الجمعة، 19 يونيو 2026

قصة التقويم الهجري

 

قصة التقويم الهجري


مع إطلالة السنة الهجرية الجديدة [1448هـ] يتجدد على ألسنة المسلمين ذكر التاريخ الهجري، وتُكتب تواريخه في الرسائل والوثائق والمناسبات، لكن قلَّ من يتساءل: كيف بدأ هذا التقويم؟ ولماذا اختيرت الهجرة النبوية مبدأً له؟ وهل كان للعرب قبل الإسلام تاريخٌ ثابت يؤرخون به سنواتهم؟

إن قصة التقويم الهجري ليست مجرد أرقام تُتداول بين الناس، بل هي صفحة مشرقة من تاريخ هذه الأمة، تكشف جانبًا من حكمة الصحابة رضي الله عنهم في تنظيم شؤون المسلمين، وربط تاريخهم بأعظم حدثٍ غيَّر مجرى الإسلام، وهو هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة .. وفي هذه المقالة نتتبع نشأة هذا التقويم المبارك وتطوره حتى استقر على الصورة التي نعرفها اليوم.

* * *

كانت العرب قبل الإسلام يعرفون التقويم القمري، وكانت سَنَتُهم تتكوّن من اثني عشر شهرًا قمريًا تُحدَّد برؤية الهلال، وقيل إن أول من جمع أسماء الشهور على أسمائها المعروفة كعب بن مُرَّة الجدّ الخامس للرسول ﷺ، منها أربعة أشهر حرمًا يمتنعون فيها عن القتال لتأمين الحج والتجارة والأسواق، لكنهم لم يلتزموا بتثبيت هذه الأشهر؛ إذ كانوا يلجؤون إلى تأخير بعض الأشهر الحرم أو تبديلها بغيرها لموافقة مصالحهم مما أدى إلى اضطراب التقويم واختلاف أسماء الشهور أحيانًا، وتُسمى هذه العملية "النَّسيء" أي: التأجيل، ولم يكن ذلك القرار يُتَّخذُ جزافًا كيفما اتفق، لكن كان هناك أشخاص مكلفون بهذا العمل يُطلق عليهم النَّسَأة، أو الَقلامِس؛ أي: المتبحرون في معرفة أمر النسيء ومواقيت العرب، في ذلك يقول عُمير بنُ قَيْسِ بنِ جِذْلِ الطِّعان مفتخراً بهذا "التلاعب":

ألَسْنا النَّاسِئينَ عَلَى مَعَدٍّ  //  شُهُورَ الحِلّ نجْعلُها حَرامَا

وقد أبطل الإسلام هذا النظام في السنة العاشرة للهجرة، حيث وقف النبي ﷺ في حجة الوداع فقال: "إنَّ الزَّمانَ قدِ استَدارَ كهَيئةِ يَومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ؛ السَّنةُ اثنا عَشَرَ شَهرًا، مِنها أربَعةٌ حُرُمٌ، ثَلاثةٌ مُتَوالياتٌ: ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشَعبانَ". [متفق عليه]، فعادت الشهور إلى مواضعها كما خلقها الله تعالى.

أما في التأريخ أعني السنوات، فلم يكن للعرب قبل الإسلام مبدأ موحّد يؤرخون به، بل كانوا ينسبون الأحداث إلى الوقائع السنوية الكبرى المشهورة، مثل عام الفيل، وحرب الفِجار، وتجديد بناء الكعبة، وأيام العرب كحرب البسوس وداحس والغبراء، ولذلك لم يكن التقويم الجاهلي نظامًا زمنيًا دقيقًا ومستقرًا يُعتمد عليه في تسجيل الأحداث، بل اختلف باختلاف القبائل والمناطق، حتى جاء الإسلام فوضع لاحقًا التقويم الهجري على أساس ثابت ومنتظم.

وعقِب قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ، ظلت السنة القمرية بالأشهر الهجرية المعروفة، إلا أنه لم يعيَّن للسنين مبدأ ثابت تنطلق منه؛ وذكر بعض أهل السير والتاريخ أن السنوات في العهد النبوي كانت تُعرف بأسماء الحوادث البارزة فيها، مثل:

السنة الأولى: سنة الإذن؛ أي الإذن بالهجرة من مكة إلى المدينة.

الثانية: سنة الأمر؛ أي الأمر بقتال المشركين.

الثالثة: سنة التمحيص؛ أي تكفير الذنوب عقب غزوة أُحد لقوله تعالى: ﴿وليمحِّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾.

الرابعة: سنة التَّرْفِئَة، ومعناها الاتّفاق وجمع الشَّمل من رفأ بين القوم : إذا أصلح بينهم.

الخامسة: سنة الزلزال، إشارة إلى ابتلاء المؤمنين وزلزالهم في غزوة الخندق.

السادسة: سنة الاستئناس؛ إشارة إلى الآية الكريمة ﴿لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها﴾.

السابعة: سنة الاسْتِغلاب، وكان فيها فتح خيبر والغلبة على اليهود.

الثامنة: سنة الاستواء، وهي سنة الفتح أيضًا، وفيها كان فتح مكة.

التاسعة: سنة البراءة؛ أي براءة الله ورسوله من المشركين يوم الحج الأكبر، أو البراءة من المتخلفين عن الجهاد يوم تبوك، وهي أيضًا سنة الوفود لقدوم أفواج العرب وفودًا معلنين إسلامهم.

العاشرة: سنة الوداع؛ أي سنة حجة الوداع.

ظل المسلمون في صدر الإسلام يسمّون السنوات بأسماء الأحداث البارزة، كما قيل: عام الطاعون لطاعون عمواس، وعام الرمادة للمجاعة المشهورة، غير أن هذا الأسلوب لم يكن كافيًا لضبط المكاتبات والمعاملات الرسمية، حتى كتب أبو موسى الأشعري والي البصرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً: «إنه تأتينا من أمير المؤمنين كتب ليس فيها تأريخ، فأَرِّخ»، فجمع عمر كبار الصحابة -وذلك في سنة ست عشرة أو سبع عشرة من الهجرة النبوية- للتشاور في وضع مبدأ ثابت للتأريخ الإسلامي.

فتعددت المقترحات؛ فمنهم من رأى التأريخ بمولد النبي ﷺ، ومنهم من اقترح بعثته، ولكن مولده ومبعثه لا يعرفان على وجه الدقة، وأما وقت وفاته ﷺ فهو وإن لم يختلف فيه، إلا أنَّ جعله أصلا يعد غير مستحسن عقلا؛ لتهييجه للحزن والأسف، ومنهم من أشار إلى الأخذ بتقويم الفرس أو الروم، ولكن الصحابة رأوا أن يكون للمسلمين تاريخ مستقل يميزهم عن غيرهم.

إلى أنْ استقر الرأي على ما أشار به علي بن أبي طالب رضي الله عنه من جعل الهجرة النبوية مبدأً للتاريخ الإسلامي؛ لأن الهجرة فرّقت بين مرحلتي الاستضعاف والتمكين، ولأن الهجرة غير مختلف فيها، ولكونه وقت استقامة ملة الإسلام، وتوالي الفتوح، وترادف الوفود واستيلاء المسلمين.

وعلى الرغم من أن الهجرة النبوية بدأت في أواخر شهر صفر، ووصل الرسول ﷺ مشارف المدينة يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول ثم دخل المدينة يوم الجمعة 12 من ربيع الأول، إلا أن الاختيار لبداية السنة الهجرية وقع على شهر "محرم" وليس في صفر أو ربيع الأول؛ لكون شهر محرم "شهر الله"، وفيه يكسى البيت، ويضرب الوَرِق -أي: النقود-، وفيه يرجع الحجاج إلى بلدانهم بعد الاجتماع العظيم في موسم الحج.

فاستقام التقويم الهجري منذ إقراره في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصبح التأريخ الرسمي للمسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم وأحداثهم، وظل متصلاً عبر القرون إلى يومنا هذا دون انقطاع.

وهو من أعظم منجزات الصحابة رضي الله عنهم في تنظيم شؤون الأمة وضبط تاريخها، فالحمد لله على تمام نعمته وكمال منّته، إذ حفظ للمسلمين تاريخهم وهويتهم، وربط تأريخهم بأعظم حدث في الإسلام، وهو هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة.

ولذلك لم يُبنَ التاريخ الإسلامي على مولد شخص أو وفاة ملك، وإنما بُني على حدثٍ غيَّر مجرى الأمة، وأقام دولة الإسلام، فكان التأريخ بالهجرة شاهدًا على ارتباط المسلمين بدينهم ورسالتهم.

الخميس، 18 يونيو 2026

سيرةُ إمامٍ وقصةُ كتابٍ

 

سيرةُ إمامٍ وقصةُ كتابٍ

إذا ذُكر الثبات على الحق، والصبر على المحنة، وسعة الرواية، والإمامة في السنة؛ برز اسم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ذلك الإمام الذي لم يكن مجرد فقيهٍ أو محدّث، بل كان مدرسةً علميةً متكاملة، ترك أثراً بالغاً في الفقه والحديث والعقيدة.

ومن أعظم آثاره العلمية كتابه الشهير: المسند، الذي يعد من أكبر دواوين السنة وأوسعها جمعاً للأحاديث.

أولاً: ترجمة الإمام أحمد بن حنبل:

هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الوائلي، أبو عبد الله، ولد سنة 164هـ ببغداد، ونشأ فيها طالباً للعلم، شديد الشغف بالحديث والرواية.

رحل في طلب العلم رحلات طويلة شملت العراق، والحجاز، واليمن، والشام، وخراسان، وفارس، وغيرها من الأقاليم، حتى صار إمام أهل الحديث في عصره.

وكان رحمه الله أسمر اللون، حسن الوجه، طويل القامة، يلبس البياض، ويخضب شعره ولحيته بالحناء.

محنة خلق القرآن:

اشتهر الإمام أحمد بثباته في محنة القول بخلق القرآن، حين تبنّى الخلفاء العباسيون هذا القول، فرفض الإمام الموافقة عليه، فسُجن وضُرب في عهد المعتصم، وبقي في السجن قرابة ثمانية وعشرين شهراً، حتى أطلق سنة 220هـ، ثم جاء عهد المتوكل، فأكرم الإمام أحمد، وقرّبه، وعظّم مكانته، حتى توفي سنة 241هـ وقد اجتمع الناس على إمامته وفضله.

ثانياً: مسند الإمام أحمد:

بدأ الإمام أحمد في جمع المسند تقريباً بعد سنة 200هـ، بعد رجوعه من رحلته إلى اليمن ولقائه بالإمام عبد الرزاق الصنعاني، وقد جمع فيه ما يقارب ثلاثين ألف حديث، انتقاها من مجموع ضخم قيل إنه تجاوز 750 ألف حديث.

لكن الإمام لم يُتم تهذيب كتابه النهائي؛ فقد كان يضيف ويحذف ويصحح حتى وفاته، فبقي الكتاب في أوراق وأجزاء متفرقة، ثم قام ابنه عبد الله بجمعه وترتيبه وإضافة بعض الروايات.

ولهذا قال الحافظ الذهبي: "لم يصنعه هو ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه".

منهج ترتيب المسند:

رتّب عبد الله بن أحمد الكتاب على أساس المسانيد؛ أي جمع أحاديث كل صحابي على حدة، مع مراعاة عدة اعتبارات، من أبرزها:

1- السبق إلى الإسلام: فبدأ بالعشرة المبشرين بالجنة، وقدم الخلفاء الأربعة.

2- شرف القرابة من النبي ﷺ: فذكر أهل البيت وبني هاشم، ثم ابن عباس وغيره.

3- كثرة الرواية: فقدّم المكثرين من الصحابة، مثل: أبو هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك رضي الله عنه.

4- الاعتبار الجغرافي: فرتب بعض المسانيد بحسب بلدان الصحابة؛ كالمكيين، ثم الشاميين، فالكوفيين، فالبصريين.

5- ختم بمسانيد الصحابيات، وقدم مسند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

ومع ذلك؛ فقد انتقد بعض العلماء ترتيب المسند؛ لوقوع اختلاط بين بعض المسانيد، وكثرة التكرار، ودخول بعض الروايات في غير مواضعها.

كم عدد أحاديث المسند؟

اختلف العلماء في عدد أحاديث المسند:

قيل: 30 ألف حديث، وقيل: 40 ألفاً مع زيادات عبد الله، وقيل: 50 ألفاً، وأقرب الأعداد: 27647 حديثاً، كما في طبعة الرسالة.

أما عدد الصحابة الذين روى لهم الإمام أحمد في المسند، فقد بلغ نحو 1056 صحابياً.

زوائد المسند ورُواته:

أضاف عبد الله بن أحمد روايات ليست من رواية أبيه، وبلغت قرابة 230 حديثاً.

أما ما أضافه أبو بكر القطيعي، فالأقرب أنه قليل جداً، وربما لا يتجاوز حديثاً واحداً على التحقيق.

وروى المسند عن الإمام أحمد: ابنه عبد الله، وابنه صالح، وابن عمه حنبل بن إسحاق.

لكن الرواية التي وصلت واشتهرت إنما كانت من طريق عبد الله بن أحمد، رواها عنه القطيعي.

درجة أحاديث المسند:

من أشهر الأسئلة: هل كل ما في المسند صحيح؟

اختلف العلماء في ذلك:

فمنهم من قال: كل ما فيه صحيح، ومنهم من قال: فيه الصحيح والحسن والضعيف، ومنهم من قال: فيه أحاديث ضعيفة جداً، لكنها قليلة، وذهب بعضهم إلى وجود أحاديث شديدة الضعف أو موضوعة.

وقال الذهبي: "فيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر".

وقد دافع الحافظ ابن حجر عن المسند في كتابه "القول المسدد"، وناقش الأحاديث المنتقدة حديثاً حديثاً.

لماذا روى الإمام أحمد أحاديث ضعيفة؟

هذه مسألة مهمة، فالإمام أحمد لم يكن يورد الحديث الضعيف عبثاً، بل لأسباب، منها:

1- يوردها للشواهد والمتابعات.

2- أو يوردها في الفضائل والمغازي دون العقائد والأحكام.

3- أو أن هذا الراوي الضعيف إنما هو ثقة عند أحمد ضعيف عند غيره.

4- أو أن الكتاب لم يكتمل تهذيبه النهائي فلو أمد الله في أجل الإمام أحمد لحذفها.

5- أو لأن الباب لا يوجد فيه إلا هذا الحديث الضعيف.

ما المقصود بالحديث الضعيف عند الإمام أحمد؟

هنا يقع الإشكال عند كثير من الناس، فمصطلح الضعيف عند الإمام أحمد أوسع من الاصطلاح المتأخر؛ إذ كان العلماء قبله يقسمون الحديث غالباً إلى: صحيح، وضعيف، وكان يدخل تحت "الضعيف" ما نسميه اليوم: الحسن، أو القريب من الحسن.

ولذلك قال ابن تيمية: "ومَن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف، الذي ليس بصحيح ولا حسن، فقد غلط عليه، ولكن كان في عُرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يُحتج به، وإلى ضعيف حسن ... فهذا وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً ويحتج به، ولهذا مثّل أحمد الحديث الضعيف الذي يُحتج به بحديث عمرو بن شعيب.

ثم قال: ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف، كحديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري وغيرهما، فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفا هو أرفع من كثير من الحسن، بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحا"[1].

* * *

وبعد هذا العرض الموجز نستطيع القول أن الإمام أحمد يعد مثالاً نادراً في الجمع بين سعة الرواية، ودقة العلم، والثبات على المبدأ، أما مسنده فليس مجرد كتاب حديث، بل مشروع علمي ضخم، يعكس حركة الرواية في القرن الثالث الهجري، ويكشف لنا كيف كانت تُبنى الموسوعات الحديثية الكبرى قبل اكتمال مناهج التصنيف والترتيب.

ورغم ما في المسند من تكرار أو تفاوت في درجات الروايات، فإنه يظل من أعظم دواوين السنة، وأوسعها أثراً، وأكثرها خدمةً لعلم الحديث.



[1] الفتاوى 25/18

الخميس، 11 يونيو 2026

أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (2)

 أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (2)

الْمَنْقُوصُونَ

30 - حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «إِنَّ أُنَاسًا يَدْعُونَ الْمَنْقُوصُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: «كَانَ أَحَدُهُمْ يُنْقِصُ طهُورَهُ، وَالْتِفَاتهِ فِي صَلَاتِهِ».

رجال الإسناد:

(أَبُو الْأَحْوَصِ): سلام بن سليم الحنفي مولاهم، الكوفي: ثقة متقن، صاحب حديث.

(آدَم بْن عَلِيٍّ): العجلي الشيباني: صدوق.

(ابْنُ عُمَرَ): عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، واستصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة.

دراسة الإسناد:

أثر موقوف، وإسناده حسن، وله حكم الرفع؛ لأنه إخبار عن أمر أخروي، لا يدرك إلا بالوحي، وابن عمر لا يروي عن بني إسرائيل.

تخريج الحديث:

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه[1].

شرح الحديث:

قوله: (إِنَّ أُنَاسًا يُدْعَوْنَ الْمَنْقُوصُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: يُعرفون بهذا الوصف؛ لأن أعمالهم كانت ناقصة غير تامة.

قوله: (كَانَ أَحَدُهُمْ يُنْقِصُ طهُورَهُ) أي: لا يُسبغ الوضوء ولا يُتمه، فيترك غسل بعض الأعضاء أو لا يأتي بالوضوء على وجهه الكامل.

وقوله: (والتفاته في صلاته) أي: يكثر الالتفات في الصلاة، فينقص خشوعها وكمالها، لأن الالتفات يذهب بخشوع المصلي ويُضعف إقباله على الله.

فالمقصود أن هؤلاء لم يتركوا الوضوء والصلاة بالكلية، وإنما نقصوا كمالهما وتمامهما، فاستحقوا أن يُوصفوا يوم القيامة بــ "المنقوصين"؛ لأنهم اعتادوا التهاون في إكمال عباداتهم.

وفي الأثر إشارة لطيفة إلى أن المؤمن لا يكتفي بأداء العبادة في الجملة، بل يحرص على إتمامها وإحسانها؛ فإن الله تعالى يحب من عبده الإتقان والإحسان، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.


[1] مصنف عبد الرزاق (3/ 96 ط التأصيل الثانية): 3868.


الأربعاء، 10 يونيو 2026

شرح البيقونية (22) الحديث المقلوب

 

المقلوب

21 - ........................... والَمقْلُوبُ قِسْمَانِ تَلا

22 - إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قِسْمُ … وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْمُ

يُعَدُّ هذا المبحث من الأنواع التي اعتنى بها المحدثون لكشف الأوهام والأخطاء التي تطرأ على الروايات، لما قد يترتب عليه من تغيير في الحكم على الحديث، وقد ذكر العلماء له صوراً متعددة، أشهرها: قلب الرواة، وقلب الإسناد للمتن، والقلب في المتن، ولكل صورة أمثلتها وأحكامها الخاصة.

المقلوب: هو الحديث الذي وقع تغيير في سنده أو متنه بإبدال لفظ بآخر، أو بتقديم وتأخير، ونحو ذلك.

ذكر الناظم أنه على قسمين:

1- قلب الرواة، وهو معنى قول الناظم: (إبدال راوٍ ما براوٍ)، مثاله:

كما لو قَلَبَ حديثاً عن: "عبد الله بن عمر العمري"، فيرويه عن: "عبيد الله بن عمر العمري"!

أو أن يقدم ويؤخر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه؛ "معاذ بن سعد"، بدل: "سعد بن معاذ"، أو: "مرة بن كعب"، بدل: "كعب بن مرة".

فإن كان الاسم لراوٍ واحدٍ لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه، أما إن كان صيَّره بالقلب رجلاً آخر، فلا يشكل على صحة الحديث إذا كانا ثقتين، أو ضَعْف الحديث إذا كانا ضعيفين، إنما يُشكل لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً كما في الأخوينِ في المثال السابق: (عبد الله: ضعيف، عبيد الله: ثقة) ، ويُعل بذلك الإسناد، فيكون الوصف بالقلب بسبب خطأ الراوي حكماً على الحديث بالضعف[1].

2- قلب الإسناد: وهو قول الناظم: (وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْمُ)، أي: أن يجعل الراوي متن هذا الحديث على إسناد آخر، ويجعل إسناده لمتن آخر.

مثاله: قال ابن أبي حاتم: "بلغني أن في كتاب الحسين: عن الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله؛ في قوله: {....}، وعلى أثره: الثوري، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم محشورون …فَدَخَلَ لعُمر بن شبّة إسناد حديث الأول، في متن حديث الثاني".

مثال آخر: ما أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير"[2]، وابن عدي في "الكامل"[3]، من حديث: أحمد بن خليد، عن يوسف بن يونس الأفطس -أخو أبي مسلم المستملي-، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت رَسُول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من عبيده، فيوقف بين يديه، فيسأله عن ‌جاهه كما يسأله عن ماله".

قال الطبراني: "لم يروه عن عبد الله بن دينار إلا سليمان بن بلال تفرد به يوسف بن يونس".

وقال ابن حبان عن يوسف بن يونس الأفطس: "يروي عن سليمان بن بلال ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد"، ثم أورد هذا الحديث من مناكيره، فقال عَقِبه: "وهذا لا أصل له من كلام النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

ولكن الدارقطني والخطيب البغدادي وثَّقا يوسف الأفطس ورجال الإسناد كلهم، وللحديث علة تفطن لها الدارقطني، فقال: "حدثني الحسن بن أحمد بن صالح الحافظ الحلبي أن هذا الحديث كان في كتاب أحمد بن خليد عن يوسف بن يونس [الأفطس]، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وقد دَرَسَ مَتْنُه، ودَرَسَ [أيضاً] إسناد الحديث الذي بعده، وبعدهُ هذا الكلام ، ‌فكتبه ‌بعض ‌الورَّاقين ‌عنه، ‌وألزق إسناد حديث سليمان بن بلال إلى هذا المتن" .

بهذا الشكل: [أحمد بن خليد عن يوسف بن يونس الأفطس، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت رَسُول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول ... [لا يوجد حديث] ...، ..... [لا يوجد إسناد] ..... إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من عبيده، فيوقف بين يديه، فيسأله عن ‌جاهه كما يسأله عن ماله]، فحذف الناسخُ (الورَّاق) الفراغات، وألصق الإسناد بالمتن الذي بعده.

يعني: أن الحديث [المتن] الذي رواه يوسف الأفطس بإسناده قد انمحى فلا يُعرف، كما أن إسناد الحديث الذي بعده قد انمحى فلا يُعرف.

فالخلاصة: أن هذا الحديث لا يُعرف إسناده -أعني: لا أصل له-، وأما الإسناد المذكور فليس لهذا الحديث كما بَـيـَّنَ الدارقطني.

3- قلب في المتن: وهذا النوع لم يذكره الناظم، أي: أن يقدم الراوي ويؤخر في بعض متن الحديث، ومثاله: حديث أبي هريرة عند مسلم، في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيه: "ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله": فهذا مما انقلب على بعض الرواة، وإنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".

تتمة: ويدخل في القلب ما يعرف بـــ :

أ- سرقة الحديث: بقصد الإغراب: كحديث مشهور عن "سالم عن ابن عمر"، فيجعله الراوي عمداً عن "نافع عن ابن عمر"، وممن كان يفعل ذلك من الرواة: "حماد بن عمرو النصيبي" ومثاله: حديث رواه حماد النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام".

فهذا حديث مقلوب؛ قلبه حماد النصيبي، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم في صحيحه.

مثال آخر: معاوية بن يحيى الصدفي أبو روح الدمشقي، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، قال عنه الساجي: ضعيف الحديث جدا، وكان اشترى كتابا للزهري من السوق فرواه عن الزهري!

مثال آخر: ما جاء في ترجمة أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، في "الكامل" لابن عدي، قال ابن عدي:

حدث عن الثقات بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث، حَدَّثَنَا مُحَمد بن عبدة بن حرب، حَدَّثَنا أحمد بن معاوية الباهلي، حَدَّثَنا ابن عياش، عن صفوان بن عَمْرو عن عَبد الرحمن بن جُبَير بن نفير عن كثير بن مرة الحضرمي، عن عَبد الله بن عَمْرو، قَال: قَال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، فمنزلي ومنزل إبراهيم يوم القيامة في الجنة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن بين خليلين.

قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بعبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش، وأحمد بن معاوية هذا سرقه من عَبد الوهاب

وسرقة الحديث قدح شديد في العدالة، يسقط الاعتداد بجميع رواية الموصوف بذلك.

ب- أو بقصد الاختبار: كما فعل أهل بغداد مع الإمام البخاري؛ إذ قلبوا له مائة حديث، وسألوه عنها امتحانا واختباراً لحفظه، فردها على ما كانت عليه قبل القلب، ولم يخطئ في واحد منها، فأذعنوا له بالحفظ.

إذاً فالأسباب الحاملة على القلب متنوعة:

أ- قصد الإغراب؛ ليرغب الناس في رواية حديثه، والأخذ عنه وهذا يعتبر جرحاً.

ب- قصد الامتحان، والتأكد من حفظ المحدِّث، وتمام ضبطه، ويشترط بيان الحقيقة في ذاك المجلس.

ج- الوقوع في الخطأ والغلط من غير قصد، والخطأ لا يسلم منه أحد حتى الثقات، لكن إذا كثر من الراوي كان جرحا.

وخلاصة القول: أن المقلوب من أنواع الحديث التي تدل على دقة المحدثين في نقد الروايات وتمحيصها، ومعرفة هذا النوع من أهم وسائل التمييز بين الروايات الصحيحة والمعلولة، وحفظ السنة النبوية من التحريف والوهم.


[1] تحرير علوم الحديث (2/ 1004).

[2] المعجم الصغير للطبراني (1/ 33) برقم: (18)

[3] الكامل في ضعفاء الرجال (8/ 514).

الاثنين، 8 يونيو 2026

شرح البيقونية (21) الحديث الشاذ

 

الشَّاذّ

21 - وما يخالف ثِقَةٌ بِهِ الَملا // فالشاذُّ .......................

يُعدُّ مبحث الحديث الشاذ من أدق أبواب علم الحديث؛ إذ لا يكفي في قبول الرواية عدالة الراوي وضبطه فقط، بل لا بد من سلامتها من مخالفة من هو أولى منه حفظًا أو عددًا، وقد اعتنى المحدثون بهذا الباب لتمييز الروايات المحفوظة من الشاذة؛ صيانةً للسنة النبوية، وإعمالًا لقواعد النقد والترجيح بين المرويات.

قوله: (وما يخالف ثقة به الملا) يعني: أن يخالف الراوي الثقةُ (الملأَ) أي: الجماعةَ من الثقات، أو مَن هو أوثق منه كما سيأتي.

تعريف الحديث الشاذ: هو ما رواه المقبولُ مخالفاً لمن هو أولى منه.

والمقبول هو: الراوي العدل الذي تمَّ ضبطُه، أو العدل الذي خفَّ ضبطُه.

والذي هو أولى منه: إما أن يكون راو أوثق منه، أو ثقتان فأكثر يُقدَّمون عليه بسبب كثرة العدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات.

فالمرجوح يقال له: "الشاذ"، والراجح يقال له: "المحفوظ".

قال الشافعي: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نَصٍّ، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم"، فقيّد الشاذ بقيدين: قيد المخالفة، وقيد الثقة.

إذاً هذا النوع يختص بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو المقبول لمن هو أولى منه، أما إذا خالف الضعيفُ الثقةَ، فالمعتمَد هو حديث الثقة بلا شك، ويسمى: "المعروف"، وأما حديث الضعيف فيسمى: "منكر"، وليس هذا مبحثه.

مكان الشذوذ:

1- إما في الإسناد: مثاله حديث: حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"[1].

حماد بن سلمة ثقة، لكنه تفرد بوصل هذا الحديث، قال أبو زرعة الرازي: "لا أعلم أحداً تابع حماداً على هذا"؛ فخالفه حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، فقالوا: عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث.

وهذه رواية مرسلة، و(حماد بن زيد، وابن عُلية، وعبد الوهاب)، كل واحد منهم أوثق من حماد بن سلمة، فكيف بهم مجتمعين؟!

لذلك حكم جماعة من الحفاظ بترجيح روايتهم المرسلة، إذاً رواية الجماعة (محفوظة) ورواية حماد بن سلمة (شاذة)[2].

2- أو في المتن: مثاله حديث: عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ"[3].

هذه رواية شاذة؛ عبد الواحد يخطئ في حديثه عن الأعمش، أما بقية الثقات إنما رووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قول.

أخرج البيهقي الرواية المحفوظة بإسناده من رواية: محمد بن إبراهيم، عن أبي صالح السمان قال: سمعت أبا هريرة يحدث مروان بن الحكم وهو على المدينة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين ركعتيه من الفجر وبين الصبح بضجعة على شقه الأيمن".

قال البيهقي: "وهذا أولى أن يكون محفوظا؛ لموافقته سائر الروايات عن عائشة[4] وابن عباس[5]"[6].

وخلاصة القول: إن الحديث الشاذ من المباحث الدقيقة التي تُظهر عمق منهج المحدثين في نقد الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها؛ إذ لم يكتفوا بعدالة الراوي وضبطه، بل نظروا في موافقته لمن هو أولى منه، وبمعرفة الشذوذ تتبين الروايات المحفوظة من المرجوحة، ويتجلى جانب من عناية الأئمة البالغة بحفظ السنة النبوية وصيانتها من الخطأ والوهم.



[1] أخرجه أحمد (6/ 144) والدارمي (2127) وأبو داود (2134) والترمذي في " الجامع " (1140) و " العلل " (1/ 448) والنسائي (3943) وابن ماجة (1971)

[2] انظر: تحرير علوم الحديث (2/ 1019).

[3] سنن أبي داود (2/ 443 ت الأرنؤوط): 1261، سنن الترمذي (1/ 474): 422.

[4] البخاري (1161)، ومسلم (743/ 133).

[5] السنن الكبير للبيهقي (5/ 470 ت التركي): 4949.

[6] السنن الكبير للبيهقي (5/ 472 ت التركي).