الأربعاء، 27 مايو 2026

خطبة عيد الأضحى 1447

 

خطبة عيد الأضحى 1447


الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر // الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر// الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ..

الحمد لله الكبير المتعال، ذي الجلال والإكرام، شرع لعباده مواسم الطاعات، وجعل لهم من أيام الدهر نفحات، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجينا يوم الزلزلة والأهوال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وخير من صلى وصام وحج واعتمر، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أنكم في يومٍ عظيم، يومِ النحر، يومِ الحج الأكبر، يومٍ عظّم الله حرمته، ورفع منزلته، وجعله من أعظم أيام الإسلام.

وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا اليوم خطبته العظيمة في حجة الوداع، فكانت وصية مودّع، وجامعَ أصولٍ عظيمةٍ في الدين، تحفظ الدماء، وتصون الأموال، وتحمي الأعراض، وتؤسس لمجتمعٍ قائمٍ على العدل والرحمة والتقوى.

أيها المسلمون:

إن من أعظم ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم: حرمة الدماء والأموال والأعراض، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا».

فتأملوا كيف شبّه حرمة المسلم بحرمة هذا اليوم العظيم، وهذا الشهر الحرام، وهذا البلد الحرام.

فلا يجوز لمسلم أن يعتدي على دم مسلم، ولا على ماله، ولا على عرضه، لا بيدٍ، ولا بلسان، ولا بقلم، ولا عبر وسائل التواصل التي أصبح كثير من الناس يستهين فيها بالطعن والغيبة والسخرية والتشهير.

وإن من أعظم البلايا أن يهون الدم عند الناس، وأن تُراق الدماء لأجل دنيا أو عصبية أو شهوة أو خلافٍ تافه، وقد قال صلى الله عليه وسلم محذرًا: «ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلَّالًا يضرب بعضكم رقاب بعض».

عباد الله:

وفي تلك الخطبة المباركة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم إبطال أمر الجاهلية، فقال: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع».

فأبطل دماء الجاهلية، وأبطل الربا، وبدأ بأقرب الناس إليه، فقال: «وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».

وهكذا يكون العدل الحقيقي؛ يبدأ الإنسان بنفسه وأهله قبل أن يطالب الناس بالإصلاح.

وفي هذا تحذير من الربا الذي انتشر خطره، وتساهل كثير من الناس في أبوابه ومعاملاته، مع أن الله تعالى أعلن الحرب على أهله، فقال سبحانه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.

فاتقوا الله عباد الله، وطهّروا أموالكم من الحرام، فإن المال الحرام ممحوق البركة، سببٌ للهموم والضيق، وإن بدا كثيرًا في أعين الناس.

أيها المؤمنون:

ومن الوصايا العظيمة في خطبة الوداع: الوصية بالنساء، فقال صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله».

فالمرأة أمانة، والزوج راعٍ ومسؤول، وليس الزواج تسلطًا وظلمًا وإهانة، بل مودة ورحمة وإحسان.

وكم من البيوت اليوم فسدت بسبب سوء العشرة، وغلظة الأخلاق، وترك الحقوق، حتى ضاعت السكينة التي جعلها الله في البيوت.

فاتقوا الله في أهليكم، وأحسنوا إلى زوجاتكم وأبنائكم، فإن خيركم خيركم لأهله.

أيها المسلمون:

لقد ترك فينا نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم ما تتمسك به الأمة فقال: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله».

فالنجاة كل النجاة في العودة إلى كتاب الله، تلاوةً، وتدبرًا، وتحكيمًا، وعملاً، وتربيةً للأبناء عليه.

أما الإعراض عن القرآن، والانشغال عنه باللهو والغفلة، فهو سبب الضياع والاضطراب والفتن.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر // الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر// الله أكبر ..

الحمد لله الذي شرع لعباده مواسم الخيرات، وجعل لهم من الطاعات ما تزكو به النفوس وتُغفر به الذنوب، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل التقرب إليه بالذبائح من شعائر الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من ضحّى وقرب لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم شعائر الإسلام في هذه الأيام المباركة: شعيرة الأضحية، التي شرعها الله تعالى إحياءً لسنة إبراهيم عليه السلام، حين امتثل أمر ربه، وفدى الله ابنه بذبحٍ عظيم.

قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.

وقال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

أيها المسلمون:

الأضحية سنة مؤكدة عظيمة، ضحّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمّى وكبّر، وقال: «بسم الله، والله أكبر».

وهي عبادة جليلة، يجتمع فيها تعظيم الله، وإظهار التوحيد، وإحياء سنة الأنبياء، والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، وإدخال السرور على الأهل والأولاد.

وليست العبرة بكثرة اللحم ولا غلاء الثمن، وإنما العبرة بما في القلب من الإخلاص والتقوى، قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.

عباد الله:

ومن فضل الأضحية أن المسلم يؤجر عليها أجرًا عظيمًا، وهي من أحب الأعمال إلى الله في يوم النحر، وقد كان السلف يعظمون هذه الشعيرة، ويحرصون عليها كل الحرص.

فينبغي للمسلم أن يختار أضحيته من الطيب السليم، وأن يذبحها في وقتها المشروع بعد صلاة العيد، وأن يذكر اسم الله عليها، وأن يُظهر هذه الشعيرة في بيته وأهله.

كما ينبغي ألا تتحول الأضحية إلى مباهاة ومفاخرة، وإنما تكون عبادةً خالصة لله تعالى.

اللهم تقبل منا صالح الأعمال، ووفقنا لتعظيم شعائرك، واجعلنا من أهل التقوى والإخلاص.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

الجمعة، 22 مايو 2026

التسمية في الوضوء بين التصحيح الحديثي والخلاف الفقهي

 

التسمية في الوضوء بين التصحيح الحديثي والخلاف الفقهي

من المسائل الفقهية التي اعتنى بها العلماء قديمًا وحديثًا: حُكم التسمية عند الوضوء، وهل هي من الواجبات التي لا يصح الوضوء بدونها، أم أنها من السنن التي يُستحب للمسلم المحافظة عليها؟

وقد طال البحث في هذه المسألة بين أهل العلم، نظرًا لتعلّقها بالطهارة التي هي مفتاح الصلاة، وتنوّعت فيها الأنظار بين التشديد في وجوبها، وبين القول بأنها سنة مؤكدة، وفي هذا المقال عرضٌ مختصر لأشهر الأقوال في المسألة، وأهم أدلتها، مع بيان القول الراجح فيها.

* * *

يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا وُضوءَ لِمَن لَم يَذكُرِ اسمَ اللهِ عليه»، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في المسند، وابن ماجه في السنن، وغيرهما.

وهذا الحديث من الأحاديث التي كثُر فيها كلام أهل العلم؛ من جهة ثبوته، ومن جهة دلالته أيضًا.

أولًا: الكلام على ثبوت الحديث:

تكلم عدد من الأئمة في أسانيد هذا الحديث، ورأوا أن طرقه لا تخلو من ضعف.

قال الإمام أحمد بن حنبل: «لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد»، وسُئل أيضًا عن التسمية في الوضوء فقال: «لا أعلم فيه حديثًا يثبت».

وقال العقيلي: «الأسانيد في هذا الباب فيها لين».

ومع ذلك، فإن جماعة من أهل العلم رأوا أن تعدد طرق الحديث يعضد بعضُها بعضًا، حتى يرتقي الحديث إلى درجة الحسن لغيره، فقال ابن الصلاح: «ثبت بمجموعها ما يثبت به الحديث الحسن».

وقال ابن حجر العسقلاني: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا».

ولهذا حسّن الحديث عدد من أهل العلم، منهم: المنذري، وابن القيم، وابن كثير، والشوكاني، وعبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني، وغيرهم.

ثانيًا: حُكم التسمية؟

على فرض ثبوت الحديث، يبقى النظر في دلالته: فهل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وضوء» يعني نفي صحة الوضوء؟ أم المراد نفي كماله، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له»؟

ولهذا اختلف العلماء في حكم التسمية عند الوضوء على قولين مشهورين:

القول الأول: وجوب التسمية: ذهب الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه إلى وجوب التسمية في طهارة الأحداث، ومَن تركها عمداً لم يصح وضوؤه، واستدلوا بهذا الحديث وما ورد في معناه، وهو من مفردات المذهب الحنبلي.

ثم اختلف أصحاب هذا القول: هل تسقط التسمية بالنسيان أم لا؟ على روايتين داخل المذهب.

القول الثاني: أن التسمية سنة مؤكدة، ومَن تركها صح وضوؤه، والنفي الوارد في الحديث إنما هو للكمال: وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، الشافعي، وهو أيضًا رواية عن الإمام أحمد، اختارها جماعة من كبار الحنابلة، كالخرقي والموفق ابن قدامة وغيرهما، وقال ابن تيمية: «لا تشترط التسمية في الأصح».

واستدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة قوية، من أبرزها:

1- أن الله تعالى ذكر فرائض الوضوء في قوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، ولم يذكر التسمية، ولو كانت واجبة لذُكرت في مقام البيان.

2- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: «فتوضأ كما أمرك الله»، فأحال على الآية، وليس فيها ذكر التسمية.

3- أن الصحابة رضي الله عنهم وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وصفًا دقيقًا متكررًا، ولم يُنقل عنهم ذكر محافظته على التسمية عند كل وضوء، ولو كانت شرطًا أو فرضًا لنُقلت نقلًا ظاهرًا.

الترجيح: والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن التسمية في الوضوء سنة مؤكدة، يُستحب للمسلم المحافظة عليها، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وخروجًا من خلاف أهل العلم، لكن تركها لا يبطل الوضوء، سواء كان ذلك نسيانًا أو عمدًا.

ومما ينبغي التنبه له: أن مسائل الخلاف الفقهي التي وقع فيها اجتهاد معتبر بين الأئمة، لا ينبغي أن تكون سببًا للنزاع أو التشديد، بل يُعذر فيها المخالف، مع الحرص على اتباع ما يترجح بالدليل.

طاووس بن كيسان .. العلم والزهد

 

طاووس بن كيسان .. العلم والزهد

طاووس بن كيسان اليماني (ت 106 هـ) من أعلام التابعين الذين جمعوا بين العلم والعبادة والزهد والهيبة، حتى صار اسمه مقرونًا بالورع والفقه وصدق التوجه إلى الله تعالى. وهو الإمام الفقيه الثقة، وحديثه مروي في دواوين الإسلام، وقد اتفق أهل العلم على الاحتجاج به، وكان من كبار أصحاب عبد الله بن عباس، حتى قال فيه ابن عباس: «إني لأظن طاووسًا من أهل الجنة»، وهي شهادة عظيمة من حبر الأمة وترجمان القرآن.

وكان طاووس من أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، ثم شرّفه الله بالإسلام والعلم، فصار من كبار علماء الأمة، لا يُعرف بنسبٍ ولا جاه، وإنما يُعرف بالعلم والخشية والتقوى، وفي هذا دلالة على أن ميزان التفاضل الحقيقي هو الإيمان والعمل، لا الأصل ولا الحسب.

ومن أجمل ما يُروى عنه ما يدل على تعظيمه لأوقات الطاعة، وخصوصًا وقت السَّحَر؛ ذلك الوقت الذي يغفل عنه كثير من الناس، بينما يراه الصالحون ميدانًا للعبادة والخلوة بالله. فقد كان الناس في طريق الحج، فلما جاء السحر نزلوا وناموا، أما طاووس فقام يصلي، فقيل له: ألا تنام؟ فقال متعجبًا: «وهل ينام أحد السَّحَر؟!». وروي أنه جاء مرة يطلب رجلًا في ذلك الوقت، فقيل له: إنه نائم، فقال مستغربًا: «ما كنت أُرى أن أحدًا ينام في السَّحَر!». وهذه الكلمات تكشف كيف كانت قلوبهم متعلقة بالله، وكيف كانوا يرون ساعات الليل الأخيرة فرصة لا تُعوَّض.

ولم يكن ورعه مقتصرًا على العبادة، بل كان حاضرًا حتى في ألفاظ الناس وعاداتهم. فقد كان يسير مع رجل، فسمع غرابًا ينعق، فقال الرجل: «خير!»، على طريقة أهل الطيرة والتشاؤم والتفاؤل بالأصوات، فأنكر عليه طاووس وقال: «أي خير عند هذا أو شر؟! لا تصحبني». لأنه كان يربي النفوس على التعلق بالله وحده، وترك الأوهام والخرافات.

وكان من أعظم ما تميز به: الزهد الحقيقي في الدنيا وأهلها، حتى مع أصحاب السلطان. فقد جاء ابن الخليفة سليمان بن عبد الملك فجلس بجوار طاووس، فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه! فقال: «أردت أن يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه». لم يكن ذلك تكبرًا، وإنما تربية للنفوس على أن العزة ليست بالقرب من السلطان، وإنما بالقرب من الله.

وكان الناس يرون فيه عدل العالم وإنصافه؛ حتى قال إبراهيم بن ميسرة ــ وهو يحلف مستقبل الكعبة ــ: «ورب هذه البنية ما رأيت أحدًا الشريف والوضيع عنده بمنزلة إلا طاووسًا». وهذه منقبة عظيمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يتغير مع أصحاب الجاه أو المال، أما العالم الرباني فميزانه التقوى لا المناصب.

ومن دلائل إخلاصه وفقهه أنه كان بعيدًا عن التشدد المتكلف والتساهل المنفلت، بل يسير مع الدليل والحق؛ فكان إذا شدد الناس في شيء رخص فيه، وإذا تساهلوا في أمر شدد عليهم، وكأنه يزن الأمور بميزان الشرع لا بميزان أهواء الناس واتجاهاتهم.

وكان مع علمه الغزير شديد التواضع، حتى قال حنظلة بن أبي سفيان: «ما رأيت عالمًا قط يقول: لا أدري، أكثر من طاووس». وهذه الكلمة وحدها مدرسة في العلم؛ لأن بعض الناس يأنف من قول: لا أعلم، بينما كان السلف يعدّونها نصف العلم.

وقد ظهرت آثار العبادة على وجهه وجوارحه؛ فقد قال عبد الرحمن المليكي: «رأيت طاووسًا وبين عينيه أثر السجود». وروى ابن أبي رواد أنه رأى طاووسًا وأصحابه إذا صلوا العصر استقبلوا القبلة، ولم يكلموا أحدًا، وابتهلوا بالدعاء. وكأن ما بين العصر والمغرب عندهم موسم من مواسم القرب والافتقار إلى الله.

ومن دعائه العجيب الذي يكشف فقهه وبصيرته بالدنيا قوله: «اللهم احرمني كثرة المال والولد، وارزقني الإيمان والعمل». فهو لا يسأل المظاهر التي يفتتن بها الناس، وإنما يسأل ما يبقى وينفع عند الله.

لقد كان طاووس اليماني نموذجًا للعالم الرباني الذي جمع بين الفقه والعبادة، وبين العلم والزهد، وبين قوة الشخصية والتواضع. وإذا تأمل الإنسان سيرته أدرك أن أثر العلماء لا يكون بكثرة الكلام ولا بحضور المجالس فقط، بل بصدق الصلة بالله، وتعظيم الآخرة، والتربية العملية للناس بالأخلاق قبل الأقوال.

الأربعاء، 20 مايو 2026

ابن الـمُلَقِّن .. وكتابه: «البدر المنير»

 ابن الـمُلَقِّن .. وكتابه: «البدر المنير»

يُعَدُّ الإمام سِراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المشهور بــ "ابن الملقن" من كبار أئمة الحديث والفقه والتراجم في القرن الثامن الهجري، جمع بين سعة الاطلاع، وكثرة التصنيف، وطول النَّفَس العلمي، حتى قيل إن مؤلفاته قاربت ثلاثمائة مصنَّف. ويرجع أصل أسرته من "وادي آش" بالأندلس، غير أن مولده ووفاته كانا في القاهرة (723 - 804 هـ)، التي شهدت نبوغه العلمي وازدهار عطائه.

وقد تنوّعت مؤلفاته بين علوم الحديث، والفقه، والتاريخ، والتراجم، ومن أشهرها: التذكرة في علوم الحديث، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، وشرحه الكبير على صحيح البخاري: التوضيح شرح الجامع الصحيح.

ومن أبرز ما امتاز به مشروعه العلمي عنايته بشرح الكتب الستة على طريقة "الزوائد"، فخصَّ كل كتاب بما انفرد به عمّا قبله، فشرح زوائد مسلم على البخاري، ثم زوائد أبي داود على الصحيحين، ثم زوائد الترمذي، فالنسائي، فابن ماجه، في مشروع حديثيٍّ يدل على دقة منهجه وطول باعه في علم الرواية.

ومن أعظم كتبه أثرًا كتابه: "البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير"، وهو كتاب ألَّفه لخدمة كتاب الشرح الكبير للإمام الرافعي على الوجيز للغزالي، وهو من أجلِّ كتب الفقه الشافعي، بل قال ابن الملقن عن "الوجيز": «لم يُصنَّف في المذهب مثلُه»، ولما كان هذا الشرح معتمدًا عند الفقهاء، وفيه أحاديث وآثار كثيرة ذُكرت دون تمييز بين صحيحها وضعيفها، رأى ابن الملقن ضرورة العناية بتخريجها، وبيان درجاتها، خدمةً للفقه والدليل معًا.

فجاء كتاب البدر المنير موسوعةً حديثيةً ضخمة، جمع فيها طرق الأحاديث، وأقوال النقاد، ووجوه الاستدلال، مع عناية ظاهرة بالتتبع والاستقصاء، غير أن الكتاب اتسم بطولٍ ظاهر؛ إذ توسع مؤلِّفُهُ في أمورٍ ليست من صميم مقصود التخريج؛ فكان يسوق الأسانيد كاملة، ويكرر ألفاظ الحديث عقب كل مخرج، ويفصل في شرح الغريب، والكلام على البلدان والأماكن، مما جعل الكتاب عظيم الفائدة، لكنه طويل الامتداد.

ومن هنا برز دور الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ)، إذ رأى حاجة العلماء إلى كتابٍ أخصر، يجمع فوائد البدر المنير مع مزيد تحريرٍ وتنقيح، فصنَّف كتابه الشهير: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ويُسمَّى أيضًا: التَّمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز، فاختصر مادة ابن الملقن، وهذّبها، وأضاف إليها فوائد وتعقبات وأحكامًا حديثية دقيقة، حتى صار كتابه من أهم كتب التخريج عند الفقهاء والمحدثين، واعتمد عليه كثير ممن جاء بعده في نقل الأحكام الحديثية وتحرير مسائل الاستدلال.

وهكذا يتجلّى لنا كيف خدم العلماء بعضهم بعضًا عبر القرون؛ فابن الملقن وضع الأساس الموسوعي الكبير، ثم جاء ابن حجر فهذّبه وقرّبه، فبقي العلمان شاهدين على عظمة المدرسة الحديثية في خدمة الفقه الإسلامي، وربط الأحكام بأدلتها، وتمييز الصحيح من الضعيف بمنهج علمي رصين.





الاثنين، 18 مايو 2026

الرِّوايات .. نظرة متوازنة!

 الرِّوايات .. نظرة متوازنة!

لا يخفى على أحد ذلك الانتشار الواسع للروايات في المجتمعات الغربية، ثم انتقال هذا الاهتمام خلال العقود الأخيرة إلى العالم العربي، ولا سيما دول الخليج العربي، حتى غدت الرواية عند بعض الناس جزءًا من المشهد الثقافي المصاحب لمعارض الكتب والمناسبات الأدبية، بل تحولت أحيانًا إلى نوع من الوجاهة الاجتماعية أو "البريستيج الثقافي".

وأصبح بعض مَن لا يملك عادة القراءة يقتني الروايات أو يتحدث عنها على سبيل التجمّل الثقافي أكثر من كونها ممارسة معرفية حقيقية، ولم تعد الرواية اليوم مجرد كتاب يُقرأ، بل أصبحت حاضرة في المقاهي، ومنصات التواصل، والحوارات اليومية، حتى أضحت من أبرز مظاهر الثقافة المعاصرة وأشدها حضورًا في حياة الجيل الجديد.

لكن يبقى السؤال المهم: هل قراءة الروايات أمر نافع فعلًا، أم أنها مجرد مضيعة للوقت؟

لا أخفيكم سرًا .. كنتُ لفترة طويلة أميل إلى الرأي الأخير، بل كنت أرى أن الروايات قد تتحول إلى شرٍّ على المجتمعات، غير أني لم أكن أُظهر هذا الرأي أو أنشره؛ لأنني في تلك المرحلة لم أكن قد خضت تجربة قراءة الروايات بنفسي، وكنت أستحضر القاعدة العلمية المعروفة: «الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره»، فلا يصح للإنسان أن يُصدر حكمًا عامًا على أمر لم يختبره أو يتصوره تصورًا صحيحًا.

وبعد الانتهاء من مرحلة الدكتوراه، وإنجاز عدد من الأبحاث التخصصية والمؤلفات، بدأت أطرق باب الروايات، وأقرأ شيئًا من الأعمال المشهورة والمتنوعة، فوجدت أن الصورة ليست سوداء بالكامل كما كنت أظن، ولا بيضاء بالكامل كما يظن بعضهم، بل إن للروايات جوانب إيجابية معتبرة، وأخرى سلبية لا ينبغي التغافل عنها.

فالرواية ليست مجرد قصة للتسلية، بل هي في كثير من الأحيان نافذة على الإنسان والمجتمع والتاريخ، استطاعت بعض الأمم من خلال الرواية أن تنقل ثقافتها إلى العالم، وأن تُعرّف الآخرين بمدنها، وعاداتها، وتحولاتها الفكرية، والاجتماعية، ولهذا نجد أن بعض الروايات تبقى حيّة لعشرات السنين؛ لأنها لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تُعبّر عن هموم البشر وأسئلتهم وصراعاتهم، وتُقدّم صورة عميقة للنفس الإنسانية.

ومن هنا لا يصح النظر إلى الروايات كلها نظرة واحدة؛ فكما أن الكتب العلمية منها النافع والضعيف، فكذلك الروايات.

* * *

من أبرز الفوائد التي وجدتها في بعض الروايات:

-تنمية عنصر التشويق والقدرة على المتابعة والتركيز.

- رفع مستوى الذائقة الأدبية واللغوية.

- توسيع الخيال وتنمية التصور الذهني.

- اكتساب معلومات تاريخية وجغرافية بطريقة سلسة وممتعة.

- الاطلاع على أحوال الشعوب والمجتمعات ودقائق طبائع الناس.

- تنمية القدرة على فهم الشخصيات وتحليل السلوك.

- ترويض النفس على القراءة والاستمرار فيها، خصوصًا لمن لا يألف الكتب العلمية الثقيلة.

وبعض الروايات الناجحة تستطيع أن تنقل القارئ إلى بيئات وثقافات وتجارب إنسانية متنوعة بأسلوب مؤثر، حتى يشعر وكأنه يعيش تلك الأحداث بنفسه، وهذا مما يوسع المدارك ويزيد الخبرة بالحياة والناس.

بل إن بعض الروايات التاريخية الراقية قد تدفع القارئ إلى الرجوع للمصادر الأصلية، والبحث في مصادر التاريخ والفكر والسياسة والاجتماع، فتكون مدخلًا معرفيًا جيدًا إذا أُحسن اختيارها.

* * *

لكن في المقابل، ليست كل الروايات ذات قيمة، بل إن كثيرًا منها -إن لم يكن الأكثر- يشتمل على مخالفات عقدية وأخلاقية وسلوكية، تُقدَّم أحيانًا بصورة جذابة وناعمة، حتى لا يشعر القارئ بخطرها إلا بعد التأثر بها.

فمن أبرز هذه السلبيات:

- التوسع في وصف العلاقات المحرمة والعشق والفواحش.

- الترويج للسحر والشعوذة والخرافات.

- تمرير الإلحاد أو التشكيك في الدين والثوابت.

- تطبيع بعض السلوكيات المخالفة للفطرة والقيم.

- تمجيد التمرد والانفلات الأخلاقي تحت شعار "الحرية".

- صناعة صورة سلبية عن التدين أو الأسرة أو القيم المحافظة.

- إضاعة الأوقات الطويلة فيما لا يعود بالنفع الحقيقي.

والأخطر من ذلك أن بعض الروايات لا تُقدِّم هذه الأفكار بصورة مباشرة، بل تُمررها عبر شخصيات محبوبة، أو أحداث مؤثرة، أو سياقات إنسانية تجعل القارئ يتقبلها تدريجيًا دون انتباه، خصوصًا إذا كان صغير السن أو ضعيف الحصانة الفكرية.

ولهذا فالرواية ليست مادة بريئة دائمًا، بل قد تكون أداة تشكيل فكري وثقافي عميقة التأثير، ولهذا تهتم بها كثير من المدارس الفكرية ودور النشر والإنتاج الفني.

فالذي يجعل الروايات عالمه الوحيد، ويهجر القراءة الجادة والعلم النافع، قد يخسر كثيرًا من عمره وطاقته الذهنية، أما من جعلها ضمن قدر معتدل، وانتقى منها ما يفيده، فقد يجد فيها متعة وفائدة معًا.

فالمشكلة ليست في "الرواية" نفسها بقدر ما هي في نوع المقروء، وطريقة التلقي، ووعي القارئ.

* * *

لذلك أرى أن قراءة الروايات قد تكون نافعة إذا التزم القارئ بعدد من الضوابط المهمة، منها:

أولًا: الحصانة العقدية والفكرية: فليس كل قارئ قادرًا على التمييز بين ما يُقبل وما يُرفض، وبعض الأعمال تحمل رسائل فكرية خفية تحتاج إلى وعي ونضج يحولان دون التأثر بالتغريب أو الشبهات الفكرية.

ثانيًا: تقديم العلم النافع: ينبغي للشاب خاصة أن يجعل صفوة عمره وقوة ذهنه في تحصيل العلم النافع، وفي مقدمة ذلك علوم الشريعة الإسلامية وما يبني العقل والإيمان، لا أن تُستهلك سنواته الأولى في القراءة الترفيهية وحدها، ومن الخطأ أن يعرف الإنسان تفاصيل الروايات العالمية، بينما يجهل أساسيات دينه، أو لا يقرأ في العلم والفكر والتاريخ قراءة جادة.

ثالثًا: معرفة توجه الكاتب: فالكُتّاب ليسوا سواء:

- فمنهم من يكتب لنشر الرذيلة أو كسر القيم.

- ومنهم من يهدف إلى التشكيك في الثوابت والدين.

- ومنهم من لا يعنيه إلا الربح التجاري وبيع المؤلفات.

- ومنهم من يحمل رسالة معرفية أو إنسانية نافعة، ويسلط الضوء على زوايا خفية من النفس البشرية أو المجتمعات المنسية.

ولهذا فاختيار الرواية والكاتب ليس أمرًا هامشيًا، بل هو جزء يتشكل منه وعي القارئ يصعب اقتلاعه مستقبلا.

رابعًا: الاعتدال وعدم الإغراق: فبعض الناس ينتقل من رواية إلى أخرى حتى تصبح القراءة هروبًا من الواقع أو إدمانًا ذهنيًا يستهلك الوقت والمشاعر، بينما المقصود من القراءة أن تبني الإنسان لا أن تعزله عن حياته ومسؤولياته.

* * *

في النهاية .. الروايات كغيرها من الوسائل: منها النافع ومنها الضار، والعاقل ليس من يرفض الباب كله، ولا من يفتحه بلا ضابط، وإنما من يقرأ بوعي، وينتقي بعقل، ويحفظ قلبه وفكره ودينه.

ودعني أهمس في أذنك همسة أخيرة .. "لو عكفتَ على القرآن والأحاديث النبوية وكتب العلم الشرعي فلن يضرَّكَ ما فاتك من الروايات!".

السبت، 16 مايو 2026

الوَقْف.. صدقةٌ لا ينقطع أثرها

 

الوَقْف.. صدقةٌ لا ينقطع أثرها

 


من أعظم أبواب الخير التي دلّ عليها الإسلام، وأبقى أثرها في حياة الناس وبعد الممات: الوقف، وهو من صور الصدقة الجارية التي يمتد نفعها، وتتواصل حسناتها، حتى بعد وفاة صاحبها. ولذلك اعتنى به المسلمون عبر تاريخهم، فكانت الأوقاف سببًا في بناء المساجد، ورعاية الفقراء، ونشر العلم، وكفالة المحتاجين، حتى قامت حضارة كاملة على روح الوقف والبذل.

معنى الوقف:

الوقف في الشريعة هو: حبس عينٍ يمكن الانتفاع بها مع بقاء أصلها، تقرّبًا إلى الله تعالى، ومعناه كما يعبّر الفقهاء: حبس الأصل وتسبيل الثمرة.

فمن أوقف بيتًا مثلًا، بقي أصل البيت محفوظًا، بينما تُصرف أجرته في وجوه الخير، كالفقراء، أو طباعة الكتب النافعة، أو دعم المساجد، أو غير ذلك من أعمال البر.

ولهذا كان الوقف من أعظم صور العطاء؛ لأنه لا يقتصر على نفعٍ مؤقت، بل يبقى أثره مستمرًا ومتجددًا.

مشروعية الوقف وفضله:

الوقف من الأعمال المستحبة التي حثّ عليها الشرع، ودلت عليها السنة النبوية.

فقد ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضًا بخيبر، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:

«يا رسول الله، أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث».

فكان هذا أصلًا عظيمًا في مشروعية الوقف.

وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.

وقد فسّر العلماء الصدقة الجارية بأنها الوقف؛ لأن نفعه يستمر ويتجدد مع مرور الزمن.

أحكام مهمة تتعلق بالوقف:

وللوقف أحكام وضوابط تحفظ مقصوده الشرعي، ومن أهمها:

أولًا: أهلية الواقف: يشترط أن يكون الواقف جائز التصرف، عاقلًا، بالغًا، حرًّا، رشيدًا؛ لأن الوقف تصرف مالي يحتاج إلى أهلية معتبرة.

ثانيًا: أن يكون الوقف مما يبقى أصله: فلا يصح وقف ما يستهلك مباشرة، بل لا بد أن يكون الشيء الموقوف مما ينتفع به مع بقاء عينه، كالعقار، والأرض، والمكتبة، ونحوها.

ثالثًا: أن يكون الوقف في وجوه البر: فالوقف عبادة وقربة، ولذلك لا يجوز أن يكون على أمر محرم، أو على ما فيه إعانة على المعصية، بل يكون في أبواب الخير؛ كبناء المساجد، وكفالة المحتاجين، ونشر العلم.

رابعًا: مراعاة مصلحة الوقف: إذا تعطلت منفعة الوقف، ولم يعد الانتفاع به ممكنًا، فإنه يُباع، ويصرف ثمنه في مثله؛ تحقيقًا لمقصود الواقف، وحفاظًا على استمرار النفع.

خامسًا: أن الوقف عقد لازم: فإذا تم الوقف لم يجز الرجوع فيه أو بيعه؛ لأنه خرج من ملك صاحبه لله تعالى.

سادسًا: تعيين الموقوف: فلا بد أن يكون الشيء الموقوف معلومًا محددًا، فلا يصح وقف المجهول أو غير المعين.

سابعًا: أن يكون الوقف مُنَجَّزًا: فالأصل أن يكون الوقف نافذًا مباشرة، لا معلقًا على أمر مستقبل، إلا إذا عُلِّق على الموت، فيأخذ حكم الوصية.

ثامنًا: وجوب العمل بشرط الواقف: إذا اشترط الواقف شروطًا لا تخالف الشرع، وجب الالتزام بها؛ لأن «شرط الواقف كنص الشارع» في مراعاة المقصود وعدم مخالفته.

تاسعًا: العدل بين الأولاد: إذا أوقف الإنسان على أولاده، فإن الذكور والإناث يستوون فيه، إلا إذا وُجد مسوغ شرعي معتبر.

* * *

الوقف.. حضارة إسلامية متجددة، ولم يكن الوقف في تاريخ المسلمين مجرد تصرف فردي، بل كان مؤسسة حضارية عظيمة، قامت عليها المدارس، والمكتبات، والمستشفيات، ودور الأيتام، وطرق المسافرين، حتى إن كثيرًا من العلماء وطلاب العلم عاشوا وتعلموا ببركة الأوقاف.

وما أحوج المسلمين اليوم إلى إحياء هذا الباب العظيم، لا سيما في دعم العلم الشرعي، وطباعة الكتب النافعة، ورعاية المحتاجين، والمشروعات التعليمية والتربوية، ليبقى أثر الإنسان ممتدًا بعد رحيله.

.. فالوقف ليس مالًا يُحبس، بل هو عمرٌ يُمدّ، وأجرٌ يتجدد، وحسنات تبقى ما بقي نفعها.

الاثنين، 11 مايو 2026

اللُّقَطَةُ في الإسلام .. معناها وأحكامها

 

اللُّقَطَةُ في الإسلام .. معناها وأحكامها

 


جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الأموال وصيانة حقوق الناس، ومن ذلك ما يتعلق بـ«اللُّقَطة»، وهي الأموال أو المقتنيات التي يجدها الإنسان ضائعة لا يُعرف صاحبها، فجعلت الشريعة لها أحكامًا دقيقة توازن بين حفظ حق المالك، ومنع ضياع المال، وتحقيق الأمانة بين الناس.

معنى اللقطة:

اللُّقَطة في اللغة: الشيء الملتقط الذي يجده الإنسان فيأخذه.

أما في الاصطلاح الشرعي: فهي أخذ مال محترم ضائع بقصد حفظه لصاحبه، أو تملكه بعد التعريف به المدة المقررة شرعًا.

وقد ثبت أصل أحكام اللقطة في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فبيّن كيفية التعامل معها، وأمر بحفظ أوصافها والتعريف بها سنة كاملة، ثم الانتفاع بها مع بقاء حق صاحبها متى جاء يطلبها.

أقسام اللقطة:

تنقسم اللقطة إلى عدة أقسام، ولكل قسم حكمه:

أولًا: الأشياء اليسيرة التي لا يهتم الناس بفقدها

كالعصا، والسوط، والرغيف، والثمرة ونحو ذلك.

فهذه يجوز أخذها والانتفاع بها دون حاجة إلى تعريف؛ لأن الناس غالبًا لا يحرصون على المطالبة بها.

ثانيًا: ما يمتنع بنفسه من الحيوانات

كالإبل والخيل والبقر والبغال، فهذه لا يجوز التقاطها؛ لأنها قادرة على حماية نفسها والوصول إلى الماء والطعام حتى يجدها صاحبها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الإبل:

«مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها».

ثالثًا: ما يحتاج إلى حفظ وتعريف

كالنقود، والذهب، والفضة، والأمتعة، وكذلك الحيوانات الضعيفة كالغنم والدجاج.

فهذه يجوز التقاطها لمن كان أمينًا قادرًا على التعريف بها وحفظها.

أحكام مهمة تتعلق باللقطة:

1- التصرف في الحيوان المأكول: إذا كانت اللقطة حيوانًا يؤكل، كالغنم، فإن ملتقطه مخير بين:

أ- حفظه والإنفاق عليه، وأخذ النفقة من صاحبها بعد ذلك.

ب- أو بيعه والاحتفاظ بثمنه.

جـ- أو أكله مع ضمان قيمته لصاحبه إذا ظهر.

فإن جاء صاحبه قبل التصرف فيه فله أخذه.

2- الأشياء سريعة التلف: كالخضروات والفواكه، فيجوز للملتقط أن يأكلها أو يبيعها، ثم يحتفظ بقيمتها لصاحبها.

3- وجوب حفظ الأموال والأمتعة: فالنقود والأواني والمتاع يجب حفظها أمانة، مع التعريف بها في الأماكن التي يجتمع فيها الناس.

4- لا يجوز أخذ اللقطة إلا لمن يقدر على الأمانة: فمن خشي على نفسه التفريط أو العجز عن التعريف بها فلا يجوز له أخذها؛ لأن التعريف واجب شرعًا.

ويجب على الملتقط أن يحفظ أوصاف اللقطة بدقة، ثم يعرّف بها سنة كاملة، فإذا جاء صاحبها ووصفها وصفًا مطابقًا دُفعت إليه.

5- تملك اللقطة بعد التعريف: إذا مضت سنة كاملة ولم يظهر صاحبها، جاز للملتقط أن يتملكها، لكن مع بقاء حق صاحبها متى جاء ووصفها وصفًا صحيحًا.

6- لقطة الصبي والسفيه: إذا وجد الصبي أو السفيه لقطة، فإن ولي أمره هو الذي يتولى حفظها والتعريف بها والتصرف فيها وفق الأحكام السابقة.

7- لقطة الحرم: أما لقطة الحرم المكي فلها خصوصية؛ إذ لا يجوز تملكها أبدًا، بل يجب التعريف بها دائمًا حتى يُعثر على صاحبها.

خاتمة:

تظهر أحكام اللقطة جانبًا عظيمًا من عناية الإسلام بحفظ الحقوق والأموال، وترسيخ قيم الأمانة والعدل بين الناس. فالمسلم لا ينظر إلى المال الضائع على أنه غنيمة، بل أمانة يجب حفظها وردها إلى أهلها، ولذلك جاءت هذه الأحكام التفصيلية حمايةً للأموال، وصيانةً للمجتمع من الفوضى والاعتداء على حقوق الآخرين.