الخُلْع
في الإسلام .. مخرج شرعي يحفظ الحقوق ويدفع الضرر
جاءت الشريعة الإسلامية لبناء الأسرة على المودة والرحمة، وجعلت الأصل
في الحياة الزوجية الاستقرار وحسن العشرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ
لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً
وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
لكن قد تصل الحياة الزوجية أحيانًا إلى طريق مسدود، بحيث تستحيل معه المعاشرة
بالمعروف، ولا تنفع وسائل الإصلاح، فشرع الله تعالى الخلع ليكون مخرجًا شرعيًا يرفع
الضرر عن الزوجين، ويحفظ لكل طرف حقه.
ما هو الخلع:
الخلع في اللغة مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن الله تعالى جعل كلا الزوجين لباسًا
للآخر.
أما في الاصطلاح الشرعي فهو: فرقة بين الزوجين بعوض تدفعه الزوجة لزوجها
مقابل إنهاء عقد النكاح، فتفتدي نفسها بما تتفق عليه مع زوجها.
مشروعية الخلع:
ثبتت مشروعية الخلع بالكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، أي: فيما
تدفعه المرأة للزوج مقابل فراقه.
وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ
قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي
أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
"أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟" قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا
تَطْلِيقَةً". [أخرجه البخاري: 5273].
وهذا الحديث أصل في مشروعية الخلع عندما تخشى المرأة ألا تستطيع القيام
بحقوق زوجها، مع سلامة دينه وخلقه.
أهم أحكام الخلع:
* يجوز الخلع إذا ساءت العشرة بين الزوجين، ويكون مقابل عوض مالي تدفعه
الزوجة لزوجها.
* لا يصح الخلع إلا من الزوجة كاملة الأهلية؛ وليست السفيهة مثلا.
* إذا وقع الخلع أصبحت المرأة بائنة من زوجها، فلا يملك مراجعتها إلا
بعقد ومهر جديدين إذا تراضيا.
* لا يلحق المرأة بعد الخلع طلاق أو ظهار أو إيلاء من الزوج بعد
الخلع؛ لأنها أصبحت أجنبية عنه.
* يجوز إجراء الخلع في الحيض أو في الطهر الذي جامعها فيه؛ لأن النهي
عن ذلك وارد في الطلاق وليس الخلع.
* يحرم على الزوج أن يسيء إلى زوجته أو يضيق عليها حتى يضطرها إلى افتداء
نفسها، قال تعالى:﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ
إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19].
* كما لا يجوز للمرأة أن تطلب الخلع من غير سبب معتبر، وإنما يشرع إذا
كرهت زوجها، أو ساء خلقه أو دينه، أو خافت ألا تؤدي حقوقه.
الحكمة من تشريع الخلع:
الخلع ليس وسيلة لهدم الأسرة، وإنما هو علاج استثنائي عندما تتعذر الحياة
الزوجية، فإذا فقدت المودة، وتعذر الإصلاح، ولم يعد استمرار الحياة الزوجية يحقق مقصود
النكاح، فإن الإسلام لا يجبر الزوجين على البقاء في علاقة يملؤها الشقاق والكراهية.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: 229].
فإن كان الزوج راغبًا في استمرار الحياة، بينما الزوجة تخشى ألا تقيم
حدود الله بسبب كراهتها له أو تقصيرها في أداء حقه، أبيح لها أن تفتدي نفسها بعوض تدفعه
إليه، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229].
فالخلع مظهر من مظاهر عدل الشريعة ورحمتها، إذ يوازن بين حقوق الزوج والزوجة،
ويمنح كل طرف مخرجًا مشروعًا عند تعذر استمرار الحياة الزوجية، مع المحافظة على الكرامة
والحقوق، بعيدًا عن الظلم والإضرار.




