العَجَلَة
من طبائع الإنسان التي أخبر الله عنها أنه خُلق عجولًا، يريد النتائج
قبل أسبابها، والثمرة قبل غرسها، والفرج قبل أوانه، ولذلك جاءت الشريعة لتربي المسلم
على خلقٍ عظيم هو التأني، وتحفظه من آفة العجلة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ
مِنَ الشَّيْطَانِ»، وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ
كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:
35]. وإذا كان هذا الخطاب موجَّهًا إلى خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى
أن يحتاج إليه كل واحد منا.
التأني خلق الأنبياء:
من أعظم المواقف التي تجلّى فيها صبر النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع
له في الطائف، حين لقي من الأذى والرفض ما لم يلقه في غيره، حتى قال لعائشة رضي الله
عنها إن ذلك كان أشد عليه من يوم أحد. ومع هذا كله، لم يدعُ على قومه بالهلاك، ولم
يستعجل العقوبة لهم، بل اختار الرحمة، ورجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده.
إنها صورة عملية للتأني، والثقة بوعد الله، وعدم استعجال النتائج.
ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس بقوله: «إن
فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْم والأَناة».
ليست كل عجلة مذمومة:
العجلة ليست مذمومة بإطلاق، بل منها مذموم ومنها ما هو محمود، وهو المبادرة
إلى الطاعات والخيرات، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ﴾، وقال موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة»،
فالمؤمن لا يؤخر التوبة، ولا يؤجل الصدقة، ولا يسوّف في الصلاة، لأن العمر قصير، والفرصة
قد لا تتكرر.
صور من العجلة المذمومة:
من أخطر صور العجلة التي حذر منها الشرع:
- الدعاء على النفس أو الأولاد أو المال عند الغضب، فقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا
تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا
تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ»، أي:
توافق دعوة ساعة إجابة فيندم الإنسان حيث لا ينفع الندم.
- استعجال إجابة الدعاء، فيقول: دعوت فلم يُستجب لي، مع أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: « يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ».
- العجلة في الصلاة، فينقرها نقرًا، ولا يتم ركوعها ولا سجودها، ففي
الصحيحين: «أنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسجِدَ فصَلَّى، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم في ناحيةِ المَسجِدِ، فجاءَ فسَلَّمَ عليه، فقال له: ارجِعْ فصَلِّ
فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، فرَجَعَ فصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ، فقال: وعليك، ارجِعْ فصَلِّ
فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، قال في الثَّالِثةِ: فأعلِمْني، قال: إذا قُمتَ إلى
الصَّلاةِ فأسبِغِ الوُضوءَ، ثُمَّ استَقبِلِ القِبلةَ، فكَبِّرْ واقرَأْ بما
تَيَسَّرَ معكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ اركَعْ حتَّى تَطمَئِنَّ راكِعًا، ثُمَّ
ارفَعْ رَأسَكَ حتَّى تَعتَدِلَ قائِمًا، ثُمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمَئِنَّ ساجِدًا،
ثُمَّ ارفَعْ حتَّى تَستَويَ وتَطمَئِنَّ جالِسًا، ثُمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمَئِنَّ
ساجِدًا، ثُمَّ ارفَعْ حتَّى تَستَويَ قائِمًا، ثُمَّ افعَلْ ذلك في صَلاتِكَ
كُلِّها».
- التسرع في الحكم على الناس، وسوء الظن بهم دون بينة، والله تعالى يقول:
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
العجلة في واقعنا:
ولعل من أبرز صور العجلة في زماننا:
- التسرع في الطلاق عند أول خلاف، ثم الندم بعد فوات الأوان.
- التهور في القيادة، واستعجال الوصول، فيكون الثمن أرواحًا وأموالًا.
- استعجال الثراء؛ فيلجأ بعض الناس إلى الربا أو الغش أو الرشوة أو سائر
المحرمات، ظنًا أن الرزق يتأخر إن سلك الطريق الحلال.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرزق مقدر لا يفوت صاحبه، فقال:
«إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ
أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا
يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ
تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ».
وقفة
ليس التأني ضعفًا، ولا البطء عجزًا، وإنما هو ثمرة الحكمة، وثقة العبد
بربه، ويقينه أن لكل أمرٍ أجلًا، وأن ما قُدِّر له سيأتيه في وقته، فلا يفسده بالعجلة.
فإذا هممت بأمر، فتأنَّ، وإذا غضبت فاصبر، وإذا دعوت فأحسن الظن بربك،
وإذا طلبت الرزق فاطلبه من بابه الحلال، فإن ما عند الله لا يُنال بمعصيته، ومن استعجل
الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه.

