الاثنين، 1 يونيو 2026

أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (1)

 أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (1)


قال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».

قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: مَا قَبْلَهَا أَكْثَرُ مِنْهَا كَأَنَّكَ جِئْتَ آنِفًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ".

رجال الإسناد:

(زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ): أبو الحُسين العُكْلي، أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورَحَلَ في الحديث فأكثر منه: وهو صدوقٌ، يُخطِئُ في حديث الثوري.

(مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ): ابن حُدَيْر، الحضرمي، أبو عمرو وأبو عبد الرحمن، الحمصي، قاضي الأندلسِ، وثَّقه الأئمة: أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو زرعة الرازي، والعجلي، والنسائي، وابن سعد، والترمذي، والبزار، وقال الترمذي: "معاوية بن صالح ثقةٌ عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدًا تكلَّم فيه غير يحيى بن سعيد القطان".

(رَبِيعَة بْن يَزِيد): الدِّمشقيُّ، أبو شعيبٍ الإياديُّ، القَصِيرُ: ثقةٌ عابدٌ.

(أَبو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ): عائذُ الله بن عبد الله أبو إدريس الخَوْلاني، وُلِدَ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حُنَين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيدُ بن عبد العزيز: كان عالمَ الشام بعدَ أبي الدَّرداء.

(أَبو عُثْمَانَ): شيخ لربيعة بن يزيد الدمشقيُّ، قيل اسمه: سعيد بن هانئ الخَوْلانيُّ، وقيل: حَريزُ بن عثمان، مجهولٌ، تفرَّد بالرواية عنه ربيعة بن يزيد، ولم يوثقه أحد، وقال الذهبي في "الميزان": لا يُدرى من هو.

(جُبَيْر بْن نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ): الحِمْصيُّ: ثقةٌ جليلٌ، من الثانية، مُخَضْرَمٌ، ولأبيه صحبة.

(عُقْبَة بْن عَامِرٍ الْجُهَنِيّ): صحابيٌّ مشهورٌ، أبو حَمّاد، وَلِيَ إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا.

(عُمَرُ بنُ الخَطَّاب): عُمَرُ بن الخطَّاب بن نُفَيل القرشي العدويُّ، أميرُ المؤمنين، مشهورٌ، جَمُّ المناقب، استشهد في ذِي الحِجة سنةَ ثلاث وعشرين، وَوَلِيَ الخِلافة عشر سنين ونصفًا.

دراسة الإسناد:

إسناده حسن؛ من أجل زيد بن الحباب، فإنه صدوق، وجهالة أبي عثمان لا تضر؛ لأنه مقرون بأبي إدريس الخولاني.

تخريج الحديث:

أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من طريق المؤلف، وغيره[1].

شرح الحديث:

قوله: (فيحسن وضوءه) أي: يأتي بفرائض الوضوء التي لا يجزئ إلا بها، وسُنَنه كالتثليث، والتيامن، والسواك، والاقتصاد في الماء، وغير ذلك من السنن.

وقوله: (فيصلي ركعتين) نافلة كانت أو فريضة.

وقوله: (مقبل) أي: إلى الصلاة (بقلبه) أي باطنه (ووجهه) أي ظاهره، قال أبو الحسن المباركفوري: "الإقبال بالقلب: أن لا يغفل عنهما ولا يتفكر في أمر لا يتعلق بهما، ويصرف نفسه عنه مهما أمكن، والإقبال بالوجه: أن لا يلتفت به إلى جهة لا يليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه الخشوع والخضوع، فإن الخشوع في القلب والخضوع في الأعضاء"[2].

وقوله: (إلا وجبت له الجنة) ليس المراد دخول الجنة مطلقا، فإن ذلك يحصل بالإيمان، بل المراد دخولا أوليا، وهذا يتوقف على مغفرة الصغائر والكبائر جميعا، بل مغفرة ما يفعل بعد ذلك أيضا، نعم لا بد من اشتراط الموت على حسن الخاتمة.

وقول عمر: (مَا قَبْلَهَا أَكْثَرُ مِنْهَا) أي: الجملة التي قبل الجملة التي سمعتَها، وتعجبتَ من جودتها أكثر أجودية، وسبب أنها تفضيلها لأنها سهلة متيسرة يَقْدِرُ عليها كل أحد بلا مشقة، مع مزية التخيير في الدخول، وأن أجرها عظيم.

قوله: (كَأَنَّكَ جِئْتَ آنِفًا): وذلك أن عقبة بن عامر قال في بداية الحديث: -كما عند مسلم-: "كانت علينا رِعَايَةُ الإبل، فجاءت نوبتي، فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ ..." الحديث، فقال عقبة: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود! فنظرت فإذا عمر.

قوله: (مَنْ تَوَضَّأَ): فيسبغ الوضوء -كما عند مسلم- أي فيتمه ويُكْمِلُه فيُوصِلُه مواضعه على الوجه المسنون.

قوله: (فَقَالَ: أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ): قال الطيبي: قولُ الشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله، وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث.

وقوله: (فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ): عبّر عن الآتي بالماضي لتحقق وقوعه، والمراد تفتح له يوم القيامة، والظاهر أنه لا يختار إلا الذي يغلب عليه عمله؛ إذ أبواب الجنة معدة لأعمال مخصوصة.

فوائد:

الأولى: قال السندي رحمه الله: "يمكن أن يكون هذا الحديث بمنزلة التفسير لحديث عثمان رضي الله عنه، وهو: "من توضأ نحو وضوئي هذا .. إلخ"، وعلى هذا فقوله: "فيحسن وضوءه" هو أن يتوضأ نحو ذلك الوضوء، وقوله في حديث عثمان رضي الله عنه: "لا يحدث فيهما نفسه" هو أن يقبل عليهما بقلبه ووجهه، وقوله في ذلك الحديث: "غفر له .. إلخ" أريد به أنه تجب له الجنة"[3].

الثانية: وهذا الحديث لا يعارض حديث "إن في الجنة بابا لا يدخله إلا الصائمون" لاحتمال أن يدخله الصائمون أوَّلًا ثم يقع التخيير بعد.

وقال العلامة الإثيوبي: "لا تعارض بينهما؛ لأن المنفي فيه دخول غيرهم، وحديث الباب بين أنه يخير للتشريف، ولا يَلْزم منه الدخول؛ وحاصله أنه وإن خُيِّرَ لكن لا يرغب في الدخول فيه، ولا يوفق لذلك، إلا إذا كان ممن أكثر الصيام، والله تعالى أعلم بالصواب"[4].

الثالثة: قال ابن العربي: والمخيرون في الدخول أربعة: الأول حديث الوضوء، والثاني: المنفق زوجين في سبيل الله، والثالث: القائل "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم"، والرابع: من مات يؤمن بالله واليوم الآخر.

الرابعة: فيه رواية صحابي عن صحابي؛ عقبة عن عمر بن الخطاب.

الخامسة: ينبغي أن يضم إليه ما جاء في رواية الترمذي متصلًا بهذا الحديث: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"[5]، ويستحب أن يضم إليه ما رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة مرفوعًا: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك"، قال الشافعية: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضًا.

السادسة: ما ذكره الحنفية والشافعية وغيرهم في كتبهم من الدعاء عند كل عضو كقولهم يقال عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا ... إلخ، لم يثبت فيه حديث[6].

قال الحافظ ابن حجر في التلخيص[7]: قال الرافعي: "ورد بها الأثر عن الصالحين"، قال النووي: "هذا الدعاء لا أصل له، ولم يذكره الشافعي والجمهور، ولم يذكره المتقدمون"[8]، وقال بن الصلاح: "لم يصح فيه حديث".

قال الإمام ابن القيم: "ولم يُحفَظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية، وكلُّ حديث في أذكار الوضوء التي تقال عليه، فكذِبٌ مختلَق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا منها، ولا علَّمه لأمته، ولا ثبت عنه غيرُ التسمية في أوله، وقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» في آخره. وحديثٌ آخَرُ في «سنن النسائي» مما يقال بعد الوضوء أيضًا: «سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»"[9].

السابعة: قال العلامة الإثيوبي: "فتح أبواب الجنة محمول على ظاهره وحقيقته، وذكر بعضهم احتمال أن يكون مجازا عن التوفيق للطاعات في الدنيا، فإنها سبب في فتح أبواب الجنة في الآخرة، والصواب ما قدمته، وأما الاحتمال المذكور فيبعده قوله: "يدخل من أيها شاء"، فتأمل"[10]، أي: تفتح الأبواب حقيقة يوم القيامة، وليس المعنى التوفيق للطاعات.

الثامنة: الأبواب الثمانية هي: باب الإيمان، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الصدقة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، وباب الجهاد، وباب التوبة.



[1] صحيح مسلم (1/ 209 ت عبد الباقي): 234.

[2] مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 9).

[3] مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 9).

[4] البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (6/ 196)

[5] قال ابن حجر في التلخيص الحبير (1/ 299 ط العلمية): رواه الترمذي، وفي إسناده اضطراب ولا يصح فيه شيء كبير.

[6] تحفة الأحوذي (1/ 151)

[7] التلخيص الحبير (1/ 260 ط أضواء السلف).

[8] انظر: روضة الطالبين (1/ 62)، والمجموع (1/ 526).

[9] زاد المعاد ط عطاءات العلم (1/ 213).

[10] البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (6/ 195)


الأحد، 31 مايو 2026

النكاح في الإسلام: مفهومه، وحكمته، وأسس الاختيار الصحيح

 

النكاح في الإسلام: مفهومه، وحكمته، وأسس الاختيار الصحيح

جعل الله تعالى الزواج من أعظم سننه في خلقه، وبنى عليه استقرار الأفراد، وصلاح الأسر، وعمارة المجتمعات، ولم يأتِ النكاح في الإسلام مجرد علاقة اجتماعية أو حاجة فطرية فحسب، بل شريعة محكمة، ومقصد عظيم، تحفظ به الأديان، وتصان به الأعراض، وتستقيم به الحياة.

ما معنى النكاح؟

النكاح في اللغة يدور حول معنى الضم والاجتماع والاختلاط، ومنه قول العرب: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض.

أما في الاصطلاح الشرعي: فهو عقدٌ شرعي يترتب عليه إباحة استمتاع كلٍّ من الزوجين بالآخر على الوجه الذي أذن الله به.

مشروعية النكاح في الإسلام:

دلَّت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، على مشروعية النكاح والحث عليه.

قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].

وقال سبحانه:﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء».

كما أجمع المسلمون على مشروعية الزواج وأهميته في حياة الأفراد والمجتمعات.

لماذا شرع الله الزواج؟

جاءت الشريعة بالنكاح لتحقيق مقاصد عظيمة، من أبرزها:

1- إعفاف النفس وصيانة الفطرة: خلق الله في الإنسان الغريزة، وجعل الزواج الطريق المشروع لإشباعها؛ حمايةً للإنسان من الانحراف والوقوع في الحرام.

2- تحقيق السكن والمودة: فالزواج ليس علاقة مادية مجردة، بل سكنٌ نفسي وروحي، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

3- حفظ الأنساب وصلة الأرحام: فالأسرة لبنة المجتمع، وبالزواج تحفظ الأنساب، وتتسع دوائر القرابة والتكافل.

4- بقاء النسل وتكثير الأمة: ومن مقاصد الزواج استمرار البشرية، وتكثير أمة الإسلام، ونشر الخير والصلاح.

5- حماية الأخلاق والمجتمع: فالزواج حصن للأفراد، وسياج للمجتمعات من التفكك والانحراف والعلاقات المحرمة.

حكم الزواج يختلف باختلاف الأشخاص:

ليس حكم الزواج واحدًا في حق الجميع، بل يختلف بحسب حال الشخص:

يكون واجبًا إذا خشي الإنسان الوقوع في الحرام، وكان قادرًا على تكاليف الزواج ونفقاته؛ لأن حفظ النفس من المعصية واجب.

يكون مستحبًا لمن لديه رغبة وقدرة، لكنه لا يخشى الوقوع في الحرام، فيبقى الزواج في حقه من السنن المؤكدة المرغَّب فيها.

يكون مكروهًا إذا كان الإنسان لا حاجة له بالزواج، أو كان عاجزًا عن القيام بمقاصده وحقوقه، مع عدم وجود رغبة أو حاجة معتبرة.

معايير اختيار الشريك؟

من أكثر أسباب نجاح الحياة الزوجية: حسن الاختيار من البداية، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى معايير الاختيار فقال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك».

فمن أهم الصفات التي يُستحب مراعاتها:

الدين والصلاح: وهو الأساس الذي تُبنى عليه بقية الصفات؛ فصاحبة الدين أقرب لحفظ البيت والحقوق.

العفاف وحسن الأصل: فالبيئة الصالحة والأخلاق الحسنة من أسباب استقرار الحياة الزوجية.

الودود الولود: قال صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم».

البكارة: وذلك عند عدم وجود مصلحة راجحة لغيرها لما في ذلك من مزيد الألفة أحيانًا، إلا أن المصلحة قد تقتضي اختيار الثيب في بعض الأحوال.

الجمال: لأن الألفة والمودة تتأثر بالقبول النفسي، والجمال يعين على غض البصر واستمرار المودة.

* * *

الزواج في الإسلام ليس مجرد ارتباط بين شخصين، بل مشروع حياة، وعبادة، ومسؤولية، ومقصد شرعي عظيم، وكلما كان الاختيار مبنيًا على الدين والوعي وحسن القصد؛ كانت الحياة أقرب إلى السكينة والمودة والرحمة التي أرادها الله لعباده.

السبت، 30 مايو 2026

لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِن قَدَرٍ

 

لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِن قَدَرٍ

تشدّني كثيرًا تلك الآيات القصيرة التي تحمل في ألفاظها القليلة معاني عظيمة، وتختزن وراءها تاريخًا طويلًا، فلا أمرّ عليها مرور التلاوة المجردة؛ بل كثيرًا ما أغلق المصحف بعد قراءتها، وأبدأ رحلة البحث والتنقيب: أفتش في التفاسير، وأجمع أطراف القصص، وأحاول لملمة ما تفرق من معانيها؛ حتى يتضح المقصود، ويظهر المغزى.

ومن تلك الآيات، الآية التي في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243].

وتفسيرها باختصار: "ألم تعلم -أيها الرسول- قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم، وهم ألوف كثيرة؛ خشية الموت من الطاعون أو القتال، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا دفعة واحدة عقوبة على فرارهم من قدر الله، ثم أحياهم الله تعالى بعد مدة؛ ليستوفوا آجالهم، وليتعظوا ويتوبوا؟ إن الله لذو فضل عظيم على الناس بنعمه الكثيرة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله عليهم"[1].

وقد ذكرت بعض كتب التفسير تفاصيل مطولة في قصتهم، ومما جاء فيها: أن جماعة من بني إسرائيل كان إذا وقع فيهم الوباء خرج الأغنياء من أرضهم، وبقي الفقراء، فكان الذين يبقون يموتون، والذين يخرجون يسلمون. فتوهم الناس أن النجاة في الفرار، حتى اتفقوا في سنة من السنين على الخروج جميعًا، فخرجوا، فماتوا جميعًا، حتى صارت أجسادهم عظامًا متناثرة.

ثم مرّ بهم نبي من الأنبياء، فسأل الله أن يحييهم، فأحياهم الله عز وجل، فرأى العظام تتجمع، ثم تُكسى لحمًا وعصبًا، حتى عادوا أحياء يسبحون الله ويقدسونه. وقد اختلف العلماء في اسم النبي الذي دعا لهم؛ فقيل: إنه حزقيل، وقيل: شمعون. كما اختلفت الروايات في مدة موتهم.

من فوائد الآية:

- في هذه القصة احتجاج على اليهود بنبوة النبي ﷺ؛ إذ أخبرهم بأمر لم يشهده، وهم يعلمون أصل هذه القصة وصحتها.

- واحتجاج كذلك على منكري البعث من العرب الدهريين، فدلهم عليه بإحياء الموتى في الدنيا.

- لم تأتِ هذه القصة في سياقها عبثًا، بل أعقبها الله تعالى بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 244]، وكأن المعنى: لا تهربوا من الموت كما هرب أولئك، فإن الفرار لا يطيل الأعمار، ولا يدفع الأقدار. فإن كان الأجل قد حضر، فالموت في طاعة الله خير سبيل، وإن لم يحن الأجل، فالنصر والأجر بيد الله.

- وهذه الآية تؤيد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سَمِعتُم بالطَّاعونِ بأرضٍ فلا تَدخُلوها، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها فلا تَخرُجوا مِنها" [متفق عليه]، فهؤلاء خرجوا فرارا من الطاعون، ولكن الفرار لم يبعد آجالهم.

- وهذا المعنى تكرر في نصوص كثيرة، منها قول الله تعالى:

قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]

وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16]

وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: 154]

فهذه عقائد الكفار غير المؤمنين بالقضاء والقدر، وقد حذرنا الله تعالى من سلوك سبيلهم، فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: 156]

- ليس معنى هذا أن العبد لا يتخذ الأسباب الواقية من الشر والجالبة للخير، ويتكل على القضاء والقدر؛ كما يظن بعض الجهال، هذا من أكبر الغلط والجهل؛ فإن الله أمرنا باتخاذ الأسباب، ونهانا عن التكاسل والإهمال، ولكن إذا اتخذنا السبب، وحصل لنا عكس المطلوب؛ فعلينا أن لا نجزع؛ لأن هذا هو القضاء المقدر، ولو قدر غيره؛ لكان.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تجزعن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" رواه مسلم.



[1] التفسير الميسر – مجمع الملك فهد.

الجمعة، 29 مايو 2026

الـهِبَةُ: فضلها، وأحكامها، وآدابها

 

الـهِبَةُ: فضلها، وأحكامها، وآدابها

من محاسن الشريعة الإسلامية أنها حثّت على تقوية أواصر المحبة بين الناس، وجعلت من وسائل ذلك: التهادي والتباذل والتوسعة على الآخرين، فجاءت الهبة بابًا من أبواب الإحسان، ووسيلةً لنشر المودة، وإزالة الشحناء، وتقوية الروابط الاجتماعية والأسرية.

ما المقصود بالهبة؟

الهبة هي: تبرعٌ يصدر من جائز التصرف في حال حياته، لغيره، بمالٍ معلوم من غير عوضٍ أو مقابل.

وهي من عقود التبرعات التي تُبنى على الإحسان، لا على المعاوضة.

حكم الهبة وفضلها:

الأصل في الهبة أنها مستحبة، إذا قصد بها الإنسان وجه الله تعالى، كالهبة للفقير، أو لصلة الرحم، أو لإدخال السرور على المسلمين.

وقد جاءت النصوص الشرعية بالحث عليها؛ لما فيها من تأليف القلوب وتقوية المحبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا»، وكانت سنته صلى الله عليه وسلم قبول الهدية ومكافأة صاحبها عليها.

تنبيه: الهبة تتحول إلى أمر مذموم إذا قصد بها الرياء، أو السمعة، أو المباهاة بين الناس.

شروط صحة الهبة:

حتى تكون الهبة صحيحة شرعًا، فلا بد من توفر عدد من الشروط، من أهمها:

* أن يكون الواهب جائز التصرف؛ بأن يكون بالغًا، عاقلًا، رشيدًا.

* أن تصدر الهبة عن اختيار، فلا تصح من المكره.

* أن تكون الهبة أو الهدية مما يجوز بيعه وتملكه شرعًا.

* قبول الموهوب له؛ لأن الهبة عقد تمليك يفتقر إلى الإيجاب والقبول.

* أن تكون الهبة مُنَجّزة فلا يصح تعليقها؛ كإذا جاء رمضان وهبتك كذا، فلا يصح.

* أن تكون بغير مقابل؛ لأنها تبرع محض.

أحكام مهمة تتعلق بالهبة:

أولًا: الرجوع في الهبة: إذا قبض الموهوب له الهبة بإذن الواهب، فإن الأصل لزومها، ولا يجوز الرجوع فيها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"، تنفيرًا من هذا الفعل.

ويستثنى من ذلك الوالد؛ فله الرجوع فيما وهبه لولده، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده).

ثانيًا: العدل بين الأبناء: من أعظم ما أكدت عليه الشريعة: العدل بين الأولاد في العطايا والهبات؛ لأن التفضيل بينهم سبب للعداوة وقطع المودة.

ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من خصَّ بعض أولاده بالعطية دون بعض، وقال: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، فإن رضي الأبناء جميعًا بالتفضيل صح ذلك، وإلا فالأصل المنع.

ثالثًا: الهبة في مرض الموت: إذا خصّ الأب أحد أبنائه بعطية أثناء مرض الموت، أو فضّل بعض الورثة على بعض، فإن ذلك لا يصح إلا بإجازة بقية الورثة.

ومن الأحكام المتعلقة بالهبة:

* تصح الهبة المعلقة على شرط أو حصول أمر معين، (إذا قدم المسافر، وهبتك كذا).

* تصح هبة الدين لمن هو مدين به، ويعد ذلك إبراءً له، (الألف دينار التي أطالبك إياها وهبتها لك).

* يستحب قبول الهدية وعدم رفضها، ما لم يوجد مانع شرعي، كسوء نية الـمُهدي بأنه يكون قصده المن بعد ذلك.

* تستحب مكافأة المهدي ورد الجميل إليه؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

* * *

الهبة ليست مجرد انتقال مال من يد إلى يد، بل هي خلقٌ اجتماعي عظيم، تبنى به العلاقات، وتصل به الأرحام، وتصفو به النفوس، وكلما خلصت النية فيها، واقترنت بالعدل والإحسان، كانت أقرب إلى مقاصد الشريعة في نشر الألفة والمحبة بين الناس.

قوة الحوقلة

 

قوة الحوقلة


لا شك أن الإنسانَ كائنٌ ضعيفٌ بطبعِه، وهذه الحقيقةُ ليست طارئةً عليه، بل هي قدرُ اللهِ فيه منذ نشأتِه الأولى إلى آخرِ أطوارِه؛ فالضعفُ مبدأُه، وإليه يعود، قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.

غيرَ أنَّ رحمةَ اللهِ بعبادِه اقتضت ألَّا يتركهم لضعفِهم وعجزِهم؛ فأمدَّهم بأسبابِ المعونة، وفتحَ لهم أبوابَ التقوية، وجعل لهم من الأذكارِ والطاعاتِ ما يجبرُ نقصَهم، ويقوِّي عزائمَهم، ويُقدِرهم على ما لم يكونوا له مُقرنين.

الذكرُ معونةُ الضعفاء:

أرشد اللهُ عبادَه إلى الذكرِ في المواطنِ التي تعظمُ فيها المشقةُ، وتشتدُّ فيها الحاجةُ إلى المعونةِ الإلهية؛ فجعل كثرةَ ذكرِه عدَّةً تُذلِّلُ كَبَدَ الجهادِ، وتبدِّدُ المخاوفَ، وتستنزِلُ النصرَ والتوفيقَ، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ومن ذخائرِ تلك الأذكارِ، ومن أعظمِ الكنوزِ التي أُهديت لهذه الأمة: «لا حول ولا قوة إلا بالله».

قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبدَاللهِ بنَ قيسٍ! ألا أدلُّك على كلمةٍ من كنزٍ من كنوزِ الجنةِ؟» قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ -فداك أبي وأمي- قال: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» رواه البخاري.

وكذلك قال أبو ذرٍّ رضي الله عنه: «أمرني أن أُكثرَ من قول: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؛ فإنهنَّ من كنزٍ تحتَ العرش» رواه أحمد وصححه الألباني.

ما معنى الحوقلة؟

قولُ: «لا حول ولا قوة إلا بالله» لا يتحققُ أثرُه بمجرد التلفظِ به، بل بفهمِ معناها، واليقينِ بمضمونِها، فهي إعلانٌ بأن العبدَ لا يملكُ تحولًا من حالٍ إلى حال، ولا قوة على ذلك التحول، إلا بعونِ اللهِ وتوفيقِه.

وهي كلمةٌ تجمعُ كمالَ التوحيد؛ ففيها التعلُّقُ بالله وحدَه، والتوكُّلُ عليه، وإظهارُ الافتقارِ والعجزِ، والتبرؤُ من الاعتمادِ على النفسِ أو الخلق، ولذلك كانت كنزًا من كنوزِ الجنة، وسببًا للمعونةِ الإلهية.

ومعناها العملي: أن يستعينَ العبدُ باللهِ في كلِّ شيء؛ في الطاعات، وتركِ المعاصي، والصبرِ على البلاءِ، ومواجهةِ صعوباتِ الدنيا والآخرة. فمن حققَ الاستعانةَ بالله، وصدقَ في تفويضِ أمرِه إليه؛ أعانَه اللهُ ولم يخذلْه.

الحوقلةُ وتذليلُ الصعاب:

من تأملَ النصوصَ الشرعيةَ، وكلامَ أهلِ العلمِ؛ أدركَ أن الحوقلةَ ليست مجردَ ذكرٍ يُقال، بل بابٌ من أبوابِ الاستمدادِ من قوةِ الله.

قال ابنُ القيم رحمه الله: «وهذه الكلمةُ لها تأثيرٌ عجيبٌ في معالجةِ الأشغالِ الصعبةِ، وتحمُّلِ المشاقِّ، والدخولِ على الملوكِ ومَن يُخافُ، وركوبِ الأهوالِ. ولها -أيضاً- تأثيرٌ في دفعِ الفقرِ».

وقال ابنُ عثيمين رحمه الله: «إذا أعياك شيءٌ، وعجزتَ عنه؛ قل: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؛ فإن اللهَ يُعينك عليه».

ومن لطيفِ ما استنبطه العلماءُ من خاصيةِ الحوقلةِ في تذليلِ الصعاب: مشروعيتُها في إجابةِ المؤذنِ حين يصدحُ مناديًا لأعظمِ العباداتِ: «حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح» فيُشرعُ للمسلمِ أن يقول: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله»؛ لأن الصلاةَ تحتاجُ إلى معونة، والفلاحَ يحتاجُ إلى توفيق.

وقد وصفَ اللهُ الصلاةَ بالمشقةِ والثقلِ فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.

كيف عاشها العلماءُ والعارفون بالله؟

لما أدركَ العلماءُ والعارفون بالله عِظَمَ أثرِ الحوقلةِ في تيسيرِ الأمورِ وتفريجِ الكربات؛ جعلوها سلاحًا يلجؤون إليه في الشدائدِ والمحن، دينيةً كانت أو دنيوية، خاصةً أو عامة.

فكتب عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه إلى سعدِ بنِ أبي وقاصٍ رضي الله عنه في القادسية: «تعاهدْ قلبَك، وحادِثْ جندَك بالموعظةِ، والصبرَ الصبرَ؛ فإن المعونةَ تأتي من اللهِ على قدرِ النيةِ، والأجرُ على قدرِ الحِسبةِ، وأكثرْ من قول: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله».

وكانت تلك الكلمةُ زادًا لولاةِ العدلِ في الاستقواءِ بقوةِ اللهِ والقيامِ بأمرِه، حتى كانت نقش خاتمِ بعضِهم، كما كان ختمُ معاويةَ بنِ أبي سفيان رضي الله عنهما.

وكان الإمامُ مالكٌ رحمه الله لا يفتي حتى يقول: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله».

وكان قاضي الأندلس محمدُ بنُ بشيرٍ المعافريُّ يستفتحُ بها قضاءَه بين الخصومِ؛ راجيًا بها هدايةَ اللهِ لصوابِ الأحكام.

وكان الإمامُ أحمدُ يلهجُ بها وسياطُ الجلادِ تنهالُ على جسدِه في فتنةِ خلقِ القرآن.

قال مكحولٌ الشامي: «من قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، ولا منجا من الله إلا إليه؛ كشف الله عنه سبعين بابًا من الضر، أدناهنَّ الفقر».

* * *

وفي نهايةِ المطاف، يبقى الإنسانُ محدودَ القوةِ، كثيرَ العجزِ، مهما بلغ من قدرةٍ أو أسباب، ومن هنا كانت الحوقلةُ ملجأَ المؤمنِ عند الشدائد، وعونَه عند التكاليف، وزادَه في مواطنِ الضعف، فهي كلمةٌ تجمعُ التوكلَ والاستعانةَ والافتقارَ إلى الله، وتُذكِّر العبدَ بأن التوفيقَ والقوةَ والمددَ كلّه بيدِ الله.

(لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله)

* مستفادة وملخصة من موقع الألوكة.


الأربعاء، 27 مايو 2026

خطبة عيد الأضحى 1447

 

خطبة عيد الأضحى 1447


الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر // الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر// الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ..

الحمد لله الكبير المتعال، ذي الجلال والإكرام، شرع لعباده مواسم الطاعات، وجعل لهم من أيام الدهر نفحات، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجينا يوم الزلزلة والأهوال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وخير من صلى وصام وحج واعتمر، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أنكم في يومٍ عظيم، يومِ النحر، يومِ الحج الأكبر، يومٍ عظّم الله حرمته، ورفع منزلته، وجعله من أعظم أيام الإسلام.

وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا اليوم خطبته العظيمة في حجة الوداع، فكانت وصية مودّع، وجامعَ أصولٍ عظيمةٍ في الدين، تحفظ الدماء، وتصون الأموال، وتحمي الأعراض، وتؤسس لمجتمعٍ قائمٍ على العدل والرحمة والتقوى.

أيها المسلمون:

إن من أعظم ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم: حرمة الدماء والأموال والأعراض، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا».

فتأملوا كيف شبّه حرمة المسلم بحرمة هذا اليوم العظيم، وهذا الشهر الحرام، وهذا البلد الحرام.

فلا يجوز لمسلم أن يعتدي على دم مسلم، ولا على ماله، ولا على عرضه، لا بيدٍ، ولا بلسان، ولا بقلم، ولا عبر وسائل التواصل التي أصبح كثير من الناس يستهين فيها بالطعن والغيبة والسخرية والتشهير.

وإن من أعظم البلايا أن يهون الدم عند الناس، وأن تُراق الدماء لأجل دنيا أو عصبية أو شهوة أو خلافٍ تافه، وقد قال صلى الله عليه وسلم محذرًا: «ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلَّالًا يضرب بعضكم رقاب بعض».

عباد الله:

وفي تلك الخطبة المباركة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم إبطال أمر الجاهلية، فقال: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع».

فأبطل دماء الجاهلية، وأبطل الربا، وبدأ بأقرب الناس إليه، فقال: «وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».

وهكذا يكون العدل الحقيقي؛ يبدأ الإنسان بنفسه وأهله قبل أن يطالب الناس بالإصلاح.

وفي هذا تحذير من الربا الذي انتشر خطره، وتساهل كثير من الناس في أبوابه ومعاملاته، مع أن الله تعالى أعلن الحرب على أهله، فقال سبحانه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.

فاتقوا الله عباد الله، وطهّروا أموالكم من الحرام، فإن المال الحرام ممحوق البركة، سببٌ للهموم والضيق، وإن بدا كثيرًا في أعين الناس.

أيها المؤمنون:

ومن الوصايا العظيمة في خطبة الوداع: الوصية بالنساء، فقال صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله».

فالمرأة أمانة، والزوج راعٍ ومسؤول، وليس الزواج تسلطًا وظلمًا وإهانة، بل مودة ورحمة وإحسان.

وكم من البيوت اليوم فسدت بسبب سوء العشرة، وغلظة الأخلاق، وترك الحقوق، حتى ضاعت السكينة التي جعلها الله في البيوت.

فاتقوا الله في أهليكم، وأحسنوا إلى زوجاتكم وأبنائكم، فإن خيركم خيركم لأهله.

أيها المسلمون:

لقد ترك فينا نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم ما تتمسك به الأمة فقال: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله».

فالنجاة كل النجاة في العودة إلى كتاب الله، تلاوةً، وتدبرًا، وتحكيمًا، وعملاً، وتربيةً للأبناء عليه.

أما الإعراض عن القرآن، والانشغال عنه باللهو والغفلة، فهو سبب الضياع والاضطراب والفتن.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر // الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر// الله أكبر ..

الحمد لله الذي شرع لعباده مواسم الخيرات، وجعل لهم من الطاعات ما تزكو به النفوس وتُغفر به الذنوب، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل التقرب إليه بالذبائح من شعائر الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من ضحّى وقرب لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم شعائر الإسلام في هذه الأيام المباركة: شعيرة الأضحية، التي شرعها الله تعالى إحياءً لسنة إبراهيم عليه السلام، حين امتثل أمر ربه، وفدى الله ابنه بذبحٍ عظيم.

قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.

وقال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

أيها المسلمون:

الأضحية سنة مؤكدة عظيمة، ضحّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمّى وكبّر، وقال: «بسم الله، والله أكبر».

وهي عبادة جليلة، يجتمع فيها تعظيم الله، وإظهار التوحيد، وإحياء سنة الأنبياء، والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، وإدخال السرور على الأهل والأولاد.

وليست العبرة بكثرة اللحم ولا غلاء الثمن، وإنما العبرة بما في القلب من الإخلاص والتقوى، قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.

عباد الله:

ومن فضل الأضحية أن المسلم يؤجر عليها أجرًا عظيمًا، وهي من أحب الأعمال إلى الله في يوم النحر، وقد كان السلف يعظمون هذه الشعيرة، ويحرصون عليها كل الحرص.

فينبغي للمسلم أن يختار أضحيته من الطيب السليم، وأن يذبحها في وقتها المشروع بعد صلاة العيد، وأن يذكر اسم الله عليها، وأن يُظهر هذه الشعيرة في بيته وأهله.

كما ينبغي ألا تتحول الأضحية إلى مباهاة ومفاخرة، وإنما تكون عبادةً خالصة لله تعالى.

اللهم تقبل منا صالح الأعمال، ووفقنا لتعظيم شعائرك، واجعلنا من أهل التقوى والإخلاص.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.