أين ذهبت خطب النبي ﷺ؟
يُثير بعض الطاعنين في السنة النبوية، والمشككين في الدين، سؤالًا يظنون
أنه إشكال علمي، وهو: أين ذهبت خطب النبي ﷺ؟ ويجعلون من هذا السؤال مطعنًا في حفظ السنة
ونَقَلَةِ الآثار، مع أن هذه الشبهة ناشئة من الجهل بطبيعة الخطبة النبوية، ومنهج الصحابة
في رواية السنة ونقلها.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أولًا: أن خطب النبي ﷺ كانت في غالبها قصيرة.
فلم يكن من هديه ﷺ الإطالة في الخطبة، بل كان يقصد البلاغ والإيجاز، كما
قال: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه»؛ فكانت خطبه كلمات جامعة، قليلة
الألفاظ، عظيمة المعاني.
ثانيًا: أن كثيرًا من خطب النبي ﷺ قد نُقل
إلينا.
ففي كتب السنة عشرات الروايات التي يقول فيها الصحابي: «خطبنا رسول الله
ﷺ»، أو: «قال رسول الله ﷺ وهو على المنبر»، ثم يذكر الخطبة أو جانبًا منها، وهذا يدل
على أن الصحابة حفظوا خطب النبي ﷺ ونقلوا منها ما سمعوه.
ثالثًا: أن الصحابة لم يكن قصدهم تدوين الخطب
كوحدات مستقلة كما تُوزع الخطب اليوم في ورقة [A4] !!
فلم يكن من منهجهم أن يقولوا: هذه خطبة الجمعة كاملة، ثم ينقلوها من أولها
إلى آخرها نصاً في ورقة، وإنما كانوا ينقلون ما يحتاج إليه المسلمون من الأحكام والمواعظ
والوصايا، ولهذا قد يروي صحابي جزءًا من الخطبة، ويروي صحابي آخر بقية ما فيها، ويذكر
ثالث سببها أو المناسبة التي قيلت فيها، فتتوزع ألفاظ الخطبة بين الروايات.
وهذا أمر معروف في نقل الأخبار، ويشبه من يحضر محاضرة علمية، ثم ينقل
كل حاضر أهم ما استفاد، دون أن يلتزم أحد بنقل المحاضرة كاملة بحروفها.
رابعًا: أن كثيرًا من الأحاديث التي نقرؤها
اليوم إنما سُمعت في خطب الجمعة، لكن الصحابي لم يكن ملزمًا في كل رواية أن
يذكر مكان سماعه للحديث، وإنما المقصود نقل كلام النبي ﷺ، ولذلك قد يروي الحديث مجردًا
من ذكر أنه قيل في خطبة، مع أنه في الأصل جزء منها.
خامسًا: أن القرآن الكريم كان يمثل جانبًا
كبيرًا من خطب النبي ﷺ.
فقد كان ﷺ يكثر من تلاوة القرآن في خطبه؛ لأن الحاضرين كانوا عربًا فصحاء
يفهمون معاني القرآن وأساليبه، فلا يحتاجون إلى الشروح المطولة التي يحتاجها الناس
اليوم، وقد ثبت أنه ﷺ كان يخطب بسورة {ق} فقط، مما يدل على أن القرآن كان محورًا رئيسًا
في كثير من خطبه.
سادسًا: أن خطب النبي ﷺ لم تكن كلها جديدة
في موضوعاتها.
فقد كان ﷺ يكرر الوصايا العظيمة نفسها والآيات الجامعة في مناسبات كثيرة؛
كالأمر بتقوى الله، والحث على التمسك بالقرآن، وذكر الموت، والتحذير من البدع والمعاصي،
وغير ذلك، فمن حفظ حديثًا في التقوى، أو وصية في الاعتصام بالسنة، فقد يكون هذا المعنى
قد تكرر في عشرات الخطب، فلا حاجة إلى إعادة نقل الكلام نفسه في كل مرة.
ففي تصور هذا المتشكك أن الخطب التي خطبها النبي ﷺ كانت أكثر من 500
موضوع مختلف، وهذا تصور فاسد.
سابعًا: أن خطبة الجمعة ليست المصدر الوحيد
للتشريع.
ولو فرضنا -جدلًا- أن بعض الخطب لم تُنقل كاملة، فلا يترتب على ذلك ضياع
شيء من الدين؛ لأن الشريعة لم تُؤخذ من خطبة الجمعة وحدها، وإنما نُقلت من خلال القرآن من خلال أسفاره، ومجالسه، ومن بيته، ومن جميع أقوال النبي ﷺ وأفعاله وإقراراته، فالدين محفوظ
بحفظ السنة كلها، لا بحفظ الخطب على هيئة مستقلة.
ثامنًا: أن هذه الدعوى لو كانت صحيحة للزمت
جميع الأمم.
فإذا كان عدم حفظ جميع الخطب مطعنًا، فأين خُطب موسى عليه السلام؟ وأين
خُطب عيسى عليه السلام؟ وأين جميع خطب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم؟
بل حتى كبار الفلاسفة والعلماء لم تُحفظ جميع محاضراتهم وخطبهم، وإنما حفظ الناسُ أهمَّ
أقوالهم وآثارهم، ولم يقل أحد إن ذلك يقدح في تاريخهم أو في ثبوت علمهم.
فكيف يُجعل هذا الأمر مطعنًا في السنة النبوية وحدها؟!
ومع ذلك .. فمن أراد الوقوف على ما وصل إلينا من خطب النبي ﷺ مجموعةً في كتاب واحد،
فليرجع إلى كتاب «خطب الرسول ﷺ أكثر من 574 خطبة من كنوز الدرر وجوامع الكلم»، جمعها
وخرجها محمد بن خليل الخطيب [صدر عن: دار الفضيلة] فقد بذل فيه جهدًا مشكورًا في استقراء
كتب السنة وجمع ما تفرق فيها من الخطب النبوية.
* * *
وخلاصة الأمر .. أن
السؤال: «أين ذهبت خطب النبي ﷺ؟» سؤال مبني على تصور غير صحيح؛ إذ يَفترض أن الصحابة
كانوا ينقلون الخطب كاملةً كما تُكتب الخطب في عصرنا، بينما كان منهجهم هو نقل السنة
نفسها، سواء قيلت في خطبة، أو في مجلس، أو في سفر، أو في حادثة معينة، ولذلك لم تضِع
خطب النبي ﷺ، وإنما تفرقت في دواوين السنة بحسب منهج المحدثين في التصنيف، ثم جمعها
العلماء في مصنفات مستقلة، وبقي الدين محفوظًا كما وعد الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.



