الشَّاذّ
21 - وما يخالف ثِقَةٌ بِهِ الَملا // فالشاذُّ .......................
يُعدُّ مبحث الحديث الشاذ من أدق أبواب علم الحديث؛ إذ لا يكفي في قبول الرواية عدالة الراوي وضبطه فقط، بل لا بد من سلامتها من مخالفة من هو أولى منه حفظًا أو عددًا، وقد اعتنى المحدثون بهذا الباب لتمييز الروايات المحفوظة من الشاذة؛ صيانةً للسنة النبوية، وإعمالًا لقواعد النقد والترجيح بين المرويات.
قوله: (وما يخالف ثقة به الملا) يعني: أن يخالف الراوي الثقةُ (الملأَ) أي: الجماعةَ من الثقات، أو مَن هو أوثق منه كما سيأتي.
تعريف الحديث الشاذ: هو
ما رواه المقبولُ مخالفاً لمن هو أولى منه.
والمقبول هو: الراوي العدل الذي تمَّ ضبطُه، أو العدل الذي خفَّ ضبطُه.
والذي هو أولى منه: إما أن يكون راو أوثق منه، أو ثقتان فأكثر يُقدَّمون
عليه بسبب كثرة العدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات.
فالمرجوح يقال له: "الشاذ"، والراجح يقال له:
"المحفوظ".
قال الشافعي: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نَصٍّ، ثم
يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم"، فقيّد الشاذ بقيدين:
قيد المخالفة، وقيد الثقة.
إذاً هذا النوع يختص بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو المقبول لمن
هو أولى منه، أما إذا خالف الضعيفُ الثقةَ، فالمعتمَد هو حديث الثقة بلا شك، ويسمى:
"المعروف"، وأما حديث الضعيف فيسمى: "منكر"، وليس هذا مبحثه.
مكان الشذوذ:
1- إما في الإسناد: مثاله
حديث: حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد
الخطمي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل،
ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"[1].
حماد بن سلمة ثقة، لكنه تفرد بوصل هذا الحديث، قال أبو زرعة الرازي:
"لا أعلم أحداً تابع حماداً على هذا"؛ فخالفه حماد بن زيد وإسماعيل بن
علية وعبد الوهاب الثقفي، فقالوا: عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم ... الحديث.
وهذه رواية مرسلة، و(حماد بن زيد، وابن عُلية، وعبد الوهاب)، كل واحد
منهم أوثق من حماد بن سلمة، فكيف بهم مجتمعين؟!
لذلك حكم جماعة من الحفاظ بترجيح روايتهم المرسلة، إذاً رواية
الجماعة (محفوظة) ورواية حماد بن سلمة (شاذة)[2].
2- أو في المتن: مثاله حديث: عبد الواحد بن زياد،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى
يَمِينِهِ"[3].
هذه رواية شاذة؛ عبد الواحد يخطئ في حديثه عن الأعمش، أما بقية الثقات
إنما رووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قول.
أخرج البيهقي الرواية المحفوظة بإسناده من رواية: محمد بن إبراهيم، عن أبي صالح السمان قال: سمعت أبا هريرة يحدث مروان بن الحكم وهو على المدينة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين ركعتيه من الفجر وبين الصبح بضجعة على شقه الأيمن".
قال البيهقي: "وهذا أولى أن يكون محفوظا؛ لموافقته سائر
الروايات عن عائشة[4]
وابن عباس[5]"[6].
وخلاصة القول: إن الحديث الشاذ من المباحث الدقيقة التي تُظهر عمق منهج المحدثين في نقد الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؛ إذ لم يكتفوا بعدالة الراوي وضبطه، بل نظروا في موافقته لمن هو أولى منه، وبمعرفة الشذوذ تتبين الروايات المحفوظة من المرجوحة، ويتجلى جانب من عناية الأئمة البالغة بحفظ السنة النبوية وصيانتها من الخطأ والوهم.
[1] أخرجه أحمد (6/ 144)
والدارمي (2127) وأبو داود (2134) والترمذي في " الجامع " (1140) و
" العلل " (1/ 448) والنسائي (3943) وابن ماجة (1971)
[2] انظر: تحرير
علوم الحديث (2/ 1019).
[3] سنن أبي داود (2/ 443 ت
الأرنؤوط): 1261، سنن الترمذي (1/ 474): 422.
[4] البخاري (1161)، ومسلم
(743/ 133).
[5] السنن الكبير للبيهقي (5/
470 ت التركي): 4949.
[6] السنن الكبير للبيهقي (5/
472 ت التركي).


