الدَّين
.. همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار
من أعظم ما ابتلي به الناس في هذا الزمن المعاصرة: التوسع في الدَّين بغير حاجة،
أو التساهل في حقوق الناس المالية؛ فالدَّين ليس مجرد التزام مالي، بل عبء نفسي، وهمٌّ
ملازم، ومسؤولية شرعية عظيمة قد تمتد آثارها إلى ما بعد الموت.
فكم من إنسان أثقل كاهله الدَّين، فأفسد راحته، وأشغل قلبه، وأثر في عبادته
وعلاقاته، حتى صار أسيرًا لهمِّ السداد والخوف من المطالبة، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر
الاستعاذة منه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ
وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».
لماذا كان الشرع شديدًا في
أمر الدَّين؟!
جاءت النصوص الشرعية محذرة من التساهل في الديون؛ لأنها حقوق للعباد مبنية
على الـمُشاحَّة، ولذلك عظّم الإسلام شأنها، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ
قال: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».
وثبت أن النبي ﷺ امتنع أول الأمر عن الصلاة على بعض المدينين حتى يتحمل
أحدٌ سداد ديونهم، كما في قصة أبي قتادة رضي الله عنه؛ وذلك زجرًا للأمة عن الاستهانة
بحقوق الناس.
قال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه كُنَّا جُلوسًا عِندَ النَّبيِّ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ أُتيَ بجَنازةٍ، ... فقالوا: صَلِّ عليها، قال: هل
تَرَكَ شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دَينٌ؟ قالوا: ثَلاثةُ
دَنانيرَ، قال: صَلُّوا على صاحِبِكُم، قال أبو قَتادةَ: صَلِّ
عليه يا رَسولَ اللهِ، وعليَّ دَينُه، فصَلَّى عليه.
وفي حديث سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لأهل رجلٍ مات وعليه دَين:
«إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي مَاتَ فِيكُمْ قَدِ احْتَبَسَ عَنِ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ
الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ
إِلَى عَذَابِ اللَّهِ».
بل حتى منزلة الشهيد العظيمة لم تسقط الدَّين عنه، ففي صحيح مسلم: «يُغْفَرُ
لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ».
أنَّ رجلًا جاء إلى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
فقال: ما لِـيَ يا رسولَ اللهِ إن قُتِلْتُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «الْجَنَّةُ»
فلمَّا وَلَّى قال: «إِلَّا الدَّيْنَ، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
آنِفًا».
كيف يتعامل المسلم مع الدَّين؟
الأصل أن المسلم لا يدخل في الدَّين إلا لحاجة، فإذا استدان وجب عليه
أن يعزم على الوفاء، ويسارع في السداد، ويحذر من المماطلة والتسويف، قال ﷺ: «مَطْلُ
الْغَنِيِّ ظُلْمٌ».
وفي المقابل، مَن صدقت نيته في السداد أعانه الله ووفقه أو يقضى حق
صاحب الدين في الآخرة، قال ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا،
أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّهُ».
(أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ) أي: يسَّرَ اللهُ له ذلك بإعانته
وتوسيع رزقه، ومَن نوى الوفاء ومات قبله لعسر أو فجأة لا يأخذ رَبُّ العالمين من
حسناته في الآخرة، بل يُرضى اللهُ صاحبَ الدَّين، (وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ
إِتْلَافَهَا) أتلف اللهُ أموالَه فِي الدُّنْيَا بِكَثْرَة المحن والمغارم
والمصائب ومحق الْبركَة، وَفِي الْآخِرَة بِالْعَذَابِ[1].
ومن أعظم ما يُستعان به بعد الأخذ بالأسباب الدعاء، ومن الأدعية العظيمة
في هذا الباب ما علّمه النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ
عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».
ماذا لو مات الإنسان وعليه
دَين؟
إذا مات المسلم وعليه حقوق للناس، فإن الديون تُقضى من تركته قبل توزيع
الميراث؛ لأن حق الغرماء مقدم على حق الورثة، فإن كانت له تركة، سُددت منها جميع الديون.
أما إذا لم يترك مالًا، أو كانت التركة لا تكفي، فلا يجب على الورثة السداد
من أموالهم الخاصة، لكن يستحب لهم ذلك، وهو من أعظم البر بالميت؛ لأن ذمته تبقى مشغولة
بالدَّين حتى يُقضى عنه، كما يمكن للورثة أن يتعاونوا في السداد، ولو على دفعات وأقساط
بحسب قدرتهم، إبراءً لذمة الميت وإحسانًا إليه بعد موته.
وأما مَن مات وعليه دين كان ينوي سداده، ولم يترك مالاً، ولم يسدد
عنه الورثة، فإن الله تعالى بمنّه وكرمه يُرضي غريمَه يوم القيامة كما مرَّ في الحديث
السابق.
إذاً .. فالدَّين ليس أمرًا هيّنًا كما يتصوره كثير من الناس، بل هو باب
يحتاج إلى فقهٍ وحذرٍ وحسن تقدير، والمؤمن العاقل لا يجعل نفسه أسيرًا للديون، ولا
يستخف بحقوق الناس، بل يوازن بين حاجته وقدرته، ويجعل السداد والوفاء من أولوياته،
فكم من دَينٍ بدأ يسيرًا، ثم تحول إلى همٍّ دائم، وكم من وفاءٍ بالحقوق كان سببًا في
راحة القلب وبركة الحياة.


