الرد على قاعدة الدكتور بشار عواد
استوقفني ما طُرح في لقاءٍ ضمن لقاءات راديو ثمانية، الذي يقدّمه عبد الرحمن أبو مالح، واستُضيف فيه الدكتور المحقق بشار عواد معروف، حيث أُثيرت مسألة تتعلق بمنزلة “الصحيحين” وحدود ما يُستفاد من عدم إخراج بعض الأحاديث فيهما.
وقد جزم الدكتور بشار بقاعدة خطيرة، مؤداها: أن كل حديثٍ في حكمٍ عقدي أو عبادي أو إرشادي، ليس في “الصحيحين”، فهو ضعيف. وهذا القول – على وجازته – يثير إشكالًا علميًا عميقًا؛ إذ لم يُعرف عن أئمة الحديث المتقدمين، ولا عن صاحبي الصحيحين نفسيهما، تقرير مثل هذا الأصل.
فالإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج لم يلتزما استيعاب جميع الصحيح، بل صرّحا بخلاف ذلك. فقد تقرر في منهجهما أنهما انتقيا من الصحيح ما رأياه مناسبًا لشروط كتابيهما، مع علمهما بوجود أحاديث صحيحة كثيرة خارج الصحيحين. بل جاء عن البخاري قوله: “ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحيح أكثر”
ومن الشواهد المهمة على ذلك: أن الإمام محمد بن عيسى الترمذي كان يسأل البخاري عن أحاديث، فيصححها، مع أنها ليست في “صحيحه”، ولا في “صحيح مسلم”. وهذا يدل دلالة واضحة على أن دائرة الصحيح أوسع من دائرة ما أُخرج في الصحيحين.
ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما صنّفه الأئمة بعدهما من كتبٍ التزم أصحابها إخراج الصحيح – بحسب اجتهادهم – مثل كتاب صحيح ابن خزيمة، وكتاب صحيح ابن حبان، وهما شاهدان عمليان على أن الصحيح لم يُحصر في الصحيحين.
بل إن الإمام الحاكم النيسابوري تنبّه لهذه القضية حين أُثيرت في زمنه من قبل مَن لا يُحسن هذا العلم، فجمع الأحاديث التي هي على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما في كتابه المستدرك على الصحيحين، مستدركًا بذلك ما فاتهما – بحسب اجتهاده – ومؤكدًا سعة دائرة الصحيح.
إن خطورة هذا القول لا تقف عند حدّ الخطأ المنهجي، بل تتعداه إلى آثارٍ علميةٍ جسيمة؛ إذ يترتب عليه ردّ طائفة كبيرة من الأحاديث التي بُنيت عليها أحكام فقهية ومسائل عقدية، وهي ثابتة عند أئمة هذا الشأن، وإن لم تُخرّج في الصحيحين.
ومن هنا، فإن الميزان في مثل هذه المسائل الدقيقة لا يكون بالآراء المعاصرة – مهما بلغ أصحابها من التحقيق والفضل – بل بالرجوع إلى نقاد الحديث المتقدمين، الذين استقرّ عندهم علم العلل، ودقائق التصحيح والتضعيف، وهم العمدة في هذا الباب.
ولا ريب أن الدكتور بشار عواد معروف محققٌ معتبر، وله جهود علمية مشهودة، لكن مسائل العلل والمصطلح الدقيق لها أهلها من المتقدمين، وكلامهم فيها هو الأصل الذي يُرجع إليه، ويُوزن به غيره.
يذكر أنه قال ذلك في معرض إنكار أحاديث المهدي، التي بلغت نحو خمسين حديثًا، حتى حكم جماعة من أهل العلم ببلوغها حد التواتر، كما قرره السخاوي، والكتاني، والشوكاني، والسفاريني، وصديق حسن خان، وابن باز، فضلًا عن تصحيح أحاديث المهدي عند جمع من المتقدمين والمتأخرين غير هؤلاء!
وخلاصة القول: إن الصحيحين ذروة ما صُنّف في الحديث الصحيح، لكنهما ليسا حدًّا جامعًا له، ولا يصح جعل ما لم يرد فيهما في حكم الضعيف بإطلاق. بل الصواب هو ما عليه أهل الحديث: أن الصحيح يُعرف بشروطه وقواعده، لا بمجرد كونه داخل كتابٍ بعينه أو خارجه.
وهذا بابٌ يحتاج دائمًا إلى قدرٍ من التؤدة، وإنصافٍ في النقل، وتعظيمٍ لمنهج الأئمة، حتى لا ننقض – من حيث لا نشعر – ما بناه أولئك الأعلام عبر قرونٍ من التحقيق والتدقيق.

