السبت، 25 يوليو 2026

هل الفصل بين الجنسين تخلف ورجعية ؟!

 

هل الفصل بين الجنسين تخلف ورجعية ؟!

يُقدَّم الفصل بين الجنسين في بعض النقاشات المعاصرة وكأنه ظاهرة خاصة بالمجتمعات العربية والإسلامية، أو أنها مظهر من مظاهر التشدد والتخلف، غير أن النظر في واقع عدد من الدول الغربية "المتقدمة!" يكشف صورة مغايرة؛ فهذه الدول، على الرغم من أن الاختلاط هو الأصل في كثير من مؤسساتها، فإنها لا تتردد في الفصل بين الرجال والنساء في مجالات متعددة متى رأت في ذلك مصلحة تتعلق بالخصوصية أو السلامة أو الكرامة أو طبيعة النشاط.

فمبدأ الفصل في ذاته ليس مستنكرًا لديها على إطلاقه، بل تقبله وتطبقه متى وجدت مبررات عملية لذلك، ونأخذ على ذلك عدة أمثلة:

المواصلات العامة

من أشهر الأمثلة ما في اليابان، حيث توجد في بعض خطوط القطارات عربات مخصصة للنساء خلال ساعات معينة، ولا سيما أوقات الازدحام، وتوضح الجهات المشغلة، ومنها Tokyo Metro وJR East، أن هذه العربات تهدف إلى توفير قدر أكبر من الأمان والطمأنينة للنساء.

وتوجد صور مشابهة في دول أخرى مثل الهند والمكسيك، حيث خُصصت في بعض شبكات النقل عربات أو أقسام للنساء.

فالمثير للاهتمام هنا أن الفصل لم يُنظر إليه باعتباره تمييزًا مذمومًا في ذاته، وإنما وسيلة يمكن استخدامها لمعالجة مشكلة واقعية كالسلامة والتحرش.

التعليم المدرسي

في بريطانيا توجد مدارس للبنين فقط وأخرى للبنات فقط، إلى جانب المدارس المختلطة، وهي جزء معترف به من النظام التعليمي.

وفي أستراليا توجد كذلك مدارس حكومية أحادية الجنس؛ ففي ولاية "نيو ساوث ويلز" على سبيل المثال، تصنف وزارة التعليم رسميًا عددًا من المدارس الثانوية إلى مدارس للبنين وأخرى للبنات.

وهذه الأمثلة مهمة؛ لأنها تتجاوز الفصل المرتبط بالخصوصية الجسدية إلى النموذج التربوي والتعليمي نفسه.

التعليم الجامعي

حتى في التعليم العالي توجد مؤسسات مخصصة للنساء، ففي الولايات المتحدة توجد كليات نسائية عريقة، من أشهرها Wellesley College ومن أشهر الخريجات:

هيلاري كلينتون: وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، والسيدة الأولى السابقة، والمرشحة الرئاسية لعام 2016، ومادلين أولبرايت: أول امرأة تشغل منصب وزيرة الخارجية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

وكلية: Smith College، ومن أشهر الخريجات: "نانسي ريغان" السيدة الأولى السابقة للولايات المتحدة الأمريكية وزوجة الرئيس الأسبق رونالد ريغان.

وقد حافظت هذه المؤسسات على هويتها التعليمية النسائية رغم وجودها في مجتمع يغلب عليه التعليم المختلط.

وفي كوريا الجنوبية تعد Ewha Womans University من أشهر المؤسسات الجامعية المرتبطة تاريخيًا بتعليم النساء، وتمتد جذورها إلى القرن التاسع عشر، ومن أشهر الخريجات:

هان ميونغ سوك: أول امرأة تتولى منصب رئيسة وزراء في تاريخ كوريا الجنوبية.

كيم يون أوك: السيدة الأولى السابقة لكوريا الجنوبية (زوجة الرئيس الأسبق لي ميونغ باك).

إذن فوجود مؤسسة تعليمية تستهدف جنسًا معينًا ليس أمرًا غريبًا تمامًا حتى داخل بعض أكثر المجتمعات الحديثة انفتاحًا على التعليم المختلط.

المستشفيات

ومن الأمثلة المهمة بريطانيا؛ إذ تتبنى هيئة الخدمات الصحية الوطنية NHS مبدأ توفير إقامة للمرضى تراعي الفصل بين الجنسين، وتعد الإقامة المختلطة أمرًا ينبغي تجنبه إلا عندما تقتضي الضرورة الطبية خلاف ذلك.

ويشمل ذلك أماكن النوم والحمامات ومرافق الاستحمام، انطلاقًا من المحافظة على خصوصية المريض وكرامته.

وهذا مثال لافت؛ لأن الفصل هنا لا يقوم على اعتبارات دينية، وإنما على الاعتراف بأن وجود الرجل والمرأة في مكان واحد ليس مناسبًا في جميع الظروف.

الرياضة

أما الرياضة فهي ربما أكبر نموذج عالمي للفصل بين الجنسين، ففي الألعاب الأولمبية وكرة القدم وألعاب القوى والسباحة وغيرها، توجد منافسات للرجال وأخرى للنساء، ويرجع ذلك أساسًا إلى مراعاة الفروق البدنية وتحقيق العدالة في المنافسة، وأن الاعتراف بالفروق بين الجنسين يمكن أن يكون أساسًا لنظام منفصل عندما تستدعي طبيعة المجال ذلك.

السجون ومراكز الاحتجاز

الفصل بين الرجال والنساء هو الأصل كذلك في السجون في معظم دول العالم، بما فيها الدول الغربية، فللنساء سجون أو أقسام مستقلة، كما توجد ترتيبات خاصة بالتفتيش والاستحمام والنوم والرعاية الصحية والأمهات السجينات، ويقوم ذلك على اعتبارات الأمن والخصوصية والاختلاف في الاحتياجات بين السجناء والسجينات.

التفتيش والخصوصية الجسدية

في بعض الإجراءات الأمنية والعقابية توجد قواعد تجعل التفتيش الجسدي بواسطة شخص من الجنس نفسه، ولا سيما عندما يكون التفتيش أكثر تدخلًا في خصوصية الإنسان.

وهذا يعكس مبدأ مهمًا: أن خصوصية الجسد قد تجعل الفصل بين الجنسين أكثر ملاءمة من تطبيق المعاملة الموحدة دون اعتبار للجنس.

السكن والفنادق

ويوجد الفصل أيضًا في بعض صور الإقامة؛ فهناك مساكن طلابية أو غرف وأقسام في النُّزل مخصصة للنساء، كما توجد في بعض الدول الآسيوية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، خدمات إقامة أو مساحات تستهدف النساء وحدهن.

مثل فندق Nine Hours Woman (بفرعيه الشهيرين في كاندا وشينجوكو بطوكيو)، وفندق Akihabara Bay Hotel المتميز بتصميمه الوردي ووسائل الحماية الصارمة، وتوفر Resol Poshtel أو كبسولات MyCube طوابق كاملة معزولة ببوابات رقمية لا يدخلها إلا النساء لضمان فصل تام في غرف النوم ودورات المياه، و مساكن "الغوشيوون" المخصصة للنساء (Women-Only Goshiwon): "الغوشيوون" في كوريا الجنوبية، وغير ذلك من الأمثلة كثير.

ملاجئ النساء

وتوجد في بريطانيا والولايات المتحدة وغيرها دور إيواء وخدمات مخصصة للنساء، وخصوصًا ضحايا العنف الأسري، والغاية هنا توفير بيئة آمنة وخصوصية أكبر للنساء في ظروف حساسة، ولذلك يُنظر إلى التخصيص بحسب الجنس باعتباره وسيلة حماية لا تمييزًا سلبيًا.

مواقف السيارات

ومن الأمثلة العجيبة ما يوجد في ألمانيا والنمسا مواقف مخصصة للنساء في بعض مرائب السيارات، تعرف باسم Frauenparkplätze وتوضع عادةً في مواقع أكثر وضوحًا أو أقرب إلى المداخل والمخارج، ضمن تدابير تستهدف تعزيز الشعور بالأمان.

وكذلك العديد من الدول حول العالم تبنت مبادرات مشابهة لحماية النساء وتسهيل حركتهن، وغالباً ما تُعرف عالمياً باسم المواقف الوردية (Pink Parking Spaces)، كما في سويسرا، وإيطاليا، والتشيك، وكوريا الجنوبية، والصين.

دورات المياه وغرف تبديل الملابس

ويبقى المثال الأكثر انتشارًا: دورات المياه وغرف تبديل الملابس ومرافق الاستحمام المنفصلة للرجال والنساء، فهي موجودة في المدارس والجامعات والمطارات والمسابح والنوادي والمستشفيات وأماكن العمل في أنحاء واسعة من العالم.

ماذا نستنتج من هذه الأمثلة؟

أدرك تماما أن هذه النماذج لا يصلح استخدامها للقول بأن اليابان أو بريطانيا أو أمريكا أو غيرها تتبنى «الفصل بين الجنسين» بالمفهوم الاجتماعي أو الديني المعروف في المجتمعات الإسلامية؛ فهذا غير دقيق، لكنها في الوقت نفسه تكشف خطأ الفكرة المقابلة، وهي أن مجرد الفصل بين الرجال والنساء تخلف أو تمييز غير مقبول.

فما ورد ذكره من أمثلة ما هي إلا مجرد أدلة بسيطة على أن الاعتراف بالخصوصية بين الجنسين لا يتعارض في ذاته مع الحداثة أو التقدم، ولا يدل على الرجعية والتخلف.

 

 

الجمعة، 17 يوليو 2026

العَجَلَة

 

العَجَلَة

من طبائع الإنسان التي أخبر الله عنها أنه خُلق عجولًا، يريد النتائج قبل أسبابها، والثمرة قبل غرسها، والفرج قبل أوانه، ولذلك جاءت الشريعة لتربي المسلم على خلقٍ عظيم هو التأني، وتحفظه من آفة العجلة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التَّأَنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ»، وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: 35]. وإذا كان هذا الخطاب موجَّهًا إلى خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى أن يحتاج إليه كل واحد منا.

التأني خلق الأنبياء:

من أعظم المواقف التي تجلّى فيها صبر النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع له في الطائف، حين لقي من الأذى والرفض ما لم يلقه في غيره، حتى قال لعائشة رضي الله عنها إن ذلك كان أشد عليه من يوم أحد. ومع هذا كله، لم يدعُ على قومه بالهلاك، ولم يستعجل العقوبة لهم، بل اختار الرحمة، ورجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده. إنها صورة عملية للتأني، والثقة بوعد الله، وعدم استعجال النتائج.

ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس بقوله: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْم والأَناة».

ليست كل عجلة مذمومة:

العجلة ليست مذمومة بإطلاق، بل منها مذموم ومنها ما هو محمود، وهو المبادرة إلى الطاعات والخيرات، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، وقال موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة»، فالمؤمن لا يؤخر التوبة، ولا يؤجل الصدقة، ولا يسوّف في الصلاة، لأن العمر قصير، والفرصة قد لا تتكرر.

صور من العجلة المذمومة:

من أخطر صور العجلة التي حذر منها الشرع:

- الدعاء على النفس أو الأولاد أو المال عند الغضب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ»، أي: توافق دعوة ساعة إجابة فيندم الإنسان حيث لا ينفع الندم.

- استعجال إجابة الدعاء، فيقول: دعوت فلم يُستجب لي، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ».

- العجلة في الصلاة، فينقرها نقرًا، ولا يتم ركوعها ولا سجودها، ففي الصحيحين: «أنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسجِدَ فصَلَّى، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ناحيةِ المَسجِدِ، فجاءَ فسَلَّمَ عليه، فقال له: ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، فرَجَعَ فصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ، فقال: وعليك، ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، قال في الثَّالِثةِ: فأعلِمْني، قال: إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فأسبِغِ الوُضوءَ، ثُمَّ استَقبِلِ القِبلةَ، فكَبِّرْ واقرَأْ بما تَيَسَّرَ معكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ اركَعْ حتَّى تَطمَئِنَّ راكِعًا، ثُمَّ ارفَعْ رَأسَكَ حتَّى تَعتَدِلَ قائِمًا، ثُمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمَئِنَّ ساجِدًا، ثُمَّ ارفَعْ حتَّى تَستَويَ وتَطمَئِنَّ جالِسًا، ثُمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمَئِنَّ ساجِدًا، ثُمَّ ارفَعْ حتَّى تَستَويَ قائِمًا، ثُمَّ افعَلْ ذلك في صَلاتِكَ كُلِّها».

- التسرع في الحكم على الناس، وسوء الظن بهم دون بينة، والله تعالى يقول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

العجلة في واقعنا:

ولعل من أبرز صور العجلة في زماننا:

- التسرع في الطلاق عند أول خلاف، ثم الندم بعد فوات الأوان.

- التهور في القيادة، واستعجال الوصول، فيكون الثمن أرواحًا وأموالًا.

- استعجال الثراء؛ فيلجأ بعض الناس إلى الربا أو الغش أو الرشوة أو سائر المحرمات، ظنًا أن الرزق يتأخر إن سلك الطريق الحلال.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرزق مقدر لا يفوت صاحبه، فقال: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ».

وقفة

ليس التأني ضعفًا، ولا البطء عجزًا، وإنما هو ثمرة الحكمة، وثقة العبد بربه، ويقينه أن لكل أمرٍ أجلًا، وأن ما قُدِّر له سيأتيه في وقته، فلا يفسده بالعجلة.

فإذا هممت بأمر، فتأنَّ، وإذا غضبت فاصبر، وإذا دعوت فأحسن الظن بربك، وإذا طلبت الرزق فاطلبه من بابه الحلال، فإن ما عند الله لا يُنال بمعصيته، ومن استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه.

الأربعاء، 15 يوليو 2026

مسلمو الفلبين .. من السلطنات الإسلامية إلى الحكم الذاتي

 

مسلمو الفلبين .. من السلطنات الإسلامية إلى الحكم الذاتي


تُعد قضية مسلمي الفلبين، أو المورو، من أقدم القضايا الإسلامية في جنوب شرق آسيا، إذ تمتد جذورها إلى قرون قبل قيام الدولة الفلبينية الحديثة، وتداخلت فيها عوامل الدين والهوية والأرض والسياسة، حتى أصبحت واحدة من أطول النزاعات في المنطقة.

الإسلام قبل قيام دولة الفلبين:

بدأ الإسلام يصل إلى جنوب الفلبين ابتداءً من القرن الرابع عشر، وربما قبل ذلك بقليل، عبر التجار والدعاة المسلمين القادمين من العالم الإسلامي وأرخبيل الملايو، ومع مرور الوقت نشأت سلطنات إسلامية قوية، أبرزها سلطنة "سولو" وسلطنة "ماغوينداناو"، وبسطت نفوذها على أجزاء واسعة من جنوب البلاد قبل وصول القوى الاستعمارية الأوروبية.

الاستعمار الإسباني:

عندما احتلت إسبانيا الفلبين عام 1565م، نجحت في بسط نفوذها على معظم الجزر الشمالية والوسطى ونشر الكاثوليكية فيها، لكنها واجهت مقاومة شديدة من المسلمين في الجنوب، واستمرت المواجهات، التي عُرفت بــ "حروب المورو"، أكثر من ثلاثة قرون، دون أن تتمكن إسبانيا من إخضاع المسلمين إخضاعًا كاملًا أو القضاء على سلطناتهم.

الحكم الأمريكي وتغيير التركيبة السكانية:

بعد هزيمة إسبانيا من الولايات المتحدة الأمريكية وتنازلها عن الفلبين في 10 ديسمبر 1898م، انتقلت الفلبين إلى الحكم الأمريكي، الذي قضى عمليًا على استقلال السلطنات الإسلامية وأخضع الجنوب لسلطة الحكومة المركزية، كما بدأت السلطات تشجع هجرة المسيحيين إلى جزيرة "مينداناو"، الأمر الذي غيّر التركيبة السكانية تدريجيًا، فأصبح المسلمون أقلية في مناطق كانوا يشكلون فيها الأغلبية، وخسر كثير منهم أراضيهم ونفوذهم التقليدي.

ما بعد الاستقلال:

نالت الفلبين استقلالها الرسمي من الولايات المتحدة الأمريكية في 4 يوليو 1946م، لكن الحكومات المتعاقبة واصلت سياسة توطين المسيحيين في الجنوب، مع ضعف التنمية في المناطق الإسلامية وتراجع تمثيل المسلمين في مؤسسات الدولة، مما أدى إلى تصاعد الشعور بالتهميش والاحتقان.

بداية الصراع المسلح:

شكّلت مجزرة "جابيداه" عام 1968م نقطة تحول في تاريخ القضية، بعدما قُتل عدد من المجندين المسلمين على يد الجيش الفلبيني، وهو ما أثار غضبًا واسعًا بين المورو، ومهّد لظهور الحركات المطالبة بحقوق المسلمين، وعلى رأسها "جبهة مورو الوطنية للتحرير" بقيادة نور ميسواري.

مجازر عام 1971:

شهد عام 1971م تصاعدًا كبيرًا في أعمال العنف بين المسلمين والميليشيات المسيحية المسلحة، ولا سيما ميليشيا إيلاغا (Ilaga)، وبلغت الأحداث ذروتها في مجزرة مانيلي يوم 19 يونيو 1971م، حين اقتحم مسلحون مسجدًا أثناء اجتماع للصلح، فقتلوا نحو سبعين مسلمًا، بينهم نساء وأطفال.

وقد أثارت المجزرة موجة استنكار واسعة في العالم الإسلامي، وأسهمت في لفت أنظار الدول الإسلامية إلى معاناة المسلمين في الفلبين، ومهّدت لاحقًا لانخراط منظمة المؤتمر الإسلامي في جهود الوساطة بين الحكومة الفلبينية وحركات المورو.

وفي عام 1974م وقعت مجزرة ماليسبونغ (باليمنغ)، التي تُعد من أكبر المجازر في تاريخ مسلمي الفلبين، إذ قُتل خلالها مئات المدنيين المسلمين خلال العمليات العسكرية في عهد الرئيس "فرديناند ماركوس"، وبقيت إحدى أكثر المحطات إيلامًا في ذاكرة المورو.

الحرب الطويلة:

في عام 1972م أعلن الرئيس "فرديناند ماركوس" الأحكام العرفية، فتحولت المواجهات إلى حرب واسعة بين الجيش الفلبيني وجبهة مورو الوطنية للتحرير، ثم انشقت عنها لاحقًا جبهة مورو الإسلامية للتحرير، التي أصبحت الطرف الرئيس في مفاوضات السلام مع الحكومة، واستمر النزاع عقودًا، وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح مئات الآلاف، كما ظهرت خلاله جماعات أخرى مثل: "أبو سياف".

اتفاقيات السلام:

ابتداءً من التسعينيات، بدأت محاولات جادة لإنهاء الصراع، فتُوجت باتفاق سلام مع جبهة مورو الوطنية عام 1996م، ثم باتفاق السلام الشامل مع جبهة مورو الإسلامية للتحرير عام 2014م، والذي مهّد لإنشاء منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم عام 2019م، مانحًا المسلمين صلاحيات أوسع في إدارة شؤونهم.

الوضع الحالي:

اليوم يتمتع جزء كبير من مناطق المسلمين في جنوب الفلبين بحكم ذاتي من خلال منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم، التي تضم حكومة وبرلمانًا محليين يتمتعان بصلاحيات واسعة، وقد انخفضت حدة الصراع مقارنة بالعقود الماضية، إلا أن المنطقة لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتنمية الاقتصادية، وتنفيذ اتفاقيات السلام، وتسوية قضايا الأراضي.

* * *

تكشف قضية مسلمي الفلبين أن النزاع لم يكن وليد أحداث عام 1971م، بل هو نتاج قرون من الصراع على الهوية والأرض والسلطة، وقد شكّلت مجازر السبعينيات، وفي مقدمتها مجزرة مانيلي، منعطفًا مهمًا في تدويل القضية، قبل أن تنتقل، بعد عقود من النزاع، إلى مرحلة جديدة تقوم على الحكم الذاتي والسعي إلى سلام دائم، مع بقاء تحديات أمنية وتنموية وسياسية لم تُحسم بصورة كاملة.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

أين ذهبت خطب النبي ﷺ؟!

 

أين ذهبت خطب النبي ﷺ؟


يُثير بعض الطاعنين في السنة النبوية، والمشككين في الدين، سؤالًا يظنون أنه إشكال علمي، وهو: أين ذهبت خطب النبي ﷺ؟ ويجعلون من هذا السؤال مطعنًا في حفظ السنة ونَقَلَةِ الآثار، مع أن هذه الشبهة ناشئة من الجهل بطبيعة الخطبة النبوية، ومنهج الصحابة في رواية السنة ونقلها.

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

أولًا: أن خطب النبي ﷺ كانت في غالبها قصيرة.

فلم يكن من هديه ﷺ الإطالة في الخطبة، بل كان يقصد البلاغ والإيجاز، كما قال: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه»؛ فكانت خطبه كلمات جامعة، قليلة الألفاظ، عظيمة المعاني.

ثانيًا: أن كثيرًا من خطب النبي ﷺ قد نُقل إلينا.

ففي كتب السنة عشرات الروايات التي يقول فيها الصحابي: «خطبنا رسول الله ﷺ»، أو: «قال رسول الله ﷺ وهو على المنبر»، ثم يذكر الخطبة أو جانبًا منها، وهذا يدل على أن الصحابة حفظوا خطب النبي ﷺ ونقلوا منها ما سمعوه.

ثالثًا: أن الصحابة لم يكن قصدهم تدوين الخطب كوحدات مستقلة كما تُوزع الخطب اليوم في ورقة [A4] !!

فلم يكن من منهجهم أن يقولوا: هذه خطبة الجمعة كاملة، ثم ينقلوها من أولها إلى آخرها نصاً في ورقة، وإنما كانوا ينقلون ما يحتاج إليه المسلمون من الأحكام والمواعظ والوصايا، ولهذا قد يروي صحابي جزءًا من الخطبة، ويروي صحابي آخر بقية ما فيها، ويذكر ثالث سببها أو المناسبة التي قيلت فيها، فتتوزع ألفاظ الخطبة بين الروايات.

وهذا أمر معروف في نقل الأخبار، ويشبه من يحضر محاضرة علمية، ثم ينقل كل حاضر أهم ما استفاد، دون أن يلتزم أحد بنقل المحاضرة كاملة بحروفها.

رابعًا: أن كثيرًا من الأحاديث التي نقرؤها اليوم إنما سُمعت في خطب الجمعة، لكن الصحابي لم يكن ملزمًا في كل رواية أن يذكر مكان سماعه للحديث، وإنما المقصود نقل كلام النبي ﷺ، ولذلك قد يروي الحديث مجردًا من ذكر أنه قيل في خطبة، مع أنه في الأصل جزء منها.

خامسًا: أن القرآن الكريم كان يمثل جانبًا كبيرًا من خطب النبي ﷺ.

فقد كان ﷺ يكثر من تلاوة القرآن في خطبه؛ لأن الحاضرين كانوا عربًا فصحاء يفهمون معاني القرآن وأساليبه، فلا يحتاجون إلى الشروح المطولة التي يحتاجها الناس اليوم، وقد ثبت أنه ﷺ كان يخطب بسورة {ق} فقط، مما يدل على أن القرآن كان محورًا رئيسًا في كثير من خطبه.

سادسًا: أن خطب النبي ﷺ لم تكن كلها جديدة في موضوعاتها.

فقد كان ﷺ يكرر الوصايا العظيمة نفسها والآيات الجامعة في مناسبات كثيرة؛ كالأمر بتقوى الله، والحث على التمسك بالقرآن، وذكر الموت، والتحذير من البدع والمعاصي، وغير ذلك، فمن حفظ حديثًا في التقوى، أو وصية في الاعتصام بالسنة، فقد يكون هذا المعنى قد تكرر في عشرات الخطب، فلا حاجة إلى إعادة نقل الكلام نفسه في كل مرة.

ففي تصور هذا المتشكك أن الخطب التي خطبها النبي ﷺ كانت أكثر من 500 موضوع مختلف، وهذا تصور فاسد.

سابعًا: أن خطبة الجمعة ليست المصدر الوحيد للتشريع.

ولو فرضنا -جدلًا- أن بعض الخطب لم تُنقل كاملة، فلا يترتب على ذلك ضياع شيء من الدين؛ لأن الشريعة لم تُؤخذ من خطبة الجمعة وحدها، وإنما نُقلت من خلال القرآن من خلال أسفاره، ومجالسه، ومن بيته، ومن جميع أقوال النبي ﷺ وأفعاله وإقراراته، فالدين محفوظ بحفظ السنة كلها، لا بحفظ الخطب على هيئة مستقلة.

ثامنًا: أن هذه الدعوى لو كانت صحيحة للزمت جميع الأمم.

فإذا كان عدم حفظ جميع الخطب مطعنًا، فأين خُطب موسى عليه السلام؟ وأين خُطب عيسى عليه السلام؟ وأين جميع خطب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم؟ بل حتى كبار الفلاسفة والعلماء لم تُحفظ جميع محاضراتهم وخطبهم، وإنما حفظ الناسُ أهمَّ أقوالهم وآثارهم، ولم يقل أحد إن ذلك يقدح في تاريخهم أو في ثبوت علمهم.

فكيف يُجعل هذا الأمر مطعنًا في السنة النبوية وحدها؟!

ومع ذلك .. فمن أراد الوقوف على ما وصل إلينا من خطب النبي ﷺ مجموعةً في كتاب واحد، فليرجع إلى كتاب «خطب الرسول ﷺ أكثر من 574 خطبة من كنوز الدرر وجوامع الكلم»، جمعها وخرجها محمد بن خليل الخطيب [صدر عن: دار الفضيلة] فقد بذل فيه جهدًا مشكورًا في استقراء كتب السنة وجمع ما تفرق فيها من الخطب النبوية.

* * *

وخلاصة الأمر .. أن السؤال: «أين ذهبت خطب النبي ﷺ؟» سؤال مبني على تصور غير صحيح؛ إذ يَفترض أن الصحابة كانوا ينقلون الخطب كاملةً كما تُكتب الخطب في عصرنا، بينما كان منهجهم هو نقل السنة نفسها، سواء قيلت في خطبة، أو في مجلس، أو في سفر، أو في حادثة معينة، ولذلك لم تضِع خطب النبي ﷺ، وإنما تفرقت في دواوين السنة بحسب منهج المحدثين في التصنيف، ثم جمعها العلماء في مصنفات مستقلة، وبقي الدين محفوظًا كما وعد الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

الأحد، 28 يونيو 2026

 

الخُلْع في الإسلام .. مخرج شرعي يحفظ الحقوق ويدفع الضرر

جاءت الشريعة الإسلامية لبناء الأسرة على المودة والرحمة، وجعلت الأصل في الحياة الزوجية الاستقرار وحسن العشرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

لكن قد تصل الحياة الزوجية أحيانًا إلى طريق مسدود، بحيث تستحيل معه المعاشرة بالمعروف، ولا تنفع وسائل الإصلاح، فشرع الله تعالى الخلع ليكون مخرجًا شرعيًا يرفع الضرر عن الزوجين، ويحفظ لكل طرف حقه.

ما هو الخلع:

الخلع في اللغة مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن الله تعالى جعل كلا الزوجين لباسًا للآخر.

أما في الاصطلاح الشرعي فهو: فرقة بين الزوجين بعوض تدفعه الزوجة لزوجها مقابل إنهاء عقد النكاح، فتفتدي نفسها بما تتفق عليه مع زوجها.

مشروعية الخلع:

ثبتت مشروعية الخلع بالكتاب والسنة.

قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، أي: فيما تدفعه المرأة للزوج مقابل فراقه.

وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟" قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". [أخرجه البخاري: 5273].

وهذا الحديث أصل في مشروعية الخلع عندما تخشى المرأة ألا تستطيع القيام بحقوق زوجها، مع سلامة دينه وخلقه.

أهم أحكام الخلع:

* يجوز الخلع إذا ساءت العشرة بين الزوجين، ويكون مقابل عوض مالي تدفعه الزوجة لزوجها.

* لا يصح الخلع إلا من الزوجة كاملة الأهلية؛ وليست السفيهة مثلا.

* إذا وقع الخلع أصبحت المرأة بائنة من زوجها، فلا يملك مراجعتها إلا بعقد ومهر جديدين إذا تراضيا.

* لا يلحق المرأة بعد الخلع طلاق أو ظهار أو إيلاء من الزوج بعد الخلع؛ لأنها أصبحت أجنبية عنه.

* يجوز إجراء الخلع في الحيض أو في الطهر الذي جامعها فيه؛ لأن النهي عن ذلك وارد في الطلاق وليس الخلع.

* يحرم على الزوج أن يسيء إلى زوجته أو يضيق عليها حتى يضطرها إلى افتداء نفسها، قال تعالى:﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19].

* كما لا يجوز للمرأة أن تطلب الخلع من غير سبب معتبر، وإنما يشرع إذا كرهت زوجها، أو ساء خلقه أو دينه، أو خافت ألا تؤدي حقوقه.

الحكمة من تشريع الخلع:

الخلع ليس وسيلة لهدم الأسرة، وإنما هو علاج استثنائي عندما تتعذر الحياة الزوجية، فإذا فقدت المودة، وتعذر الإصلاح، ولم يعد استمرار الحياة الزوجية يحقق مقصود النكاح، فإن الإسلام لا يجبر الزوجين على البقاء في علاقة يملؤها الشقاق والكراهية.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].

فإن كان الزوج راغبًا في استمرار الحياة، بينما الزوجة تخشى ألا تقيم حدود الله بسبب كراهتها له أو تقصيرها في أداء حقه، أبيح لها أن تفتدي نفسها بعوض تدفعه إليه، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229].

فالخلع مظهر من مظاهر عدل الشريعة ورحمتها، إذ يوازن بين حقوق الزوج والزوجة، ويمنح كل طرف مخرجًا مشروعًا عند تعذر استمرار الحياة الزوجية، مع المحافظة على الكرامة والحقوق، بعيدًا عن الظلم والإضرار.

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

مهر الزواج .. والمغالاة فيه

 

مهر الزواج .. والمغالاة فيه


إن من محاسن الشريعة الإسلامية أنها نظمت العلاقة بين الزوجين منذ بداية تكوين الأسرة، فجعلت للمرأة حقوقاً مالية ومعنوية تحفظ كرامتها وتصون مكانتها، ومن أعظم تلك الحقوق: الصَّداق (أو: المهر)، الذي أوجبه الله تعالى للمرأة عند عقد النكاح.

والصداق في اللغة مأخوذ من: الصدق، وهو ضد الكذب، وسُمِّي بذلك لأنه يدل على صدق رغبة الزوج في الزواج، وإظهار رغبته الجادة في الارتباط بزوجته.

أما في الاصطلاح الشرعي فهو: المال الذي يجب على الزوج دفعه لزوجته بسبب عقد النكاح.

ويسمى أيضاً: المهر، والنِّحلة، والعُقر، والأجر، والفريضة.

مشروعية الصداق وحكمه:

أجمع المسلمون على مشروعية الصداق في النكاح، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.

قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].

وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24].

وقال سبحانه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236].

ومن السنة ما رواه سهل بن سعد رضي الله عنه أن رجلاً أراد الزواج من امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعْطِهَا ثَوْبًا». كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بعد زواجه فقال: «مَا أَصْدَقْتَهَا؟» قال: وزن نواة من ذهب، فقال: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».

وهذه النصوص تدل على أن المهر حق ثابت للمرأة، يجب على الزوج أداؤه، ولا يجوز إسقاطه أو الاعتداء عليه.

الصداق حق خالص للمرأة:

الصداق ملك للزوجة وحدها، وليس لأحد من أوليائها حق فيه إلا بإذنها ورضاها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 20].

ولهذا كان من الواجب احترام هذا الحق وعدم الاستيلاء عليه أو التصرف فيه بغير رضا الزوجة.

تسمية المهر وشروطه:

يستحب تسمية المهر عند عقد الزواج وتحديده دفعاً للنزاع والخلاف، ويشترط في المهر أن يكون مالاً متقوماً مباحاً يمكن الانتفاع به شرعاً، وأن يكون معلوماً غير مجهول، بعيداً عن الغرر والنزاع.

ويجوز أن يكون عيناً أو ديناً أو منفعة معلومة، كما يجوز تعجيله أو تأجيله كله أو بعضه بحسب ما يتفق عليه الطرفان، بشرط أن يكون الأجل معلوماً.

مقدار الصداق:

من يسر الشريعة أنها لم تجعل للصداق حداً أدنى أو حداً أعلى، بل جعلت المعتبر فيه التراضي بين الزوجين وما جرى به العرف، قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24].

قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20]، والقنطار: المال الكثير.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فدل ذلك على جواز القليل والكثير، ما دام مالاً مباحاً معلوماً يحصل به التراضي.

حكم المغالاة في المهور:

مع أن الشريعة لم تحدد سقفاً أعلى للمهور، إلا أنها رغبت في التيسير ونهت عن المغالاة والتكلف؛ لأن البركة ليست في كثرة المهر، وإنما في حسن الاختيار وصلاح الزوجين.

فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَسْهِيلُ أَمْرِهَا، وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا».

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «ألا لا تغالوا في صُدُق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه، وحتى يقول كَلِفْتُ فيك عَلَقَ القِرْبة».

وسألت عائشة رضي الله عنها عن صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «اثنتي عشرة أوقية ونشّاً».

عواقب المغالاة في المهور:

لقد أصبحت المغالاة في المهور من المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها كثير من المجتمعات الإسلامية، ومن أبرز آثارها:

أولاً: تأخير الزواج والعزوف عنه: فكثير من الشباب يعجزون عن توفير المبالغ الكبيرة المطلوبة للزواج، فيؤخرون الإقدام عليه سنوات طويلة، وربما صرفهم ذلك عن الزواج بالكلية.

ثانياً: انتشار الديون والأعباء المالية: يلجأ بعض الشباب إلى الاقتراض وتحمل الديون الثقيلة من أجل توفير المهر وتكاليف الزواج، فيبدأ حياته الزوجية مثقلاً بالالتزامات المالية، مما ينعكس على استقرار أسرته.

ثالثاً: زيادة المشكلات الزوجية: إذا شعر الزوج أنه تحمل أعباء فوق طاقته فقد يؤدي ذلك إلى النفور والخصومات، وقد أشار عمر رضي الله عنه إلى هذا المعنى بقوله: «وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه».

رابعاً: انتشار الفساد والانحراف: عندما تُغلق أبواب الزواج الميسر أمام الشباب والفتيات، تزداد الفتن وتكثر أسباب الانحراف، بينما أراد الإسلام الزواج طريقاً للعفة وحفظ الفروج.

خامساً: ارتفاع نسبة العنوسة: فكلما ارتفعت المهور وتعقدت شروط الزواج قلّ عدد المقبلين عليه، مما يؤدي إلى تأخر زواج الرجال والنساء على حد سواء.

سادساً: إضعاف التكافل الاجتماعي: فالمجتمع الذي يتنافس أفراده في رفع المهور والمباهاة بها يتحول الزواج فيه إلى مظهر اجتماعي وميدان للمفاخرة، بدلاً من أن يكون ميثاقاً شرعياً يقوم على المودة والرحمة.

* * *

وفي الختام .. لم تجعل الشريعة الإسلامية قيمة المرأة في غلاء مهرها، وإنما في دينها وخلقها وصلاحها، وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه قائماً على التيسير في المهور وتخفيف مؤونة الزواج، تحقيقاً لمقاصد النكاح في العفة والاستقرار وبناء الأسرة المسلمة.

ومن الحكمة أن يحرص الآباء والأمهات على تيسير الزواج لأبنائهم وبناتهم، وأن يبتعدوا عن المبالغة والمفاخرة في المهور؛ فإن البركة في اليسر، والخير في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَسْهِيلُ أَمْرِهَا، وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا».

الجمعة، 19 يونيو 2026

قصة التقويم الهجري

 

قصة التقويم الهجري


مع إطلالة السنة الهجرية الجديدة [1448هـ] يتجدد على ألسنة المسلمين ذكر التاريخ الهجري، وتُكتب تواريخه في الرسائل والوثائق والمناسبات، لكن قلَّ من يتساءل: كيف بدأ هذا التقويم؟ ولماذا اختيرت الهجرة النبوية مبدأً له؟ وهل كان للعرب قبل الإسلام تاريخٌ ثابت يؤرخون به سنواتهم؟

إن قصة التقويم الهجري ليست مجرد أرقام تُتداول بين الناس، بل هي صفحة مشرقة من تاريخ هذه الأمة، تكشف جانبًا من حكمة الصحابة رضي الله عنهم في تنظيم شؤون المسلمين، وربط تاريخهم بأعظم حدثٍ غيَّر مجرى الإسلام، وهو هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة .. وفي هذه المقالة نتتبع نشأة هذا التقويم المبارك وتطوره حتى استقر على الصورة التي نعرفها اليوم.

* * *

كانت العرب قبل الإسلام يعرفون التقويم القمري، وكانت سَنَتُهم تتكوّن من اثني عشر شهرًا قمريًا تُحدَّد برؤية الهلال، وقيل إن أول من جمع أسماء الشهور على أسمائها المعروفة كعب بن مُرَّة الجدّ الخامس للرسول ﷺ، منها أربعة أشهر حرمًا يمتنعون فيها عن القتال لتأمين الحج والتجارة والأسواق، لكنهم لم يلتزموا بتثبيت هذه الأشهر؛ إذ كانوا يلجؤون إلى تأخير بعض الأشهر الحرم أو تبديلها بغيرها لموافقة مصالحهم مما أدى إلى اضطراب التقويم واختلاف أسماء الشهور أحيانًا، وتُسمى هذه العملية "النَّسيء" أي: التأجيل، ولم يكن ذلك القرار يُتَّخذُ جزافًا كيفما اتفق، لكن كان هناك أشخاص مكلفون بهذا العمل يُطلق عليهم النَّسَأة، أو الَقلامِس؛ أي: المتبحرون في معرفة أمر النسيء ومواقيت العرب، في ذلك يقول عُمير بنُ قَيْسِ بنِ جِذْلِ الطِّعان مفتخراً بهذا "التلاعب":

ألَسْنا النَّاسِئينَ عَلَى مَعَدٍّ  //  شُهُورَ الحِلّ نجْعلُها حَرامَا

وقد أبطل الإسلام هذا النظام في السنة العاشرة للهجرة، حيث وقف النبي ﷺ في حجة الوداع فقال: "إنَّ الزَّمانَ قدِ استَدارَ كهَيئةِ يَومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ؛ السَّنةُ اثنا عَشَرَ شَهرًا، مِنها أربَعةٌ حُرُمٌ، ثَلاثةٌ مُتَوالياتٌ: ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشَعبانَ". [متفق عليه]، فعادت الشهور إلى مواضعها كما خلقها الله تعالى.

أما في التأريخ أعني السنوات، فلم يكن للعرب قبل الإسلام مبدأ موحّد يؤرخون به، بل كانوا ينسبون الأحداث إلى الوقائع السنوية الكبرى المشهورة، مثل عام الفيل، وحرب الفِجار، وتجديد بناء الكعبة، وأيام العرب كحرب البسوس وداحس والغبراء، ولذلك لم يكن التقويم الجاهلي نظامًا زمنيًا دقيقًا ومستقرًا يُعتمد عليه في تسجيل الأحداث، بل اختلف باختلاف القبائل والمناطق، حتى جاء الإسلام فوضع لاحقًا التقويم الهجري على أساس ثابت ومنتظم.

وعقِب قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ، ظلت السنة القمرية بالأشهر الهجرية المعروفة، إلا أنه لم يعيَّن للسنين مبدأ ثابت تنطلق منه؛ وذكر بعض أهل السير والتاريخ أن السنوات في العهد النبوي كانت تُعرف بأسماء الحوادث البارزة فيها، مثل:

السنة الأولى: سنة الإذن؛ أي الإذن بالهجرة من مكة إلى المدينة.

الثانية: سنة الأمر؛ أي الأمر بقتال المشركين.

الثالثة: سنة التمحيص؛ أي تكفير الذنوب عقب غزوة أُحد لقوله تعالى: ﴿وليمحِّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾.

الرابعة: سنة التَّرْفِئَة، ومعناها الاتّفاق وجمع الشَّمل من رفأ بين القوم : إذا أصلح بينهم.

الخامسة: سنة الزلزال، إشارة إلى ابتلاء المؤمنين وزلزالهم في غزوة الخندق.

السادسة: سنة الاستئناس؛ إشارة إلى الآية الكريمة ﴿لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها﴾.

السابعة: سنة الاسْتِغلاب، وكان فيها فتح خيبر والغلبة على اليهود.

الثامنة: سنة الاستواء، وهي سنة الفتح أيضًا، وفيها كان فتح مكة.

التاسعة: سنة البراءة؛ أي براءة الله ورسوله من المشركين يوم الحج الأكبر، أو البراءة من المتخلفين عن الجهاد يوم تبوك، وهي أيضًا سنة الوفود لقدوم أفواج العرب وفودًا معلنين إسلامهم.

العاشرة: سنة الوداع؛ أي سنة حجة الوداع.

ظل المسلمون في صدر الإسلام يسمّون السنوات بأسماء الأحداث البارزة، كما قيل: عام الطاعون لطاعون عمواس، وعام الرمادة للمجاعة المشهورة، غير أن هذا الأسلوب لم يكن كافيًا لضبط المكاتبات والمعاملات الرسمية، حتى كتب أبو موسى الأشعري والي البصرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً: «إنه تأتينا من أمير المؤمنين كتب ليس فيها تأريخ، فأَرِّخ»، فجمع عمر كبار الصحابة -وذلك في سنة ست عشرة أو سبع عشرة من الهجرة النبوية- للتشاور في وضع مبدأ ثابت للتأريخ الإسلامي.

فتعددت المقترحات؛ فمنهم من رأى التأريخ بمولد النبي ﷺ، ومنهم من اقترح بعثته، ولكن مولده ومبعثه لا يعرفان على وجه الدقة، وأما وقت وفاته ﷺ فهو وإن لم يختلف فيه، إلا أنَّ جعله أصلا يعد غير مستحسن عقلا؛ لتهييجه للحزن والأسف، ومنهم من أشار إلى الأخذ بتقويم الفرس أو الروم، ولكن الصحابة رأوا أن يكون للمسلمين تاريخ مستقل يميزهم عن غيرهم.

إلى أنْ استقر الرأي على ما أشار به علي بن أبي طالب رضي الله عنه من جعل الهجرة النبوية مبدأً للتاريخ الإسلامي؛ لأن الهجرة فرّقت بين مرحلتي الاستضعاف والتمكين، ولأن الهجرة غير مختلف فيها، ولكونه وقت استقامة ملة الإسلام، وتوالي الفتوح، وترادف الوفود واستيلاء المسلمين.

وعلى الرغم من أن الهجرة النبوية بدأت في أواخر شهر صفر، ووصل الرسول ﷺ مشارف المدينة يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول ثم دخل المدينة يوم الجمعة 12 من ربيع الأول، إلا أن الاختيار لبداية السنة الهجرية وقع على شهر "محرم" وليس في صفر أو ربيع الأول؛ لكون شهر محرم "شهر الله"، وفيه يكسى البيت، ويضرب الوَرِق -أي: النقود-، وفيه يرجع الحجاج إلى بلدانهم بعد الاجتماع العظيم في موسم الحج.

فاستقام التقويم الهجري منذ إقراره في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصبح التأريخ الرسمي للمسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم وأحداثهم، وظل متصلاً عبر القرون إلى يومنا هذا دون انقطاع.

وهو من أعظم منجزات الصحابة رضي الله عنهم في تنظيم شؤون الأمة وضبط تاريخها، فالحمد لله على تمام نعمته وكمال منّته، إذ حفظ للمسلمين تاريخهم وهويتهم، وربط تأريخهم بأعظم حدث في الإسلام، وهو هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة.

ولذلك لم يُبنَ التاريخ الإسلامي على مولد شخص أو وفاة ملك، وإنما بُني على حدثٍ غيَّر مجرى الأمة، وأقام دولة الإسلام، فكان التأريخ بالهجرة شاهدًا على ارتباط المسلمين بدينهم ورسالتهم.