الجمعة، 31 يوليو 2026

كونوا متفائلين ..

 

كونوا متفائلين ..

في حياة الإنسان مواقف تكثر فيها المخاوف، وتتزاحم فيها الهموم، ويصبح القلق رفيقًا لكثير من الناس. وفي مثل هذه الأحوال يرشد الإسلام إلى دواء عظيم يجمع بين قوة الإيمان وسلامة النفس، وهو الفأل وحسن الظن بالله، فليس التفاؤل في الإسلام أمنياتٍ مجردة، ولا هروبًا من الواقع، وإنما هو ثقة بالله تعالى، ورجاءٌ في فضله، مع بذل الأسباب والسعي في إصلاح الحال.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، ويغرسه في نفوس أصحابه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ»، فالكلمة الطيبة تبعث الأمل، وتشرح الصدر، وتقوي العزيمة، ولذلك كانت محبوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبيَّن ابن الأثير معنى الفأل فقال: «التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض فيتفاءل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طلب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته»، فالفأل مبناه على استبشار القلب بالخير، وربط الأمور بحسن الرجاء في الله تعالى.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير، كما روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يعجبه الاسم الحسن والكلمة الطيبة. وبيَّن ابن عباس الفرق بين الفأل والطيرة فقال: «الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء»، فالمتفائل يرجو الخير من ربه، أما المتطير فيستسلم للأوهام، ويعلق قلبه بما لا حقيقة له.

فالفأل مما أمر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتشاؤم ممن يأمر به الشيطان، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268]

ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب الأسماء الحسنة، ويغيّر ما كان قبيحًا منها؛ فقد قدم عليه رجل اسمه حَزْن، فقال له: «بل أنت سهل»، إلا أنه أبى تغيير اسمه، فكان حفيده سعيد بن المسيب يقول: «فما زالت فينا الحزونة بعد»، وكذلك لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «سَهُلَ لكم من أمركم»، فتفاءل باسمه، مع أن الموقف كان من أصعب المواقف.

والفأل في حقيقته ثمرة من ثمار حسن الظن بالله تعالى، والمؤمن مأمور بأن يحسن الظن بربه في جميع أحواله. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل». وقد قال العلماء: حسن الظن بالله أن يوقن العبد برحمة الله، ويرجو عفوه، ويثق بكرمه، دون أن يترك العمل والطاعة.

ومن يتأمل قصص الأنبياء والصالحين يجد أن التفاؤل كان شعارهم في أحلك الظروف. فهذا موسى عليه السلام، وقد أحاط به البحر من أمامه، وفرعون وجنوده من خلفه، حتى قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فأجابهم بثقة المؤمن: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

وكذلك هاجر أم إسماعيل عليها السلام، لما تركها إبراهيم عليه السلام في وادٍ لا زرع فيه ولا ماء، لم تستسلم للخوف، وإنما سألت: آلله أمرك بهذا؟ فلما قال: نعم، قالت كلمتها الخالدة: «إذًا لا يضيعنا»، إنها كلمات قليلة، لكنها تحمل من حسن الظن بالله ما يملأ القلوب يقينًا وطمأنينة.

ومن أروع صور التفاؤل كذلك موقف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها عندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غار حراء مضطربًا، فقال: «زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي»، فقالت مطمئنةً له: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»، لقد بثَّت في قلبه الطمأنينة، وربطت بين صلاح العمل وحسن الظن بفضل الله.

وللفأل وحسن الظن بالله آثار عظيمة على حياة المسلم؛ فهو يبعث في القلب السكينة، ويخفف من القلق والهم، ويمنح صاحبه قوة على مواجهة الأزمات، لأن المؤمن يعلم أن تدبير الله خير من تدبيره، وأن الفرج قريب مهما اشتدت الكروب، كما أن التفاؤل يدفع إلى العمل والاجتهاد، بخلاف اليأس الذي يورث الكسل والاستسلام، ولذلك كان الفأل سببًا في تقوية العزائم، وإحياء الأمل، والاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وليس التفاؤل تجاهلًا للواقع أو إنكارًا للمصاعب، وإنما هو نظر إلى المستقبل بعين الرجاء، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، والثقة بأن الله لا يضيع عباده المؤمنين. فالقلق ينشأ غالبًا من توقع أسوأ الاحتمالات، أما حسن الظن بالله فيملأ القلب يقينًا بأن الله أرحم بعبده من نفسه، وأن تدبيره كله خير، وإن خفيت الحكمة في بعض الأقدار.

وخلاصة الأمر .. أن الفأل وحسن الظن بالله من أعظم أسباب سعادة القلب وثباته؛ فبهما يزول كثير من الهم، وتقوى الإرادة، ويطمئن العبد إلى وعد ربه، فيعيش بين الأخذ بالأسباب، والاعتماد على الله، والرجاء فيما عنده، ومن كان كذلك، عاش مطمئن النفس، ثابت القلب، راجيًا فضل ربه في السراء والضراء.

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

فلَّاح غيَّرَ مسار أحد كبار علماء الأزهر

 

فلَّاح غيَّرَ مسار أحد كبار علماء الأزهر

مَن كان يُصدّق أن لقاءً عابرًا مع فلاحٍ بسيط في طريقٍ ريفي، سيكون السبب في تغيير مسيرة عالمٍ تخرّج في الأزهر، ثم أصبح لاحقًا من أشهر المحققين والدعاة إلى نشر تراث السلف في القرن الرابع عشر الهجري؟!

إنها قصة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله.

بعد سنواتٍ طويلة قضاها في أروقة الأزهر، أنهى الشيخ دراسته سنة (1917م)، وحمل شهادته العلمية عائدًا إلى قريته، وقد امتلأ صدره بما تلقاه من العلوم الفقهية و"الكلامية"، ينتظر أن يستقبله أهله فرحين بنجاحه.

لكن الله كان قد أعدّ له موعدًا لم يكن في قاعة درس، ولا في مجلس أحد العلماء، وإنما في حقلٍ زراعي!

وذلك أنه في طريق عودته إلى بلده حاملا شهادته، مرّ بفلاح يحرث أرضه، فرحّب به قائلاً: «يا ولدي، اجلس على هذه الدكة حتى أفرغ من عملي».

جلس الشيخ ينتظر، فوقع بصره على كتابٍ موضوعٍ بجانبه، فتناوله يقلب صفحاته، فإذا هو كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» للإمام ابن القيم.

وما إن اندمج في القراءة، حتى جاء الفلاح بعد قليل، وسأله عن اسمه، ورحلته، وما الذي يدرسه.

فلما علم أنه تخرّج في الأزهر، ابتسم وقال: «يا ولدي، لقد حصلت على شهادة تستطيع أن تعيش بها في أي مكان من الدنيا؛ في أمريكا وأوروبا، لكنها لم تعلمك أول ما ينبغي أن تتعلمه!!»

وقد أثارت العبارة فضول الشيخ ودهشته، وكيف يتحدث هذا الفلاح بهذه الثقة؟! قال: «وما هو؟!»

قال الفلاح بثقة: «التوحيد؛ توحيد السلف!».

فسأله الشيخ: «وما توحيد السلف؟!»

فأخذ الفلاح يعدد له كتب العقيدة التي ينبغي لطالب العلم أن يقرأها: «السنة» للإمام أحمد، و«التوحيد» لابن خزيمة، و«خلق أفعال العباد» للبخاري، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي، ثم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وغيرها من كتب أئمة السلف.

ثم أوصاه وصية بقيت عالقة في قلبه طوال عمره، فقال: «إذا وصلتَ إلى قريتك وفرح الناس بنجاحك، فلا تطل المقام، ارجع مباشرة إلى القاهرة، واذهب إلى دار الكتب المصرية ستجد هذه الكتب كلها هناك، قد علاها الغبار، أنفض عنها الغبار، وانشرها بين الناس».

كانت كلمات الفلاح صادقة، خرجت من قلب مخلص، فدخلت قلب الشيخ بلا استئذان.

يقول الشيخ محمد حامد الفقي: رجعت إلى القاهرة، وذهبت إلى دار الكتب المصرية، فوجدت الكتب التي وصفها لي الفلاح كما قال، مكدسة على الرفوف، يغطيها الغبار، إلا كتابًا واحدًا لم أعثر عليه إلا بعد مدة.

ولم يستطع الشيخ أن يكتم دهشته، فسأل الفلاح قبل أن يفترقا: «من أين لك كل هذا العلم؟!»

فأجابه: «تعلمته على يد شيخ يُعرف بــ (الرمّال)، كان يبحث عن كتب السلف ويجمعها، ثم يعلّمها سرًّا للعمال والكنّاسين والفلاحين، في زمن لم يكن يُسمح فيه بإظهار هذا العلم، وكنتُ واحدًا ممن تلقوا العلم عليه».

هكذا كانت بداية التحول في حياة الشيخ محمد حامد الفقي؛ فلم يكن سببها مناظرة طويلة، ولا مجلسًا علميًا كبيرًا، وإنما لقاء عابر مع فلّاحٍ صالح، حمل علمًا نافعًا ونصيحة صادقة، فغيّر بها مسار أحد أبرز علماء الدعوة السلفية في العصر الحديث.

وتبقى هذه القصة شاهدًا على أن الهداية قد تأتي على يد من لا يخطر على البال، وأن العلم النافع ليس بكثرة الشهادات، وإنما بصدق الاتباع والإخلاص لله، وأن الخير لا يزال باقيًا في الأمة، يورثه الله من يشاء من عباده.

أبجد هوّز

أبجد هوّز

يقرأ البعض عبارة «أبجد هوز حطي كلمن» فيظن أنها كلمات غريبة لا معنى لها، أو مجرد وسيلة قديمة لحفظ الحروف، لكن وراءها قصة تمتد إلى جذور الكتابة السامية القديمة، وتكشف لنا أن ترتيب الحروف العربية لم يكن كما نعرفه اليوم.

عرفت العربية ترتيبين مشهورين للحروف: الترتيب الأبجدي القديم، الذي بقي أثره في عبارة «أبجد هوز»، والترتيب الألفبائي المعروف اليوم: «أ، ب، ت، ث…». ولم تكن الحروف وسيلة للكتابة فحسب، بل استُخدمت قديمًا أيضًا للدلالة على الأعداد والتواريخ فيما عُرف بـ«حساب الجُمَّل».

فما قصة «أبجد هوز»؟ ولماذا تغير ترتيب الحروف؟ وكيف تحولت الحروف إلى أرقام؟ هذا ما نتعرف عليه في هذا المقال.

* * *

الأبجدية مصطـلح يُطلق على الكلمات الست التي تجْمع حروف هجاء اللغة العربية وهي: [أبجد، هوَّز، حُطّي، كَلَمُن، سَعَفَص، قرشت، ثخذ، ضظغ] .

وهذا الترتيب مأخوذ من الترتيب السامي القديم، أما [ثَخَذ، وضظغ] فحروفهما من العَربية ويطلق عليها الروادف، وهذا الترتيب الأبجدي "المشرقي" يوافق الترتيب الموجود في اللغتين العبرية والآرامية، مع الاحتفاظ بوضع الأحرف العربية الستة في آخر الترتيب.

ويختلف ترتيب هذه الألفاظ في "المغرب" فتأتي على النحو التالي: [أبجد، هوَّز، حُطي، كَلمُن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش].

وكان هذا الترتيب معمولا به إلى أن جاء نصر بن عاصم الليثي (ت 89هـ) ورتبها الترتيب المعروف الآن، وذلك بجمع الحروف المتشابهة في الرسم إلى بعضها:

[أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي]، وتبدأ حروف الهجاء عند معظم الأمم بحرفين قريبي الشبه من حرفي (أ) و (ب)، ويبلغ عدد حروف اللغة العربية (28) حرفًا، إذا لم تحتسب الهمزة، و (29) بالهمزة.

واستخدم العرب هذه الحروف للدلالة على الأرقام الحسابية وسموا ذلك حساب الجُمَّل ، ويُجعل فيه لكل حرف من حروف الأبجدية عدد من الواحد إلى الألْف وفق الترتيب التالي:

ومن نماذج هذا الاستعمال قول العلامة الحكمي في ختام منظومة سلم الوصول:

أَبْيَاتُهَا "يُسْرٌ" بِعَدِّ الْجُمَّلِ // تَأْرِيخُهَا "الْغُفْرَانُ" فَافْهَمْ وادع لي

أي عدد أبياتها (270) بيتا، فكلمة "يسر" = الياء: 10، والسين 60، والراء 200 = 270.

وتاريخ الانتهاء سنة (1362 هـ) وهو مجموع كلمة "الغفران" = الألف 1، واللام 30، والغين 1000، والفاء 80، والراء 200، والألف الثانية 1، والنون 50= مجموعها 1362.

* * *

هذا وكان اليهود وغيرهم يستعملون هذه الحروف في أعمال السحر والتنجيم؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ قَوْمًا يَحْسِبُونَ أَبَا جَادٍ، وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ، وَلَا أَرَى لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَلَاقٍ"، [أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة: وإسناده حسن].

قال العلامة عبد الرحمن بن حسن: "وكتابة أبي جاد وتعلّمها لمن يدَّعي بها عِلم الغيب هو الذي يسمى علم الحرف، وهو الذي جاء فيه الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به"[1].

علّق عليه الشيخ حامد الفقي قائلا: "وينسبه الدجَّالون المشركون إلى جعفر الصادق، ولهم في ذلك كلام كثير في منتهى الكفر، والظاهر أنه من وضع الرافضة الذين استجابوا لسلفهم اليهود فأعملوا في هدم الإسلام كل معول".

قال الشيخ ابن عثيمين: "... الثاني: محرم، وهو كتابة "أبا جاد" كتابة مربوطة بسير النجوم وحركتها وطلوعها وغروبها، وينظرون في النجوم ليستدلوا بالموافقة أو المخالفة على ما سيحدث في الأرض، إما على سبيل العموم؛ كالجدب والمرض والحرب وما أشبه ذلك، أو على سبيل الخصوص؛ كأن يقول لشخص: سيحدث لك مرض أو فقر أو سعادة أو نحس في هذا وما أشبه ذلك؛ فهم يربطون هذه بهذه، وليس هناك علاقة بين حركات النجوم واختلاف الوقائع في الأرض"[2].

* * *

وهكذا يتبين أن ترتيب الحروف العربية الذي نألفه اليوم هو حصيلة تطور تاريخي طويل؛ فقد سبقته الأبجدية القديمة «أبجد هوز»، ثم استقر الترتيب الألفبائي القائم على جمع الحروف المتشابهة في الرسم. ولم يقتصر دور الحروف على الكتابة، بل تجاوز ذلك إلى استعمالها في العدّ والتأريخ من خلال "حساب الجُمَّل".



[1] فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص301).

[2] القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 549).

شَهْرُ صَفَر

 

شَهْرُ صَفَر

يأتي شهر صفر ثاني شهور السنة الهجرية بعد شهر الله المحرم، وهو من الشهور العربية التي عُرفت أسماؤها قبل الإسلام، وقد تعددت أقوال أهل اللغة والمؤرخين في سبب تسميته، كما ارتبط به عدد من عادات العرب ومعتقداتهم، ثم جاء الإسلام فأبطل ما تعلق به من تشاؤم وخرافات.

لماذا سُمّي شهر صفر بهذا الاسم؟

اختلفت الأقوال في سبب تسمية شهر صفر، ومن أشهرها:

- خلو الديار من أهلها: قيل إن العرب كانوا يخرجون فيه للغزو والسفر بعد انقضاء شهر المحرم، فتخلو منهم المنازل، ومنه قولهم: صَفِرَ المكان إذا خلا.

- إصفار مكة من أهلها: وقيل إن مكة كانت تخلو من كثير من أهلها في هذا الشهر لخروجهم وارتحالهم.

- إصفار من يُغار عليهم من المتاع: أي إن العرب كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون من أغاروا عليهم صِفرًا من المتاع، أي لا شيء لديهم.

- الصَّفَرِيَّة: وقيل إن الاسم مرتبط ببلاد أو أسواق عُرفت بهذا الاسم، كان العرب يقصدونها للتجارة.

والأشهر والأقرب إلى المعنى اللغوي أن تسميته مرتبطة بالخلو والإفراغ؛ فقول العرب: صَفِرَ الإناء يعني خلا، ومنه قولهم: صِفر اليدين لمن لا يملك شيئًا.

وكان العرب يقولون: «أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء»، يريدون خلو أوعيتهم من الطعام وفناء مواشيهم.

أسماء أخرى لشهر صفر عند العرب قديمًا:

لم يكن اسم «صفر» هو الاسم الوحيد الذي عُرف به هذا الشهر عند العرب في عصورهم القديمة؛ فقد نُقلت له أسماء أخرى، منها:

- مُوجِر: وهو الاسم الذي عُرف به عند ثمود.

- ثقيل: وقيل إن بعض العرب العاربة كانوا يطلقون عليه هذا الاسم.

- ناجِر: ومن الأسماء القديمة المنقولة لهذا الشهر، وقيل إنه مشتق من النَّجْر، وهو شدة الحر، إذ كانت تسمية الشهور مرتبطة في الأصل بالفصول التي وقعت فيها عند وضع أسمائها. وقيل: تنجر الإبل، أي يشتد عطشها من شدة الحر.

ومن المهم التنبيه إلى أن الشهور الهجرية بعد اعتماد التقويم القمري لا ترتبط بفصل معين، ولذلك ينتقل صفر بين الصيف والشتاء وسائر الفصول على مر السنين.

بدع شهر صفر في الجاهلية:

ارتبط شهر صفر عند العرب قبل الإسلام بعدد من العادات والمعتقدات.

ومن ذلك "النسيء"؛ وهو تلاعب بعض العرب بحرمة الأشهر الحرم؛ فكانوا يؤخرون حرمة شهر إلى آخر وفق مصالحهم في القتال والغزو، وقد أبطل القرآن ذلك، فقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37].

كما كانت عند أهل الجاهلية تصورات خاصة بشأن العمرة في صفر وأشهر الحج؛ فقد كانوا يرون العمرة فيهما من أفجر الفجور، ويقولون: «إذا برأ الدَّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر».

وقد أبطل الإسلام هذه العادة، واعتمر النبي ﷺ وأصحابه في أشهر الحج، وما زال المسلمون يعتمرون في شهر صفر -إلا من كانت عندهم بقايا تلك المعتقدات الجاهلية-.

أحداث وقعت في شهر صفر:

شهد شهر صفر عددًا من الأحداث المهمة في التاريخ الإسلامي، ومن أبرزها:

- في أواخر صفر من السنة التي وقعت فيها الهجرة خرج النبي ﷺ من مكة، ومكث في غار ثور، ثم واصل طريقه إلى المدينة في مطلع ربيع الأول.

- وفي مثل هذا الشهر من سنة 3هـ، وهي التي كانت تُسمى عند العرب سنة التّمحيص كانت غزوة بني قينقاع.

- أما في سنة الترفئة، أي في صفر من عام 4 هـ فكانت غزوة الرجيع.

- وفي صفر عام 7 هـ سنة الاستغلاب كان فتح خيبر.

- وفي 27 منه عام 11هـ كان مرض الرسول صلى الله عليه وسلم الذي توفي بعده في يوم الاثنين 13 ربيع الأول من العام نفسه.

- وفي صفر سنة 37هـ جرت وقائع معركة صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ودامت هذه الحرب 110 أيام.

- وفي صفر سنة 99هـ تولى عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخلافة بعد وفاة سليمان بن عبد الملك.

هل لشهر صفر خصوصية شرعية؟

ليس لشهر صفر فضيلة شرعية خاصة ولا شؤم خاص، فهو كسائر شهور السنة، ولا يصح اعتقاد أن المصائب تكثر فيه أو أن الزواج والسفر والتجارة فيه مظنة للفشل.

وقد أبطل النبي ﷺ ما كان عند أهل الجاهلية من الخرافات والتشاؤم، فقال: «لا عَدْوَى، ولا طِيَرَةَ، ولا هَامَةَ، ولا صَفَرَ» متفق عليه.

وقيل في تفسير قوله ﷺ: «ولا صفر» المراد إبطال ما كانت الجاهلية تعتقده في شهر صفر، وقيل: المراد اعتقاد جاهلي آخر متعلق بمرض في البطن، وعلى كلا التفسيرين فالحديث أصل في إبطال معتقدات الجاهلية والخرافات التي لا دليل عليها.

اعتقادات وبدع مرتبطة بشهر صفر:

ظهرت عبر العصور بعض المعتقدات والممارسات التي لا أصل لها في الشريعة، ومن أبرزها:

- التشاؤم من صفر: كاعتقاد أنه شهر للمصائب والنكبات أو أن الشر فيه أكثر من غيره، وهذا لا دليل عليه.

- تأجيل الزواج والسفر: فمن الناس من يمتنع عن الزواج أو السفر أو بدء مشروع جديد في صفر خوفًا من سوء العاقبة، وهذا من التشاؤم المذموم.

-تخصيص آخر أربعاء من صفر بعبادة: كإقامة صلاة مخصوصة أو قراءة آيات وأدعية بأعداد وهيئات محددة اعتقادًا بأن البلاء ينزل في ذلك اليوم؛ ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه.

- اعتقاد نزول بلاء مخصوص في آخر صفر: لا يوجد دليل صحيح يدل على أن يومًا من أيام صفر تختص فيه البلايا بالنزول.

- تسمية الشهر بـ«صفر الخير»: شاع عند بعض الناس إضافة كلمة «الخير» إلى صفر ردًا على من يتشاءم منه، والأولى الاكتفاء باسمه الذي سماه به العرب وعرفه المسلمون: شهر صفر؛ إذ ليس المقصود مقابلة التشاؤم باعتقاد خصوصية في الخير، وإنما الاعتقاد بأن الأزمنة لا تجلب خيرًا أو شرًا بذاتها إلا بما يقدره الله تعالى فيها.

الخلاصة:

شهر صفر شهر من الشهور القمرية، لا يختلف في أصله عن سائر الشهور، وقد ارتبط في الجاهلية بعادات ومعتقدات جاء الإسلام بإبطالها، فلا يجوز للمسلم أن يتشاءم منه، أو يؤخر زواجًا أو سفرًا بسببه، أو يخصص شيئًا من أيامه بصلاة أو دعاء أو عبادة لم يثبت بها دليل.

والمنهج الصحيح أن يعلم المسلم أن الأيام والشهور لا تملك نفعًا ولا ضرًا بذاتها، وإنما الأمر كله لله تعالى، وأن ما يقع فيها من خير أو شر إنما يقع بقضاء الله وقدره.

وبذلك يتحرر المسلم من خرافة التشاؤم بالأزمان، ويحقق ما جاء به الإسلام من التوكل على الله وحسن الظن به، بعيدًا عن أوهام الجاهلية ومحدثات الأمور.

الأحد، 26 يوليو 2026

الرّضاع .. وأحكامه في الشريعة الإسلامية

 

الرّضاع .. وأحكامه في الشريعة الإسلامية

جاءت الشريعة الإسلامية بتنظيم العلاقات الأسرية وحفظ الأنساب، ومن الأحكام المتصلة بذلك أحكام الرضاع؛ إذ جعل الشرع للرضاع أثرًا في القرابة والتحريم، حتى يصبح الطفل المرتضع فردًا من أسرة مرضعته من جهة أحكام المحرمية، متى تحققت شروط الرضاع المعتبرة شرعًا.

ما المقصود بالرضاع؟

الرضاع في اللغة -بفتح الراء ويجوز كسرها- هو: مصُّ اللبن من الثدي أو شربه.

أما في الاصطلاح الشرعي فهو: وصول لبن المرأة إلى طفل دون الحولين عن طريق الرضاع أو الشرب أو نحوه.

وقد دل القرآن الكريم على مشروعية إرضاع الطفل واسترضاع المرأة له، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 233].

أثر الرضاع في التحريم:

للرضاع أثر مهم في الأحكام الأسرية؛ فهو ينشئ قرابة يترتب عليها تحريم النكاح وثبوت المحرمية وإباحة الخلوة والنظر وفق أحكام المحارم، متى استوفى الرضاع شروطه الشرعية.

وقد ثبت التحريم بالرضاع بالكتاب والسنة والإجماع.

فمن القرآن الكريم قول الله تعالى في بيان النساء المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23].

ومن السنة قول النبي ﷺ: «إن الرضاعة تحرِّم ما تحرِّم الولادة»، وقال ﷺ في بنت حمزة رضي الله عنه: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم».

كما أجمع علماء الأمة على ثبوت التحريم بالرضاع.

متى يكون الرضاع محرِّمًا؟

ليس كل رضاع يثبت به حكم المحرمية، وإنما لا بد من تحقق شرطين أساسيين:

الأول: أن يكون الرضاع في الحولين الأولين من عمر الطفل، فلا يؤثر الرضاع الواقع بعد انقضاء مدة الرضاع -على الصحيح-؛ قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233].

وقال سبحانه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14].

وقال النبي ﷺ: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»، ومعنى ذلك أن الرضاع المؤثر هو ما كان في زمن الصغر الذي يعتمد فيه الطفل على اللبن في غذائه ونموه.

الثاني: أن تكون خمس رضعات معلومات، ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نُسخن بخمس معلومات...»، وعليه، فلا تثبت الحرمة بأقل من خمس رضعات.

ولا يشترط أن يصل اللبن إلى الطفل مباشرة من الثدي؛ فلو حُلب اللبن ثم شربه الطفل من إناء، أو وصل إلى جوفه بطريقة أخرى، فإنه يأخذ حكم الرضاع إذا تحققت فيه الشروط المعتبرة.

من يصبح محرمًا بسبب الرضاع؟

القاعدة الجامعة في هذا الباب قول النبي ﷺ: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب»، فإذا أرضعت امرأة طفلًا رضاعًا محرِّمًا، أصبحت أمًّا له من الرضاع، وأصبح زوجها الذي نُسب إليه اللبن أبًا له من الرضاع، وأولادهما إخوة وأخوات له من الرضاع.

ويمتد حكم التحريم كما يمتد في قرابة النسب؛ فتحرم الأم من الرضاع وإن علت، والبنت من الرضاع وإن نزلت، والأخت من الرضاع، والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت من الرضاع، وفق تفصيل أحكام المحرمات.

ومع ثبوت هذه القرابة تثبت أحكام المحرمية؛ فيجوز من النظر والخلوة ما يجوز بين محارم النسب.

لكن ينبغي التنبيه إلى أن الرضاع لا يجعل جميع أحكام النسب ثابتة؛ فلا يثبت به الإرث، ولا النفقة، ولا الولاية، ولا صلة الرحم، وإنما أثره الأساسي في باب النكاح والمحرمية وما يتصل بهما.

كيف يثبت الرضاع؟

تظهر أهمية إثبات الرضاع خصوصًا عند الإقدام على الزواج؛ لأن ثبوته قد يكشف وجود قرابة رضاع تمنع النكاح، ومن أدلة اعتبار خبر المرأة في ذلك حديث عقبة بن الحارث رضي الله عنه، أنه تزوج امرأة، فجاءت امرأة فقالت: إني قد أرضعتكما، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال له: «وكيف وقد قيل؟ دعها عنك».

وبناء على ذلك، تقبل شهادة المرأة المرضية المعروفة بالصدق في الرضاع وفق أحكام الشهادة المقررة عند أهل العلم، سواء شهدت بأنها أرضعت الطفل بنفسها أو شهدت على واقعة رضاع تعلمها.

* * *

إذاً .. الرضاع من الروابط التي اعتبرتها الشريعة سببًا لنشوء المحرمية، ولذلك ينبغي للأسر ضبط وقائع الرضاع وتوثيقها، ولا سيما عند تعدد الأطفال أو المرضعات؛ حتى لا يقع في المستقبل زواج بين من تربطهما قرابة رضاع.

فالطفل إذا رضع الرضاع المعتبر شرعًا في زمنه وعدده المعتبرين، ترتبت عليه أحكام التحريم والمحرمية، وصارت القاعدة النبوية هي الأصل في معرفة أثر تلك القرابة: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب».

السبت، 25 يوليو 2026

هل الفصل بين الجنسين تخلف ورجعية ؟!

 

هل الفصل بين الجنسين تخلف ورجعية ؟!

يُقدَّم الفصل بين الجنسين في بعض النقاشات المعاصرة وكأنه ظاهرة خاصة بالمجتمعات العربية والإسلامية، أو أنها مظهر من مظاهر التشدد والتخلف، غير أن النظر في واقع عدد من الدول الغربية "المتقدمة!" يكشف صورة مغايرة؛ فهذه الدول، على الرغم من أن الاختلاط هو الأصل في كثير من مؤسساتها، فإنها لا تتردد في الفصل بين الرجال والنساء في مجالات متعددة متى رأت في ذلك مصلحة تتعلق بالخصوصية أو السلامة أو الكرامة أو طبيعة النشاط.

فمبدأ الفصل في ذاته ليس مستنكرًا لديها على إطلاقه، بل تقبله وتطبقه متى وجدت مبررات عملية لذلك، ونأخذ على ذلك عدة أمثلة:

المواصلات العامة

من أشهر الأمثلة ما في اليابان، حيث توجد في بعض خطوط القطارات عربات مخصصة للنساء خلال ساعات معينة، ولا سيما أوقات الازدحام، وتوضح الجهات المشغلة، ومنها Tokyo Metro وJR East، أن هذه العربات تهدف إلى توفير قدر أكبر من الأمان والطمأنينة للنساء.

وتوجد صور مشابهة في دول أخرى مثل الهند والمكسيك، حيث خُصصت في بعض شبكات النقل عربات أو أقسام للنساء.

فالمثير للاهتمام هنا أن الفصل لم يُنظر إليه باعتباره تمييزًا مذمومًا في ذاته، وإنما وسيلة يمكن استخدامها لمعالجة مشكلة واقعية كالسلامة والتحرش.

التعليم المدرسي

في بريطانيا توجد مدارس للبنين فقط وأخرى للبنات فقط، إلى جانب المدارس المختلطة، وهي جزء معترف به من النظام التعليمي.

وفي أستراليا توجد كذلك مدارس حكومية أحادية الجنس؛ ففي ولاية "نيو ساوث ويلز" على سبيل المثال، تصنف وزارة التعليم رسميًا عددًا من المدارس الثانوية إلى مدارس للبنين وأخرى للبنات.

وهذه الأمثلة مهمة؛ لأنها تتجاوز الفصل المرتبط بالخصوصية الجسدية إلى النموذج التربوي والتعليمي نفسه.

التعليم الجامعي

حتى في التعليم العالي توجد مؤسسات مخصصة للنساء، ففي الولايات المتحدة توجد كليات نسائية عريقة، من أشهرها Wellesley College ومن أشهر الخريجات:

هيلاري كلينتون: وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، والسيدة الأولى السابقة، والمرشحة الرئاسية لعام 2016، ومادلين أولبرايت: أول امرأة تشغل منصب وزيرة الخارجية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

وكلية: Smith College، ومن أشهر الخريجات: "نانسي ريغان" السيدة الأولى السابقة للولايات المتحدة الأمريكية وزوجة الرئيس الأسبق رونالد ريغان.

وقد حافظت هذه المؤسسات على هويتها التعليمية النسائية رغم وجودها في مجتمع يغلب عليه التعليم المختلط.

وفي كوريا الجنوبية تعد Ewha Womans University من أشهر المؤسسات الجامعية المرتبطة تاريخيًا بتعليم النساء، وتمتد جذورها إلى القرن التاسع عشر، ومن أشهر الخريجات:

هان ميونغ سوك: أول امرأة تتولى منصب رئيسة وزراء في تاريخ كوريا الجنوبية.

كيم يون أوك: السيدة الأولى السابقة لكوريا الجنوبية (زوجة الرئيس الأسبق لي ميونغ باك).

إذن فوجود مؤسسة تعليمية تستهدف جنسًا معينًا ليس أمرًا غريبًا تمامًا حتى داخل بعض أكثر المجتمعات الحديثة انفتاحًا على التعليم المختلط.

المستشفيات

ومن الأمثلة المهمة بريطانيا؛ إذ تتبنى هيئة الخدمات الصحية الوطنية NHS مبدأ توفير إقامة للمرضى تراعي الفصل بين الجنسين، وتعد الإقامة المختلطة أمرًا ينبغي تجنبه إلا عندما تقتضي الضرورة الطبية خلاف ذلك.

ويشمل ذلك أماكن النوم والحمامات ومرافق الاستحمام، انطلاقًا من المحافظة على خصوصية المريض وكرامته.

وهذا مثال لافت؛ لأن الفصل هنا لا يقوم على اعتبارات دينية، وإنما على الاعتراف بأن وجود الرجل والمرأة في مكان واحد ليس مناسبًا في جميع الظروف.

الرياضة

أما الرياضة فهي ربما أكبر نموذج عالمي للفصل بين الجنسين، ففي الألعاب الأولمبية وكرة القدم وألعاب القوى والسباحة وغيرها، توجد منافسات للرجال وأخرى للنساء، ويرجع ذلك أساسًا إلى مراعاة الفروق البدنية وتحقيق العدالة في المنافسة، وأن الاعتراف بالفروق بين الجنسين يمكن أن يكون أساسًا لنظام منفصل عندما تستدعي طبيعة المجال ذلك.

السجون ومراكز الاحتجاز

الفصل بين الرجال والنساء هو الأصل كذلك في السجون في معظم دول العالم، بما فيها الدول الغربية، فللنساء سجون أو أقسام مستقلة، كما توجد ترتيبات خاصة بالتفتيش والاستحمام والنوم والرعاية الصحية والأمهات السجينات، ويقوم ذلك على اعتبارات الأمن والخصوصية والاختلاف في الاحتياجات بين السجناء والسجينات.

التفتيش والخصوصية الجسدية

في بعض الإجراءات الأمنية والعقابية توجد قواعد تجعل التفتيش الجسدي بواسطة شخص من الجنس نفسه، ولا سيما عندما يكون التفتيش أكثر تدخلًا في خصوصية الإنسان.

وهذا يعكس مبدأ مهمًا: أن خصوصية الجسد قد تجعل الفصل بين الجنسين أكثر ملاءمة من تطبيق المعاملة الموحدة دون اعتبار للجنس.

السكن والفنادق

ويوجد الفصل أيضًا في بعض صور الإقامة؛ فهناك مساكن طلابية أو غرف وأقسام في النُّزل مخصصة للنساء، كما توجد في بعض الدول الآسيوية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، خدمات إقامة أو مساحات تستهدف النساء وحدهن.

مثل فندق Nine Hours Woman (بفرعيه الشهيرين في كاندا وشينجوكو بطوكيو)، وفندق Akihabara Bay Hotel المتميز بتصميمه الوردي ووسائل الحماية الصارمة، وتوفر Resol Poshtel أو كبسولات MyCube طوابق كاملة معزولة ببوابات رقمية لا يدخلها إلا النساء لضمان فصل تام في غرف النوم ودورات المياه، و مساكن "الغوشيوون" المخصصة للنساء (Women-Only Goshiwon): "الغوشيوون" في كوريا الجنوبية، وغير ذلك من الأمثلة كثير.

ملاجئ النساء

وتوجد في بريطانيا والولايات المتحدة وغيرها دور إيواء وخدمات مخصصة للنساء، وخصوصًا ضحايا العنف الأسري، والغاية هنا توفير بيئة آمنة وخصوصية أكبر للنساء في ظروف حساسة، ولذلك يُنظر إلى التخصيص بحسب الجنس باعتباره وسيلة حماية لا تمييزًا سلبيًا.

مواقف السيارات

ومن الأمثلة العجيبة ما يوجد في ألمانيا والنمسا مواقف مخصصة للنساء في بعض مرائب السيارات، تعرف باسم Frauenparkplätze وتوضع عادةً في مواقع أكثر وضوحًا أو أقرب إلى المداخل والمخارج، ضمن تدابير تستهدف تعزيز الشعور بالأمان.

وكذلك العديد من الدول حول العالم تبنت مبادرات مشابهة لحماية النساء وتسهيل حركتهن، وغالباً ما تُعرف عالمياً باسم المواقف الوردية (Pink Parking Spaces)، كما في سويسرا، وإيطاليا، والتشيك، وكوريا الجنوبية، والصين.

دورات المياه وغرف تبديل الملابس

ويبقى المثال الأكثر انتشارًا: دورات المياه وغرف تبديل الملابس ومرافق الاستحمام المنفصلة للرجال والنساء، فهي موجودة في المدارس والجامعات والمطارات والمسابح والنوادي والمستشفيات وأماكن العمل في أنحاء واسعة من العالم.

ماذا نستنتج من هذه الأمثلة؟

أدرك تماما أن هذه النماذج لا يصلح استخدامها للقول بأن اليابان أو بريطانيا أو أمريكا أو غيرها تتبنى «الفصل بين الجنسين» بالمفهوم الاجتماعي أو الديني المعروف في المجتمعات الإسلامية؛ فهذا غير دقيق، لكنها في الوقت نفسه تكشف خطأ الفكرة المقابلة، وهي أن مجرد الفصل بين الرجال والنساء تخلف أو تمييز غير مقبول.

فما ورد ذكره من أمثلة ما هي إلا مجرد أدلة بسيطة على أن الاعتراف بالخصوصية بين الجنسين لا يتعارض في ذاته مع الحداثة أو التقدم، ولا يدل على الرجعية والتخلف.

 

 

الجمعة، 17 يوليو 2026

العَجَلَة

 

العَجَلَة

من طبائع الإنسان التي أخبر الله عنها أنه خُلق عجولًا، يريد النتائج قبل أسبابها، والثمرة قبل غرسها، والفرج قبل أوانه، ولذلك جاءت الشريعة لتربي المسلم على خلقٍ عظيم هو التأني، وتحفظه من آفة العجلة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ»، وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: 35]. وإذا كان هذا الخطاب موجَّهًا إلى خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى أن يحتاج إليه كل واحد منا.

التأني خلق الأنبياء:

من أعظم المواقف التي تجلّى فيها صبر النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع له في الطائف، حين لقي من الأذى والرفض ما لم يلقه في غيره، حتى قال لعائشة رضي الله عنها إن ذلك كان أشد عليه من يوم أحد. ومع هذا كله، لم يدعُ على قومه بالهلاك، ولم يستعجل العقوبة لهم، بل اختار الرحمة، ورجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده. إنها صورة عملية للتأني، والثقة بوعد الله، وعدم استعجال النتائج.

ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس بقوله: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْم والأَناة».

ليست كل عجلة مذمومة:

العجلة ليست مذمومة بإطلاق، بل منها مذموم ومنها ما هو محمود، وهو المبادرة إلى الطاعات والخيرات، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، وقال موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة»، فالمؤمن لا يؤخر التوبة، ولا يؤجل الصدقة، ولا يسوّف في الصلاة، لأن العمر قصير، والفرصة قد لا تتكرر.

صور من العجلة المذمومة:

من أخطر صور العجلة التي حذر منها الشرع:

- الدعاء على النفس أو الأولاد أو المال عند الغضب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ»، أي: توافق دعوة ساعة إجابة فيندم الإنسان حيث لا ينفع الندم.

- استعجال إجابة الدعاء، فيقول: دعوت فلم يُستجب لي، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ».

- العجلة في الصلاة، فينقرها نقرًا، ولا يتم ركوعها ولا سجودها، ففي الصحيحين: «أنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسجِدَ فصَلَّى، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ناحيةِ المَسجِدِ، فجاءَ فسَلَّمَ عليه، فقال له: ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، فرَجَعَ فصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ، فقال: وعليك، ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، قال في الثَّالِثةِ: فأعلِمْني، قال: إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فأسبِغِ الوُضوءَ، ثُمَّ استَقبِلِ القِبلةَ، فكَبِّرْ واقرَأْ بما تَيَسَّرَ معكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ اركَعْ حتَّى تَطمَئِنَّ راكِعًا، ثُمَّ ارفَعْ رَأسَكَ حتَّى تَعتَدِلَ قائِمًا، ثُمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمَئِنَّ ساجِدًا، ثُمَّ ارفَعْ حتَّى تَستَويَ وتَطمَئِنَّ جالِسًا، ثُمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمَئِنَّ ساجِدًا، ثُمَّ ارفَعْ حتَّى تَستَويَ قائِمًا، ثُمَّ افعَلْ ذلك في صَلاتِكَ كُلِّها».

- التسرع في الحكم على الناس، وسوء الظن بهم دون بينة، والله تعالى يقول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

العجلة في واقعنا:

ولعل من أبرز صور العجلة في زماننا:

- التسرع في الطلاق عند أول خلاف، ثم الندم بعد فوات الأوان.

- التهور في القيادة، واستعجال الوصول، فيكون الثمن أرواحًا وأموالًا.

- استعجال الثراء؛ فيلجأ بعض الناس إلى الربا أو الغش أو الرشوة أو سائر المحرمات، ظنًا أن الرزق يتأخر إن سلك الطريق الحلال.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرزق مقدر لا يفوت صاحبه، فقال: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ».

وقفة

ليس التأني ضعفًا، ولا البطء عجزًا، وإنما هو ثمرة الحكمة، وثقة العبد بربه، ويقينه أن لكل أمرٍ أجلًا، وأن ما قُدِّر له سيأتيه في وقته، فلا يفسده بالعجلة.

فإذا هممت بأمر، فتأنَّ، وإذا غضبت فاصبر، وإذا دعوت فأحسن الظن بربك، وإذا طلبت الرزق فاطلبه من بابه الحلال، فإن ما عند الله لا يُنال بمعصيته، ومن استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه.