الأربعاء، 10 يونيو 2026

شرح البيقونية (22) الحديث المقلوب

 

المقلوب

21 - ........................... والَمقْلُوبُ قِسْمَانِ تَلا

22 - إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قِسْمُ … وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْمُ

يُعَدُّ هذا المبحث من الأنواع التي اعتنى بها المحدثون لكشف الأوهام والأخطاء التي تطرأ على الروايات، لما قد يترتب عليه من تغيير في الحكم على الحديث، وقد ذكر العلماء له صوراً متعددة، أشهرها: قلب الرواة، وقلب الإسناد للمتن، والقلب في المتن، ولكل صورة أمثلتها وأحكامها الخاصة.

المقلوب: هو الحديث الذي وقع تغيير في سنده أو متنه بإبدال لفظ بآخر، أو بتقديم وتأخير، ونحو ذلك.

ذكر الناظم أنه على قسمين:

1- قلب الرواة، وهو معنى قول الناظم: (إبدال راوٍ ما براوٍ)، مثاله:

كما لو قَلَبَ حديثاً عن: "عبد الله بن عمر العمري"، فيرويه عن: "عبيد الله بن عمر العمري"!

أو أن يقدم ويؤخر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه؛ "معاذ بن سعد"، بدل: "سعد بن معاذ"، أو: "مرة بن كعب"، بدل: "كعب بن مرة".

فإن كان الاسم لراوٍ واحدٍ لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه، أما إن كان صيَّره بالقلب رجلاً آخر، فلا يشكل على صحة الحديث إذا كانا ثقتين، أو ضَعْف الحديث إذا كانا ضعيفين، إنما يُشكل لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً كما في الأخوينِ في المثال السابق: (عبد الله: ضعيف، عبيد الله: ثقة) ، ويُعل بذلك الإسناد، فيكون الوصف بالقلب بسبب خطأ الراوي حكماً على الحديث بالضعف[1].

2- قلب الإسناد: وهو قول الناظم: (وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْمُ)، أي: أن يجعل الراوي متن هذا الحديث على إسناد آخر، ويجعل إسناده لمتن آخر.

مثاله: قال ابن أبي حاتم: "بلغني أن في كتاب الحسين: عن الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله؛ في قوله: {....}، وعلى أثره: الثوري، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم محشورون …فَدَخَلَ لعُمر بن شبّة إسناد حديث الأول، في متن حديث الثاني".

مثال آخر: ما أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير"[2]، وابن عدي في "الكامل"[3]، من حديث: أحمد بن خليد، عن يوسف بن يونس الأفطس -أخو أبي مسلم المستملي-، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت رَسُول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من عبيده، فيوقف بين يديه، فيسأله عن ‌جاهه كما يسأله عن ماله".

قال الطبراني: "لم يروه عن عبد الله بن دينار إلا سليمان بن بلال تفرد به يوسف بن يونس".

وقال ابن حبان عن يوسف بن يونس الأفطس: "يروي عن سليمان بن بلال ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد"، ثم أورد هذا الحديث من مناكيره، فقال عَقِبه: "وهذا لا أصل له من كلام النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

ولكن الدارقطني والخطيب البغدادي وثَّقا يوسف الأفطس ورجال الإسناد كلهم، وللحديث علة تفطن لها الدارقطني، فقال: "حدثني الحسن بن أحمد بن صالح الحافظ الحلبي أن هذا الحديث كان في كتاب أحمد بن خليد عن يوسف بن يونس [الأفطس]، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وقد دَرَسَ مَتْنُه، ودَرَسَ [أيضاً] إسناد الحديث الذي بعده، وبعدهُ هذا الكلام ، ‌فكتبه ‌بعض ‌الورَّاقين ‌عنه، ‌وألزق إسناد حديث سليمان بن بلال إلى هذا المتن" .

بهذا الشكل: [أحمد بن خليد عن يوسف بن يونس الأفطس، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت رَسُول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول ... [لا يوجد حديث] ...، ..... [لا يوجد إسناد] ..... إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من عبيده، فيوقف بين يديه، فيسأله عن ‌جاهه كما يسأله عن ماله]، فحذف الناسخُ (الورَّاق) الفراغات، وألصق الإسناد بالمتن الذي بعده.

يعني: أن الحديث [المتن] الذي رواه يوسف الأفطس بإسناده قد انمحى فلا يُعرف، كما أن إسناد الحديث الذي بعده قد انمحى فلا يُعرف.

فالخلاصة: أن هذا الحديث لا يُعرف إسناده -أعني: لا أصل له-، وأما الإسناد المذكور فليس لهذا الحديث كما بَـيـَّنَ الدارقطني.

3- قلب في المتن: وهذا النوع لم يذكره الناظم، أي: أن يقدم الراوي ويؤخر في بعض متن الحديث، ومثاله: حديث أبي هريرة عند مسلم، في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيه: "ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله": فهذا مما انقلب على بعض الرواة، وإنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".

تتمة: ويدخل في القلب ما يعرف بـــ :

أ- سرقة الحديث: بقصد الإغراب: كحديث مشهور عن "سالم عن ابن عمر"، فيجعله الراوي عمداً عن "نافع عن ابن عمر"، وممن كان يفعل ذلك من الرواة: "حماد بن عمرو النصيبي" ومثاله: حديث رواه حماد النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام".

فهذا حديث مقلوب؛ قلبه حماد النصيبي، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم في صحيحه.

مثال آخر: معاوية بن يحيى الصدفي أبو روح الدمشقي، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، قال عنه الساجي: ضعيف الحديث جدا، وكان اشترى كتابا للزهري من السوق فرواه عن الزهري!

مثال آخر: ما جاء في ترجمة أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، في "الكامل" لابن عدي، قال ابن عدي:

حدث عن الثقات بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث، حَدَّثَنَا مُحَمد بن عبدة بن حرب، حَدَّثَنا أحمد بن معاوية الباهلي، حَدَّثَنا ابن عياش، عن صفوان بن عَمْرو عن عَبد الرحمن بن جُبَير بن نفير عن كثير بن مرة الحضرمي، عن عَبد الله بن عَمْرو، قَال: قَال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، فمنزلي ومنزل إبراهيم يوم القيامة في الجنة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن بين خليلين.

قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بعبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش، وأحمد بن معاوية هذا سرقه من عَبد الوهاب

وسرقة الحديث قدح شديد في العدالة، يسقط الاعتداد بجميع رواية الموصوف بذلك.

ب- أو بقصد الاختبار: كما فعل أهل بغداد مع الإمام البخاري؛ إذ قلبوا له مائة حديث، وسألوه عنها امتحانا واختباراً لحفظه، فردها على ما كانت عليه قبل القلب، ولم يخطئ في واحد منها، فأذعنوا له بالحفظ.

إذاً فالأسباب الحاملة على القلب متنوعة:

أ- قصد الإغراب؛ ليرغب الناس في رواية حديثه، والأخذ عنه وهذا يعتبر جرحاً.

ب- قصد الامتحان، والتأكد من حفظ المحدِّث، وتمام ضبطه، ويشترط بيان الحقيقة في ذاك المجلس.

ج- الوقوع في الخطأ والغلط من غير قصد، والخطأ لا يسلم منه أحد حتى الثقات، لكن إذا كثر من الراوي كان جرحا.

وخلاصة القول: أن المقلوب من أنواع الحديث التي تدل على دقة المحدثين في نقد الروايات وتمحيصها، ومعرفة هذا النوع من أهم وسائل التمييز بين الروايات الصحيحة والمعلولة، وحفظ السنة النبوية من التحريف والوهم.


[1] تحرير علوم الحديث (2/ 1004).

[2] المعجم الصغير للطبراني (1/ 33) برقم: (18)

[3] الكامل في ضعفاء الرجال (8/ 514).

الاثنين، 8 يونيو 2026

شرح البيقونية (21) الحديث الشاذ

 

الشَّاذّ

21 - وما يخالف ثِقَةٌ بِهِ الَملا // فالشاذُّ .......................

يُعدُّ مبحث الحديث الشاذ من أدق أبواب علم الحديث؛ إذ لا يكفي في قبول الرواية عدالة الراوي وضبطه فقط، بل لا بد من سلامتها من مخالفة من هو أولى منه حفظًا أو عددًا، وقد اعتنى المحدثون بهذا الباب لتمييز الروايات المحفوظة من الشاذة؛ صيانةً للسنة النبوية، وإعمالًا لقواعد النقد والترجيح بين المرويات.

قوله: (وما يخالف ثقة به الملا) يعني: أن يخالف الراوي الثقةُ (الملأَ) أي: الجماعةَ من الثقات، أو مَن هو أوثق منه كما سيأتي.

تعريف الحديث الشاذ: هو ما رواه المقبولُ مخالفاً لمن هو أولى منه.

والمقبول هو: الراوي العدل الذي تمَّ ضبطُه، أو العدل الذي خفَّ ضبطُه.

والذي هو أولى منه: إما أن يكون راو أوثق منه، أو ثقتان فأكثر يُقدَّمون عليه بسبب كثرة العدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات.

فالمرجوح يقال له: "الشاذ"، والراجح يقال له: "المحفوظ".

قال الشافعي: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نَصٍّ، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم"، فقيّد الشاذ بقيدين: قيد المخالفة، وقيد الثقة.

إذاً هذا النوع يختص بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو المقبول لمن هو أولى منه، أما إذا خالف الضعيفُ الثقةَ، فالمعتمَد هو حديث الثقة بلا شك، ويسمى: "المعروف"، وأما حديث الضعيف فيسمى: "منكر"، وليس هذا مبحثه.

مكان الشذوذ:

1- إما في الإسناد: مثاله حديث: حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"[1].

حماد بن سلمة ثقة، لكنه تفرد بوصل هذا الحديث، قال أبو زرعة الرازي: "لا أعلم أحداً تابع حماداً على هذا"؛ فخالفه حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، فقالوا: عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث.

وهذه رواية مرسلة، و(حماد بن زيد، وابن عُلية، وعبد الوهاب)، كل واحد منهم أوثق من حماد بن سلمة، فكيف بهم مجتمعين؟!

لذلك حكم جماعة من الحفاظ بترجيح روايتهم المرسلة، إذاً رواية الجماعة (محفوظة) ورواية حماد بن سلمة (شاذة)[2].

2- أو في المتن: مثاله حديث: عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ"[3].

هذه رواية شاذة؛ عبد الواحد يخطئ في حديثه عن الأعمش، أما بقية الثقات إنما رووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قول.

أخرج البيهقي الرواية المحفوظة بإسناده من رواية: محمد بن إبراهيم، عن أبي صالح السمان قال: سمعت أبا هريرة يحدث مروان بن الحكم وهو على المدينة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين ركعتيه من الفجر وبين الصبح بضجعة على شقه الأيمن".

قال البيهقي: "وهذا أولى أن يكون محفوظا؛ لموافقته سائر الروايات عن عائشة[4] وابن عباس[5]"[6].

وخلاصة القول: إن الحديث الشاذ من المباحث الدقيقة التي تُظهر عمق منهج المحدثين في نقد الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؛ إذ لم يكتفوا بعدالة الراوي وضبطه، بل نظروا في موافقته لمن هو أولى منه، وبمعرفة الشذوذ تتبين الروايات المحفوظة من المرجوحة، ويتجلى جانب من عناية الأئمة البالغة بحفظ السنة النبوية وصيانتها من الخطأ والوهم.



[1] أخرجه أحمد (6/ 144) والدارمي (2127) وأبو داود (2134) والترمذي في " الجامع " (1140) و " العلل " (1/ 448) والنسائي (3943) وابن ماجة (1971)

[2] انظر: تحرير علوم الحديث (2/ 1019).

[3] سنن أبي داود (2/ 443 ت الأرنؤوط): 1261، سنن الترمذي (1/ 474): 422.

[4] البخاري (1161)، ومسلم (743/ 133).

[5] السنن الكبير للبيهقي (5/ 470 ت التركي): 4949.

[6] السنن الكبير للبيهقي (5/ 472 ت التركي).

الجمعة، 5 يونيو 2026

الدَّين .. همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار

 

الدَّين .. همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار

من أعظم ما ابتلي به الناس في هذا الزمن المعاصرة: التوسع في الدَّين بغير حاجة، أو التساهل في حقوق الناس المالية؛ فالدَّين ليس مجرد التزام مالي، بل عبء نفسي، وهمٌّ ملازم، ومسؤولية شرعية عظيمة قد تمتد آثارها إلى ما بعد الموت.

فكم من إنسان أثقل كاهله الدَّين، فأفسد راحته، وأشغل قلبه، وأثر في عبادته وعلاقاته، حتى صار أسيرًا لهمِّ السداد والخوف من المطالبة، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر الاستعاذة منه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».

لماذا كان الشرع شديدًا في أمر الدَّين؟!

جاءت النصوص الشرعية محذرة من التساهل في الديون؛ لأنها حقوق للعباد مبنية على الـمُشاحَّة، ولذلك عظّم الإسلام شأنها، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».

وثبت أن النبي ﷺ امتنع أول الأمر عن الصلاة على بعض المدينين حتى يتحمل أحدٌ سداد ديونهم، كما في قصة أبي قتادة رضي الله عنه؛ وذلك زجرًا للأمة عن الاستهانة بحقوق الناس.

قال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه كُنَّا جُلوسًا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ أُتيَ بجَنازةٍ، ... فقالوا: صَلِّ عليها، قال: هل تَرَكَ شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دَينٌ؟ قالوا: ثَلاثةُ دَنانيرَ، قال: صَلُّوا على صاحِبِكُم، قال أبو قَتادةَ: صَلِّ عليه يا رَسولَ اللهِ، وعليَّ دَينُه، فصَلَّى عليه.

وفي حديث سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لأهل رجلٍ مات وعليه دَين: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي مَاتَ فِيكُمْ قَدِ احْتَبَسَ عَنِ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ».

بل حتى منزلة الشهيد العظيمة لم تسقط الدَّين عنه، ففي صحيح مسلم: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ».

أنَّ رجلًا جاء إلى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: ما لِـيَ يا رسولَ اللهِ إن قُتِلْتُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «الْجَنَّةُ» فلمَّا وَلَّى قال: «إِلَّا الدَّيْنَ، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفًا».

كيف يتعامل المسلم مع الدَّين؟

الأصل أن المسلم لا يدخل في الدَّين إلا لحاجة، فإذا استدان وجب عليه أن يعزم على الوفاء، ويسارع في السداد، ويحذر من المماطلة والتسويف، قال ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ».

وفي المقابل، مَن صدقت نيته في السداد أعانه الله ووفقه أو يقضى حق صاحب الدين في الآخرة، قال ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّهُ».

(أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ) أي: يسَّرَ اللهُ له ذلك بإعانته وتوسيع رزقه، ومَن نوى الوفاء ومات قبله لعسر أو فجأة لا يأخذ رَبُّ العالمين من حسناته في الآخرة، بل يُرضى اللهُ صاحبَ الدَّين، (وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا) أتلف اللهُ أموالَه فِي الدُّنْيَا بِكَثْرَة المحن والمغارم والمصائب ومحق الْبركَة، وَفِي الْآخِرَة بِالْعَذَابِ[1].

ومن أعظم ما يُستعان به بعد الأخذ بالأسباب الدعاء، ومن الأدعية العظيمة في هذا الباب ما علّمه النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».

ماذا لو مات الإنسان وعليه دَين؟

إذا مات المسلم وعليه حقوق للناس، فإن الديون تُقضى من تركته قبل توزيع الميراث؛ لأن حق الغرماء مقدم على حق الورثة، فإن كانت له تركة، سُددت منها جميع الديون.

أما إذا لم يترك مالًا، أو كانت التركة لا تكفي، فلا يجب على الورثة السداد من أموالهم الخاصة، لكن يستحب لهم ذلك، وهو من أعظم البر بالميت؛ لأن ذمته تبقى مشغولة بالدَّين حتى يُقضى عنه، كما يمكن للورثة أن يتعاونوا في السداد، ولو على دفعات وأقساط بحسب قدرتهم، إبراءً لذمة الميت وإحسانًا إليه بعد موته.

وأما مَن مات وعليه دين كان ينوي سداده، ولم يترك مالاً، ولم يسدد عنه الورثة، فإن الله تعالى بمنّه وكرمه يُرضي غريمَه يوم القيامة كما مرَّ في الحديث السابق.

إذاً .. فالدَّين ليس أمرًا هيّنًا كما يتصوره كثير من الناس، بل هو باب يحتاج إلى فقهٍ وحذرٍ وحسن تقدير، والمؤمن العاقل لا يجعل نفسه أسيرًا للديون، ولا يستخف بحقوق الناس، بل يوازن بين حاجته وقدرته، ويجعل السداد والوفاء من أولوياته، فكم من دَينٍ بدأ يسيرًا، ثم تحول إلى همٍّ دائم، وكم من وفاءٍ بالحقوق كان سببًا في راحة القلب وبركة الحياة.



[1] فيض القدير (6/ 41)

الخميس، 4 يونيو 2026

أعظم ما أُعطي أهل الجنة

 

أعظم ما أُعطي أهل الجنة

من أعظم النعيم الذي وعد الله به عباده المؤمنين في الدار الآخرة: التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، وهي عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، تلقَّتها الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل، وعدَّها أهل السنة من مسائل الاعتقاد الظاهرة التي تواترت بها النصوص، حتى قال العلماء: إن أدلتها بلغت حدَّ التواتر اللفظي والمعنوي الذي لا يدع مجالًا للشك أو التردد.

فالآيات صريحة الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى لا تقبل تحريفا ولا تأويلا ولا يردها إلا مكابر قد ختم الله على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله.

دلالة القرآن الكريم على رؤية الله تعالى:

قال تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [الْقِيَامَةِ: 23-24].

فهذه الآية من أوضح ما استدل به أهل السنة؛ إذ أخبر الله عن وجوه أهل الإيمان أنها ناضرة مشرقة حسنة، ثم بيَّن سبب هذا النعيم والبهاء بقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.

وقال تعالى: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يُونُسَ: 26].

وقد جاء تفسير هذه الزيادة في السنة الصحيحة، قال رسول الله ﷺ: «الزيادةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللهِ» وأصله عند مسلم.

الأحاديث المتواترة في إثبات الرؤية:

وقد تواترت الأحاديث بمعنى ما تضمنته هذه الآيات رواها أئمة السنة والحديث في دواوين الإسلام عن فضلاء الصحابة وأجلائهم.

ففي الصحيحين عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ ‌سَتَرَوْنَ ‌رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا".

وفيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ ‌نَرَى ‌رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ"** قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ".

ولهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ ‌نَرَى ‌رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ تبارك وتعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا".

وفي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ يَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}.

والتشبيه في هذه الأحاديث إنما هو في وضوح الرؤية وعدم المزاحمة فيها، لا في تشبيه الله تعالى بخلقه، تعالى الله عن ذلك.

إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين:

وثبت الإيمان بالرؤية عن الصحابة مثل: أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وفضالة بن عبيد، وغيرهم.

وعن التابعين قال: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، في قوله: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} أنها النظر إلى الله تبارك وتعالى.

وهذا الانتشار الواسع للنقول عن الصحابة والتابعين يدل على أن المسألة كانت معلومة مشهورة بينهم، لا خلاف فيها عند أهل القرون المفضلة.

وهي عقيدة أئمة الإسلام:

قال مالك بن أنس الإمام رحمه الله تعالى: "الناس ينظرون إلى ربهم عز وجل يوم القيامة بأعينهم".

وقال سفيان بن عيينة: "مَن لم يقل إن القرآن كلام الله، وأن الله يُرى في الجنة فهو: جَهَمي"، وذكر عنه ابن أبي حاتم أنه قال: "لا يُصلَّى خلف الجهمي".

والجهمي الذي يقول: "لا يَرى ربه يوم القيامة"، نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي نشر هذه العقيدة الخبيثة.

وقال الربيع بن سليمان: حضرتُ محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها سؤال: ما تقول في قول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}

فقال الشافعي: "لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا".

قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: "نعم وبه أدين الله، ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل".

وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وذكر له عن رجلٍ شيء في الرؤية، فغضب وقال: "من قال إن الله لا يرى فهو كافر".

ومن أجمع ما قيل في الاحتجاج لأحاديث الرؤية ما جاء عن إسحاق بن راهويه: قال له عبد الله بن طاهر أمير خراسان: يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي يروونها في النزول والرؤية ما هُنَّ؟!

فقال: "رواها مَن روى الطهارة والغُسل والصلاة والأحكام، فإن يكونوا في هذه عدولا وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع!".

فقال ابن طاهر: "شفاك الله كما شفيتني".

فهذا كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة، وهذه أقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الهدى، كلها مجتمعة على أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى في الجنة، ويتلذذون بالنظر إلى وجهه الكريم، وذلك غاية النعيم، وأعلى الكرامات، وأفضل فضيلة.

ولذلك كان النظر إلى وجه الله الكريم أعظم من كل نعيم الجنة؛ إذ يذهل أهل الجنة بالنظر إليه عن كل ما هم فيه من النعيم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من أهل رضوانه، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم والشوق إلى لقائه.

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

شرح البيقونية (20) الحديث الـمُدَلَّس

 

الـمُدلَّس

18 - ..........................  … وما أتى مُدلساً نَوعانِ

19 - الأَوَّلُ: الإسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ … ينقلُ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِعَنْ وَأَنْ

20 - والثَّانِ: لَا يُسْقِطُهُ لَكِنْ يَصِفْ … أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لَا ينعرف

يكشف هذا الموضوع جهود علماء الحديث، وكيف استطاعوا بدقة عالية رصد أي محاولة لإخفاء العيوب في سلاسل الرواة، وتكمن أهمية هذا المبحث في حماية السنة النبوية، والتأكد من أن كل كلام يُنسب للنبي ﷺ قد وصل إلينا بأعلى درجات الصدق والأمانة، دون أي غموض أو تمويه.

الـمُدلَّس: في اللغة: مأخوذة من الدلَس -بفتح اللام-، وهو: اختلاط الظلام بالنور. 

وفي الاصطلاح: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره.

ويأتي على عدة صور، ذكر الناظم منها صورتين:

تدليس الإسناد:

وهو قول الناظم: (الأَوَّلُ: الاسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ … ينقلُ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِـــــــ: عَنْ، وَأَنْ)

وهو: أن يروي الراوي عن شيخٍ قد سمع منه بعض الأحاديث، لكن الحديث هذا الذي دلسه لم يسمعه منه، وإنما سمعه من شيخ آخر عنه، فيُسقط ذلك الشيخ، ويرويه عن الشيخ الأول بلفظ محتمل للسماع، كـ "قال" أو "عن" ليوهم غيره أنه سمعه منه، لكنه لا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: "سمعت" أو "حدثني"؛ حتى لا يصير كذابا بذلك.

مثاله: أخرجه أحمد في "المسند"[1]، والترمذي في "سننه"[2]، من حديث: أبي الزبير المكي، عن جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام كل ليلة حتى يقرأ ألم تنزيل الكتاب، وتبارك الملك".

أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، إلا أنه يدلس[3]، ويقع في المرتبة الثالثة من المدلسين عند ابن حجر، وهُم مَن أكثروا من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع[4]، وقد عنعن في هذا الحديث ولم يصرح بالسماع.

قال أبو خيثمة زهير بن معاوية: "قلت لأبي الزبير: أسمعتَ من جابر يذكر هذا الحديث؟! فقال أبو الزبير: ليس جابر حدثنيه! إنما أخبرنيه: صفوان أو ابن صفوان"[5]، أي عن جابر.

واختلف العلماء في قبول رواية المدلس على أقوال؛ أشهرها قولان، وهما:

أ- رد رواية المدلس مطلقا، وإن بَيَّنَ السماع؛ لأن التدليس نفسه جرح.

ب- التفصيل:

1- إن صرح بالسماع قبلت روايته، أي إن قال: "سمعت" أو نحوها قبل حديثه.

2- وإن لم يصرح بالسماع لم تقبل روايته، أي إن قال: "عن" ونحوها لم يقبل حديثه[6].

وهذا القول هو المعتمد.

الفرق التدليس وبين الإرسال الخفي[7]:

كلا من المدلِّس والمرسِل إرسالا خفيا يروي عن شيخ شيئا لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره، لكن المدلس قد سمع من ذلك الشيخ أحاديث غير التي دلسها، على حين أن المرسل إرسالا خفيا لم يسمع من ذلك الشيخ أبدًا، لا الأحاديث التي أرسلها ولا غيرها، لكنه عاصره أو لقيه[8].

تدليس التسوية:

وهذا النوع لم يذكره الناظم، وهو نوع من أنواع تدليس الإسناد، وصورته: أن يروي الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، وصورة ذلك: أن يروي الراوي حديثا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف، عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، فيسوي الإسناد كله ثقات.

وهذا النوع من التدليس شر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة. وفيه غرر شديد.

وأشهر من كان يفعله:

1- بقية بن الوليد، حتى قيل: "أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية".

2- الوليد بن مسلم.

تدليس الشيوخ:

وهو قول الناظم: (والثَّانِ: لَا يُسْقِطُهُ لَكِنْ يَصِفْ … أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لَا ينعرف)

وهو أن يروي عن شيخٍ حديثاً سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يُعرف به؛ كي لا يُعرف[9].

كأن يقول الراوي: "حدثنا أحمد بن هلال" يريد بذلك: الإمام أحمد بن حنبل، فينسبه إلى جد أبيه.

أو يقول: "حدثنا أبو صالح" يريد به: الإمام أحمد أيضًا، وهو مشهور بأبي عبد الله.

أو يكون الشيخ مشهورا بكونه بغداديا، فينسبه إلى العراق.

أو يصفه بكونه حافظا، وهو لا يعرف بذلك.

قال عبد الله بن أَحمد بن حنبل: سمعت أبي ذكر عطية العوفي، فقال: هو ضعيف الحديث؛ بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بـ "أبي سعيد" فيقول: قال أبو سعيد![10].

قال الكلبي: "كنَّاني عطيةُ: أبو سعيد"[11].

ويفعل الراوي ذلك لأسباب، منها:

1- إما أن يكون شيخه مجروحاً.

2- أو يكون المدلس قد شورِك في الرواية عن ذلك الشيخ مِن قِبَل مَن هم دونه في السن أو العلم أو غير ذلك، فيأنف من مشاركتهم له، ويريد أن يتميز عنهم.

3- أو لكون ذلك الشيخ أصغر سنا من الراوي عنه، فيخجل أن يعرف الناس أنه يأخذ عمن دونه في السنة.

وكلها من مزالق العلم.

تدليس البلدان:

وهذا النوع لم يذكره الناظم، قال ابن حجر: ويلتحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد، كما إذا قال المصري: "حدثني فلان بالأندلس" وأراد: موضعًا بالقرافة.

أو قال: "بزقاق حلب"، وأراد: موضعًا بالقاهرة.

أو قال البغدادي: "حدثني فلان بما وراء النهر"، وأراد: نهر دجلة.

أو قال: "بالرقة"، وأراد: بستانًا على شاطئ دجلة.

أو قال الدمشقي: "حدثني بالكرك"، وأراد: كرك نوح وهو بالقرب من دمشق.

وحُكْمُه: الكراهة؛ لأنه يدخل في باب التَّشَبُّع، وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلا إن كان هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثير فلا كراهة.

يُعرف التدليس بأحد أمرين:

1- إخبار المدلس نفسه -إذا سئل- أنه دلس، كما جرى لابن عيينة.

2- نص إمام من أئمة هذا الشأن؛ بناءً على معرفته ذلك من البحث والتتبع[12].

حكم التدليس:

- أما تدليس الإسناد: فمكروهٌ جدًّا، ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له، فقال فيه أقوالا، منها: "التدليس أخو الكذب".

- وأما تدليس التسوية: فهو أشد كراهة منه، حتى قال العراقي: "إنه قادح فيمن تعمد فعله".

- وأما تدليس الشيوخ: فكراهته أخف من تدليس الإسناد؛ لأن التدليس لم يسقط أحدا، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع، وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه.

أشهر المصنفات في المدلسين:

أ- التبيين لأسماء المدلسين: لبرهان الدين ابن الحلبي جمع فيه (93) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس.

ب- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، للحافظ ابن حجر، جمع فيه (152) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس[13].

ج- التدليس والمدلسون، للشيخ حماد بن محمد الأنصاري، جمع فيه (161) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس.



[1] مسند أحمد (23/ 26 ط الرسالة): 14659.

[2] سنن الترمذي (5/ 17 ت بشار): 2892.

[3] تقريب التهذيب (ص506).

[4] طبقات المدلسين = تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص45).

[5] تاريخ دمشق لابن عساكر (17/ 327).

[6] تيسير مصطلح الحديث (ص103).

[7] المرسل الخفي: أن يروي الراوي عمن لقيه، أو عاصره، ما لم يسمع منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره كـ "قال".

[8] تيسير مصطلح الحديث (ص98)

[9] مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث - ت عتر (ص74).

[10] العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (1/ 548).

[11] تهذيب التهذيب (9/ 173).

[12] تيسير مصطلح الحديث (ص104)

[13] تيسير مصطلح الحديث (ص104)