واتبع هداه، أما بعد:
فعن حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً قال: ((أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالًا، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ - قال ولا يكتمون الله حديثًا – قال: يا رب آتيتني مالك، فكنت أبايع النَّاس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أتيسَّر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي)) متفق عليه.
السَّمَاحَة: التَّسامح مع الغير، في المعاملات المختلفة، ويكون ذلك بتيسير الأمور، والملاينة فيها، التي تتجلى في التيسير وعدم القهر.
قال تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280].
ففي هذه الآية (وجَّه الله الدائنين إلى التيسير على المدينين المعسرين، فعلَّمهم الله بذلك سماحة النفس، وحسن التغاضي عن المعسرين)
وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى)) رواه البخاري.
إذا قضى: أي: وفى ما عليه بسهولة، سمحًا إذا اقتضى أي: طلب قضاء حقه.
وقال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].
قال السعدي: (هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع النَّاس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به النَّاس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق... ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم).
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمحًا في تعامله وهو المثل الأكمل في السَّمَاحَة، يحكي لنا أنس رضي الله عنه ما لاقاه من النَّبي صلى الله عليه وسلم من حسن المعاملة فيقول: ((خدمتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟)) البخاري.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هيِّن سهل)) الترمذي وصححه الألباني.
((قريب)). أي: من النَّاس بمجالستهم في محافل الطاعة، وملاطفتهم قدر الطاعة.
وهناك علامات للمتصف بخلق السَّمَاحَة منها:
1-طلاقة الوجه.        2-مبادرة النَّاس بالتحية والسلام والمصافحة وحسن المحادثة.
3-حسن المصاحبة والمعاشرة والتغاضي وعدم التشدد في الأمور.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب)) رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.
ومن سماحته صلى الله عليه وسلم، تعامله مع الأعرابي الذي جذب رداءه بشدة؛ ليأمر له بعطاء، فعن أنس قال: ((كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، ورجع نبي الله صلى الله عليه وسلم في نحر الأعرابي، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء)) متفق عليه.
ومن سماحته صلى الله عليه وسلم، عفوه عمن أراد قتله، فعن جابر رضي الله عنه أنَّه غزا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قفل معهم فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق النَّاس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة، فعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: ((إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس)) رواه البخاري.