الـهِبَةُ: فضلها، وأحكامها، وآدابها
من محاسن الشريعة الإسلامية أنها حثّت على تقوية أواصر المحبة بين الناس،
وجعلت من وسائل ذلك: التهادي والتباذل والتوسعة على الآخرين، فجاءت الهبة بابًا من
أبواب الإحسان، ووسيلةً لنشر المودة، وإزالة الشحناء، وتقوية الروابط الاجتماعية والأسرية.
ما المقصود بالهبة؟
الهبة هي: تبرعٌ يصدر من جائز التصرف في حال حياته، لغيره، بمالٍ معلوم من غير عوضٍ أو مقابل.
وهي من عقود التبرعات التي تُبنى على الإحسان، لا على المعاوضة.
حكم الهبة وفضلها:
الأصل في الهبة أنها مستحبة، إذا قصد بها الإنسان وجه الله تعالى، كالهبة
للفقير، أو لصلة الرحم، أو لإدخال السرور على المسلمين.
وقد جاءت النصوص الشرعية بالحث عليها؛ لما فيها من تأليف القلوب وتقوية
المحبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا»، وكانت سنته صلى الله
عليه وسلم قبول الهدية ومكافأة صاحبها عليها.
تنبيه: الهبة تتحول إلى أمر مذموم إذا قصد بها الرياء، أو السمعة، أو المباهاة
بين الناس.
شروط صحة الهبة:
حتى تكون الهبة صحيحة شرعًا، فلا بد من توفر عدد من الشروط، من أهمها:
* أن يكون الواهب جائز التصرف؛ بأن يكون بالغًا، عاقلًا، رشيدًا.
* أن تصدر الهبة عن اختيار، فلا تصح من المكره.
* أن تكون الهبة أو الهدية مما يجوز بيعه وتملكه شرعًا.
* قبول الموهوب له؛ لأن الهبة عقد تمليك يفتقر إلى الإيجاب والقبول.
* أن تكون الهبة مُنَجّزة فلا يصح تعليقها؛ كإذا جاء رمضان وهبتك كذا، فلا يصح.
* أن تكون بغير مقابل؛ لأنها تبرع محض.
أحكام مهمة تتعلق بالهبة:
أولًا: الرجوع
في الهبة: إذا قبض الموهوب له الهبة بإذن الواهب، فإن الأصل لزومها، ولا يجوز الرجوع
فيها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم
يعود في قيئه"، تنفيرًا من هذا الفعل.
ويستثنى من ذلك الوالد؛ فله الرجوع فيما وهبه لولده، لحديث ابن عباس
رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل للرجل أن يعطي
العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده).
ثانيًا: العدل
بين الأبناء: من أعظم ما أكدت عليه الشريعة: العدل بين الأولاد في العطايا والهبات؛
لأن التفضيل بينهم سبب للعداوة وقطع المودة.
ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من خصَّ بعض أولاده بالعطية
دون بعض، وقال: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، فإن رضي الأبناء جميعًا بالتفضيل
صح ذلك، وإلا فالأصل المنع.
ثالثًا: الهبة
في مرض الموت: إذا خصّ الأب أحد أبنائه بعطية أثناء مرض الموت، أو فضّل بعض الورثة
على بعض، فإن ذلك لا يصح إلا بإجازة بقية الورثة.
ومن الأحكام المتعلقة بالهبة:
* تصح الهبة المعلقة على شرط أو حصول أمر معين، (إذا قدم المسافر، وهبتك
كذا).
* تصح هبة الدين لمن هو مدين به، ويعد ذلك إبراءً له، (الألف دينار
التي أطالبك إياها وهبتها لك).
* يستحب قبول الهدية وعدم رفضها، ما لم يوجد مانع شرعي، كسوء نية الـمُهدي
بأنه يكون قصده المن بعد ذلك.
* تستحب مكافأة المهدي ورد الجميل إليه؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه
وسلم.
* * *
الهبة ليست مجرد انتقال مال من يد إلى يد، بل هي خلقٌ اجتماعي عظيم، تبنى
به العلاقات، وتصل به الأرحام، وتصفو به النفوس، وكلما خلصت النية فيها، واقترنت بالعدل
والإحسان، كانت أقرب إلى مقاصد الشريعة في نشر الألفة والمحبة بين الناس.






