الجمعة، 11 سبتمبر 2026

الإيثار.. خُلُقٌ يحرّر النفس من الشُّح

الإيثار.. خُلُقٌ يحرّر النفس من الشُّح

 

من أعظم الأخلاق التي جاء الإسلام بتربيتها في النفوس خُلُق الإيثار؛ ذلك الخُلُق الذي يرتقي بالإنسان من أسر الأنانية والاستئثار إلى رحابة البذل والمواساة، فيرى حاجة أخيه، ويقدِّمها أحيانًا على حاجة نفسه، طلبًا لما عند الله تعالى.

وقد أحسن الإمام القرطبي في بيان حقيقته فقال: «الإيثار: هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبةً في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة».

فالإيثار ليس مجرد كرمٍ بالمال، بل هو ثمرة قوة اليقين بالله، وصدق المحبة، والقدرة على مخالفة شُحِّ النفس؛ إذ الأصل في النفوس أن تطلب حظوظها وتحافظ على مصالحها، فإذا آثر المرء غيره بشيء يحتاج إليه، رجاء ثواب الله، فقد بلغ منزلة رفيعة من مكارم الأخلاق.

ولهذا أثنى الله تعالى على الأنصار بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

الأشعريون.. الإيثار خُلُق جماعة

ومن أجمل الصور النبوية التي تجسد معنى التكافل والإيثار ما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» رواه مسلم.

إنها صورة بديعة لمجتمع لا يقول فيه الإنسان عند الشدة: هذا مالي، وهذا طعامي، وهذه حاجتي؛ وإنما يجمع الجميع ما بقي في أيديهم، ثم يتقاسمونه بالسوية، ولعظمة هذا الخُلُق قال فيهم النبي ﷺ: «فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ».

ليلةٌ خلَّد القرآنُ إيثارَ أصحابها

ومن أبلغ مشاهد الإيثار ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتى النبي ﷺ محتاجًا إلى الطعام، فبعث النبي ﷺ إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَضُمُّ ـ أَوْ يُضِيفُ ـ هَذَا؟» فقام رجل من الأنصار وقال: أنا، فلما ذهب به إلى بيته، قالت زوجته: ما عندنا إلا قوت صبياني! فقال لها: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً.

فلما حضر الطعام، أطفآ السراج، وأوهما الضيف أنهما يأكلان معه، حتى يأكل ويشبع، وباتا هما طاويين.

فلما أصبح الأنصاري وغدا إلى رسول الله ﷺ قال له: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ ـ أَوْ: عَجِبَ ـ مِنْ فَعَالِكُمَا».

وأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

وهنا تتجلى حقيقة الإيثار بأوضح صورها؛ فلم يكن عندهما فائض من الطعام، بل كانت بهما وبأولادهما حاجة إليه، ومع ذلك قدَّما ضيف رسول الله ﷺ على أنفسهما.

فالإيثار الحقيقي لا يظهر عند كثرة الفائض فحسب، وإنما تظهر منزلته حين يعطي الإنسان وهو محتاج إلى ما يعطي.

تمرةٌ كانت سببًا في دخول الجنة

ولا يقتصر الإيثار على الرجال، ولا على المواقف العظيمة التي يراها الناس؛ فقد يكون في شيء يسير لا يلتفت إليه أحد، ولكنه عند الله عظيم؛ روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا».

فأعجب عائشة رضي الله عنها صنيعها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» رواه مسلم.

تأمل: نصفا تمرة!

لم يكن الذي بذلته مالًا كثيرًا، وإنما آثرت ابنتيها بلقمة كانت قد رفعتها إلى فمها، فنظر الله إلى ما في قلبها من رحمة وإيثار، فكان الجزاء عظيمًا، وهكذا تُوزن الأعمال عند الله بما يقوم في القلوب من صدق وإخلاص، لا بمجرد أحجامها في أعين الناس.

سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف

وحين هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، ظهرت ثمرة التربية النبوية في مجتمع الصحابة ظهورًا عجيبًا؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ آخى بين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وسعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه.

وكان سعد من أهل المال، وعنده امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله!

فما كان جواب عبد الرحمن رضي الله عنه؟

قال: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ»، فهذا مشهد يجمع فضيلتين عظيمتين: إيثار سعد، وعفة عبد الرحمن.

عائشة تؤثر عمر رضي الله عنهما

ولم يكن الإيثار متعلقًا بالطعام والمال وحدهما، بل قد يكون فيما هو أحب إلى النفس من ذلك.

لما طُعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي لحظات موته أرسل ابنه عبد الله إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها أن يُدفن إلى جوار رسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه.

وكانت عائشة رضي الله عنها ترغب في هذا الموضع لنفسها، فلما بلغتها رغبة عمر قالت: «كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي» رواه البخاري.

وأي شيء أعظم على النفس من أن يتنازل الإنسان عن أمر ظل يرجوه لنفسه سنوات طويلة ولا يمكن تعويضه؟! لكنها مدرسة الصحابة؛ حيث تجاوز الإيثار الطعام والمال إلى أعز الأمنيات وأحبها إلى النفس.

 

والنبي ﷺ أعظم الناس إيثارًا

وإذا كان الصحابة قد بلغوا هذه المنزلة، فإن معلمهم وقدوتهم في ذلك هو رسول الله ﷺ.

روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ بِبُردة، وقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها ولبسها.

فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه، فاكسنيها.

فقال ﷺ: «نَعَمْ».

فلما قام النبي ﷺ لامَهُ الصحابةُ، وقالوا له: رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجًا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه!

فقال الرجل إنه إنما أراد بركتها، ورجا أن تكون كفنه.

فالنبي ﷺ كان محتاجًا إلى البردة، ومع ذلك لما سأله الرجل إياها لم يردَّه.

وهذه مرتبة سامية من السخاء؛ أن لا يكون العطاء مما استغنى عنه الإنسان فحسب، بل قد يعطي مما يحتاج إليه هو نفسه.

الإيثار انتصار على شُح النفس

وحين نتأمل هذه المواقف نجد أن القرآن ربط الإيثار بقضية أعمق من مجرد العطاء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] فالمعركة الحقيقية تقع داخل النفس.

النفس تقول: احتفظ لنفسك.

والإيمان يقول: قدِّم لأخيك.

النفس تخشى النقص، واليقين بما عند الله يدعو إلى البذل.

ولهذا كان الإيثار دليلًا على قوة اليقين؛ لأن الموثِر ينظر إلى ما عند الله قبل أن ينظر إلى ما يفوته من الدنيا.

وليس المقصود أن يهمل الإنسان نفسه ومن يعول، أو يضيّع الحقوق الواجبة عليه؛ فالإيثار المحمود هو الذي يقع في موضعه، ولا يترتب عليه تضييع واجب أو وقوع في محرم، وإنما المقصود تربية النفس على التحرر من سلطان الشح والاستئثار.

كيف نربي أنفسنا على الإيثار؟

الإيثار لا يبدأ بالمواقف الكبيرة، وإنما يُربَّى عليه الإنسان في تفاصيل حياته اليومية: أن يقدِّم غيره في المجلس، ويشارك المحتاج في طعامه، أو يقدم غيره في زحام السيارات في الطريق، ويترك لأخيه ما يحبه من متاع الدنيا، ويتنازل أحيانًا عن بعض راحته ومصلحته لإدخال السرور على غيره، ويعلِّم أبناءه أن الخير ليس فيما يأخذونه فقط، وإنما فيما يعطونه أيضًا.

ومع تكرار هذه الأعمال يضعف سلطان الشح على النفس، حتى يصبح البذل خُلُقًا وسجية.

* * *

إن الإيثار ليس خُلُقًا هامشيًا في بناء الإنسان المسلم، بل هو ثمرة من ثمرات الإيمان، ودليل على سلامة الصدر، وقوة اليقين، وصدق الأخوة.

لقد آثر الأنصاري ضيفه بطعام أطفاله، وآثرت الأم ابنتيها بتمرتها، وآثر سعد أخاه بماله وأهله، وآثرت عائشة عمر بموضع دفن كانت تتمناه لنفسها، وكان رسول الله ﷺ يعطي السائل حتى مما يحتاج إليه.

وهكذا تصنع العقيدة حين تستقر في القلب إنسانًا لا يعيش أسيرًا لسؤال: ماذا آخذ؟ بل يرتقي إلى سؤال أسمى: ماذا أستطيع أن أقدِّم؟!

وصدق الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.


الجمعة، 4 سبتمبر 2026

ما ذِئبانِ جائعان

 

ما ذِئبانِ جائعان

عن كعب بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» رواه الترمذي (2376)، وأحمد (15794)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

يضرب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مثلا عظيما يصور شدة ما يفعله الحرص على المال والجاه في دين الإنسان، فتخيل قطيعا من الغنم غاب عنه راعيه، ثم أرسل فيه ذئبان جائعان ضاريان؛ فماذا سيبقى من ذلك القطيع؟! لا شك أن الفساد الذي سيحدثانه فيه عظيم، والناجي منه قليل.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن حرص الإنسان على المال والشرف ليس أقل إفسادا لدينه من إفساد هذين الذئبين للغنم.

والحقيقة أن الناظر في أحوال كثير من أهل الأموال والمناصب لا يملك إلا أن يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكم أفسد المال من دين، وكم غيرت المناصب والرياسات أصحابها، وكم تنازل الإنسان عن مبادئه من أجل ثروة أو مكانة أو جاه.

ولهذا يصور القرآن حسرة الإنسان يوم القيامة حين يكتشف أن المال والسلطان اللذين أفنى عمره في تحصيلهما لم ينفعاه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: 25-29].

ذهب المال، وزال الجاه والسلطان، وبقي الحساب.

أولا: الحرص على المال:

ليس المقصود من الحديث ذم المال في ذاته، ولا ذم طلب الرزق والكسب؛ فالمال نعمة إذا اكتسبه الإنسان من حلال، وأدى حق الله فيه، واستعان به على الخير، وإنما الخطر أن يتحول المال من وسيلة في يد الإنسان إلى غاية تستولي على قلبه.

والحرص على المال نوعان:

النوع الأول: الإفراط في طلب المال من الحلال:

وهو أن تشتد محبة الإنسان للمال، ويستغرق في طلبه وجمعه، ولو كان ذلك من طرق مباحة؛ فقد يضيع الحريص عمره في الجمع، ويستهلك صحته ووقته، ويخاطر بنفسه في الأسفار والمشقات، ويقصر في حقوق ربه وأهله ونفسه؛ ليجمع مالا قد ينتفع به غيره، بينما يبقى عليه حسابه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرةُ همَّه، جعل اللهُ غناه في قلبِه، وجمع له شملَه وأتتْه الدُّنيا وهي راغمةٌ، ومن كانت الدنيا همَّه جعل اللهُ فقرَه بين عينَيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له»، أخرجه الترمذي (2465) وصححه الألباني.

فالمشكلة هنا ليست في حل المال أو حرمته، وإنما في استيلاء طلبه على القلب والعمر.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ». رواه البخاري (6441)، ومسلم.

وهذه صورة دقيقة للحريص؛ فهو كالذي يأكل ولا يشبع، كلما حصل على شيء أراد المزيد، فلا يصل إلى حالة يشعر فيها بالكفاية.

النوع الثاني: أن يقود الحرص صاحبه إلى الحرام:

وهذا أشد خطرا؛ إذ لا يكتفي الإنسان بالإفراط في جمع المال، وإنما يحمله حرصه عليه على طلبه من الوجوه المحرمة، أو أكل حقوق الناس، أو منع الحقوق الواجبة، وهنا يتحول الحرص إلى شح مذموم، قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ؛ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا». رواه أبو داود (1698)، وأحمد (6487)، وصححه الألباني.

وقد قال طائفة من العلماء: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ الأشياء من غير حلها، ويمنع الحقوق الواجبة فيها.

فالمال يبدأ رغبة، ثم قد يصبح حرصا، ثم يتحول إلى شح، فإذا استولى الشح على القلب أصبح الإنسان مستعدا لأن يظلم ويقطع ويفجر من أجل المحافظة على ما في يده أو تحصيل ما ليس عنده.

 

ثانيا: الحرص على الشرف والجاه:

إذا كان الحرص على المال خطرا على الدين، فإن الحرص على الجاه والرياسة قد يكون أشد خطرا منه؛ لأن الإنسان قد يبذل ماله كله من أجل منصب أو مكانة أو شهرة.

والمقصود بالشرف هنا: العلو والجاه والرياسة والمناصب والمنزلة بين الناس.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة تعلق النفوس بالإمارة فقال: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ»، رواه البخاري (7148).

فالمنصب في أوله قد يمنح صاحبه المال والجاه والتقدير، ولذلك شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالمرضعة، ولكنه عند مفارقته وما يترتب عليه من حساب ومسؤولية قد يكون حسرة وندامة.

والحرص على الشرف والجاه نوعان كذلك:

النوع الأول: طلب العلو بالسلطان والمناصب:

وهو أن يجعل الإنسان همه أن يتقدم على غيره، ويتولى المناصب، وتكون له الكلمة والرياسة والسلطان.

وهذا باب شديد الخطر على القلب؛ ولذلك قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

وتأمل قوله تعالى: {لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا}؛ فالعبرة بما يريده القلب ويطلبه، وليس بمجرد حصول المكانة للإنسان.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا». رواه البخاري (7146)، ومسلم (1652).

فالولاية ليست تشريفا مجردا، وإنما هي تكليف وأمانة ومسؤولية، وكلما اتسعت دائرة السلطة اتسعت معها دائرة المسؤولية والحساب.

وجاء عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، إِلَّا أَتَى اللَّهَ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ». رواه أحمد (22300)، والطبراني في «المعجم الكبير»، وصححه لغيره شعيب الأرناؤوط، وحسن إسناده الألباني.

وهذا كله يدل على أن الولاية في ميزان الشرع أمانة ثقيلة، لا مجرد باب إلى الوجاهة والرفعة.

النوع الثاني: طلب الجاه بالدين:

وهذا أخطر أنواع الحرص على الشرف وأقبحها؛ أن يستخدم الإنسان العلم أو العبادة أو الزهد أو الدعوة طريقا للحصول على منزلة في قلوب الناس.

فالعلم والعمل والزهد إنما يطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم والقرب منه سبحانه، فإذا تحولت إلى أدوات لطلب الشهرة والجاه، صار ما يفترض أن يكون سببا لنجاة الإنسان سببا لهلاكه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، يعني: ريحها.

رواه أبو داود (3664)، وابن ماجه (252)، وأحمد (8457)، وصححه الألباني.

وجاء عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ».

رواه الترمذي (2654)، وحسن الحديث الألباني.

وهنا تظهر دقة الخطر؛ فقد يستطيع الإنسان أن يزهد في المال، ولكنه لا يزهد في ثناء الناس عليه بأنه زاهد، وقد لا يطلب منصبا، لكنه يحب أن يعرف بين الناس بأنه صاحب علم وفضل، وقد يعمل العمل الصالح، لكن قلبه يترقب إعجاب الناس وثناءهم، وهذا من أخفى أبواب الحرص على الشرف.

* * *

ومع ذلك، ينبغي ألا يفهم الحديث على أنه دعوة إلى ترك المال، أو رفض المناصب، أو الانصراف عن طلب العلم، فالمال قد يكون نعمة عظيمة في يد الرجل الصالح، والمنصب قد يكون بابا للإصلاح وإقامة العدل، والعلم من أجل العبادات وأشرفها.

إنما المذموم أن يستعبد شيء من ذلك القلب، فالفرق كبير بين من يملك المال ومن يملكه المال، وبين من يتولى المنصب ليؤدي أمانته ومن يعيش من أجل المنصب، وبين من يطلب العلم ابتغاء وجه الله ومن يطلبه لتتجه إليه وجوه الناس.

الخميس، 6 أغسطس 2026

خطر الإفتاء بغير علم

خطر الإفتاء بغير علم

جعل الإسلام علاج الجهل في السؤال، ونهى عن القول بغير علم، وأذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال»، هذه الكلمة النبوية جاءت في حادثة مؤلمة تُبرز خطورة الفتوى بغير علم.

فعن جابر بن عبد الله أنه قال: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ..."، وهكذا كانت فتوى خاطئة سببًا في إزهاق نفسٍ معصومة!

إن الفتوى ليست مجرد رأي شخصي، ولا وجهة نظر قابلة للأخذ والرد، وإنما هي إخبار عن حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات؛ قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59].

فالجرأة على الفتوى بغير علم ليست خطأً علميًا فحسب، بل هي تعدٍّ على حق الله في التشريع.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى مهمة الإفتاء في حياته، فكان الصحابة يرجعون إليه في كل ما أشكل عليهم، ثم انتقلت هذه المهمة بعد وفاته إلى العلماء الربانيين، الذين هم ورثة الأنبياء، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا نزلت به نازلة جمع كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار يستشيرهم، مما يدل على عظم شأن الفتوى، وأنها لا تُبنى على الهوى أو الظنون، وإنما على العلم الراسخ والاجتهاد الصحيح.

ولهذا أمر الله تعالى بالرجوع إلى أهل العلم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، والمقصود بأهل الذكر هم العلماء المعروفون بالعلم الشرعي والفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا كل من اشتهر في وسائل الإعلام، أو حمل لقبًا فكريًا أو ثقافيًا، أو امتلك قدرة على الخطابة والإقناع.

ومع الأسف، فقد أصبح التساهل في الفتوى من أبرز ظواهر هذا العصر، فصار كثير من الناس يتصدرون للكلام في الحلال والحرام دون تأهيل علمي، وأصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل تفتح المجال لكل متحدث، حتى غدا بعض المثقفين، والإعلاميين، والأطباء، والمهندسين، وغيرهم، يتناولون الأحكام الشرعية وكأنها آراء عامة لا تحتاج إلى علم أو تخصص.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من علامات ذهاب العلم، فقال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، فالخطر لا يقف عند ضلال المفتي، بل يمتد إلى إضلال الناس وإفساد دينهم.

ومن تأمل أحوال السلف الصالح أدرك مقدار هيبتهم للفتوى، فقد قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركت مئةً وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم عن المسألة، فما منهم أحد إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياها»، وفي رواية: «فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول»، فكانوا يتدافعون الفتوى خوفًا من الخطأ، لا طلبًا للشهرة أو كثرة الأتباع.

وكان الإمام مالك رحمه الله مثالًا لهذه الهيبة؛ فقد جاءه رجل مسافر فسأله عن أربعين مسألة، فأجابه عن خمس مسائل، وقال عن البقية: لا أدري، فقال الرجل: جئتك من كذا وكذا، وتقول: لا أدري، قال: نعم، اركب راحلتك، وقل للناس: سألت مالكًا؟ وقال: لا أدري!

لم يكن يرى أن قول العالم: "لا أدري" نقص في منزلته، بل كان يعدها من تمام العلم، لأن العالم الصادق يعلم حدود علمه، ولا يتكلف ما لا يعلم.

إن من أعظم ما يحتاجه المسلم اليوم أن يعرف قدر الفتوى، وألا يأخذ دينه إلا عن العلماء الثقات المعروفين بالعلم والديانة، وألا يغتر بكثرة المتابعين أو الشهرة الإعلامية. كما ينبغي لكل مسلم أن يتورع عن الكلام في أحكام الشرع بغير علم، فإن السلامة في التوقف، والخطر كل الخطر في الجرأة على القول على الله بغير علم.

فالفتوى أمانة، والكلمة فيها قد تهدي إنسانًا أو تضله، وقد تحفظ نفسًا أو تهلكها، ولذلك كان من قال في دين الله بغير علم فقد تجرأ على أعظم مقام، وهو مقام التوقيع عن رب العالمين!


الإسلام سَبَقَ: "الماجنا كارتا"

 

الإسلام سَبَقَ: "الماجنا كارتا"

 


يظن كثير من الناس أن الحديث عن حقوق الإنسان بدأ مع الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م، وأن البشرية لم تعرف هذه الحقوق إلا في العصر الحديث.

والحقيقة أن الإعلان العالمي يمثل خطوة مهمة في تقنين هذه الحقوق على المستوى الدولي، لكنه لم يكن بداية الاعتراف بها؛ فقد سبق الإسلام إلى تقرير أصولها قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا وزاد عليها واختلف في بعضها، وجعلها جزءًا من شريعته التي يتعبد المسلم لله تعالى بالعمل بها.

ما هي حقوق الإنسان؟

يقصد بحقوق الإنسان: الحقوق التي يستحقها كل إنسان لكونه إنسانًا، والتي تحفظ كرامته وتصون حياته وحريته وأمنه، وتمكنه من العيش الكريم.

ومن أبرز المحطات في تقرير حقوق الإنسان: وثيقة الماجنا كارتا (العهد الأعظم) الصادرة في إنجلترا سنة 1215م، التي حدّت من سلطة الملك وأقرت بعض الحقوق والضمانات القانونية، لكنها اقتصرت في بدايتها على فئات معينة من المجتمع، ثم جاءت وثيقة الحقوق الأمريكية سنة 1791م، فأقرت عددًا من الحريات الأساسية، إلا أنها لم تشمل جميع الناس؛ إذ استُثني منها الرقيق وغيرهم، ولذلك لم تكن ذات طابع عالمي.

ثم عملت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية على ترسيخ هذه المبادئ، فأصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر سنة 1948م، ثم ألحقت به عددًا من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق المرأة والطفل وغيرها.

وقد أسهمت هذه المواثيق في نشر الوعي بحقوق الإنسان، والحد من كثير من صور الظلم والتمييز، ووضع معايير دولية يُحتكم إليها عند وقوع الانتهاكات.

سبق الإسلام إلى تقرير حقوق الإنسان:

إن المتأمل في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية يجد أن الإسلام سبق هذه المواثيق بقرون طويلة، فلم يجعل كرامة الإنسان منحة من دولة أو هيئة دولية، وإنما جعلها حقًا ثابتًا مَنَحه الله لعباده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، فالتكريم هنا يشمل جميع البشر، ولم يقتصر على جنس أو لون أو لغة أو وطن.

ومن تأمل مقاصد الشريعة وجد أنها قامت على حفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض، وهي في حقيقتها أعظم منظومة لحماية حقوق الإنسان.

مقارنة بين الإعلان العالمي والإسلام:

عند المقارنة بين المبادئ التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وما قرره الإسلام، تظهر أوجه اتفاق كبيرة، ومن ذلك:

أولًا: الحق في الحياة: نص الإعلان العالمي على حق كل إنسان في الحياة والأمن.

وقد قرر الإسلام ذلك قبل قرون، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

ثانيًا: المساواة والكرامة الإنسانية:

أكد الإعلان العالمي أن جميع الناس يولدون متساوين في الكرامة والحقوق.

وقد قرر الإسلام هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى».

ثالثًا: حرية الاعتقاد:

قرر الإعلان حرية المعتقد.

وقال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، فالإيمان لا يكون بالإجبار، وإنما بالاقتناع والاختيار.

رابعًا: العدالة والمساواة أمام القضاء:

أكدت المواثيق الدولية حق كل إنسان في محاكمة عادلة.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

خامسًا: حماية الأموال والممتلكات:

كفلت المواثيق الدولية حق التملك.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».

سادسًا: تحريم التعذيب والاعتداء على الإنسان:

تحظر المواثيق الدولية التعذيب بكافة صوره.

وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»، ونهى الإسلام عن الـمُثْلَة والاعتداء حتى في حال الحرب.

سابعًا: الحقوق الاجتماعية:

أقرت المواثيق حق الإنسان في المعيشة الكريمة والتعليم والرعاية.

وقد سبق الإسلام إلى ذلك من خلال الزكاة، والصدقات، والأوقاف، والنفقات الواجبة، والتعليم، ونشر العلم، وكفالة الفقراء والمحتاجين، حتى لا يبقى المجتمع فريسة للفقر والعوز.

ما الذي يميز التصور الإسلامي؟

مع اتفاق الإسلام مع كثير من المبادئ الإنسانية العامة، إلا أنه يمتاز بعدة خصائص، منها:

* أن مصدر الحقوق هو الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز تعطيلها أو تغييرها تبعًا للأهواء أو المصالح السياسية.

* أن الحقوق تقترن بالواجبات، فلا يطالب الإنسان بحقه مع إهمال ما عليه من واجبات.

* أن الرقابة على الحقوق ليست قانونية فقط، بل هي رقابة دينية وأخلاقية، تقوم على مراقبة الله تعالى قبل مراقبة البشر.

* أن الشريعة لا تفرق بين الحقوق المادية والروحية، بل تحفظ مصالح الإنسان في دنياه وآخرته.

* * *

صحيح أن الأمم المتحدة أسهمت في نشر ثقافة حقوق الإنسان وتقنين كثير من المبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان، وهذا جهد يُذكر ويُقدَّر، غير أن المسلم ينبغي أن يدرك أن هذه الحقوق ليست غريبة عن دِينه، بل هي جزء أصيل من شريعته التي سبقت المواثيق الدولية بقرون طويلة.

والتحدي الحقيقي اليوم ليس في إثبات أن الإسلام سبق إلى تقرير حقوق الإنسان، فالنصوص في ذلك واضحة، وإنما في حسن تطبيق هذه المبادئ وإظهارها للناس واقعًا وسلوكًا، حتى يدرك العالم أن الشريعة الإسلامية جاءت رحمةً وعدلًا، وحفظًا لكرامة الإنسان التي كرمه الله بها.

الجمعة، 31 يوليو 2026

كونوا متفائلين ..

 

كونوا متفائلين ..

في حياة الإنسان مواقف تكثر فيها المخاوف، وتتزاحم فيها الهموم، ويصبح القلق رفيقًا لكثير من الناس. وفي مثل هذه الأحوال يرشد الإسلام إلى دواء عظيم يجمع بين قوة الإيمان وسلامة النفس، وهو الفأل وحسن الظن بالله، فليس التفاؤل في الإسلام أمنياتٍ مجردة، ولا هروبًا من الواقع، وإنما هو ثقة بالله تعالى، ورجاءٌ في فضله، مع بذل الأسباب والسعي في إصلاح الحال.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، ويغرسه في نفوس أصحابه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ»، فالكلمة الطيبة تبعث الأمل، وتشرح الصدر، وتقوي العزيمة، ولذلك كانت محبوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبيَّن ابن الأثير معنى الفأل فقال: «التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض فيتفاءل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طلب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته»، فالفأل مبناه على استبشار القلب بالخير، وربط الأمور بحسن الرجاء في الله تعالى.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير، كما روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يعجبه الاسم الحسن والكلمة الطيبة. وبيَّن ابن عباس الفرق بين الفأل والطيرة فقال: «الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء»، فالمتفائل يرجو الخير من ربه، أما المتطير فيستسلم للأوهام، ويعلق قلبه بما لا حقيقة له.

فالفأل مما أمر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتشاؤم ممن يأمر به الشيطان، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268]

ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب الأسماء الحسنة، ويغيّر ما كان قبيحًا منها؛ فقد قدم عليه رجل اسمه حَزْن، فقال له: «بل أنت سهل»، إلا أنه أبى تغيير اسمه، فكان حفيده سعيد بن المسيب يقول: «فما زالت فينا الحزونة بعد»، وكذلك لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «سَهُلَ لكم من أمركم»، فتفاءل باسمه، مع أن الموقف كان من أصعب المواقف.

والفأل في حقيقته ثمرة من ثمار حسن الظن بالله تعالى، والمؤمن مأمور بأن يحسن الظن بربه في جميع أحواله. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل». وقد قال العلماء: حسن الظن بالله أن يوقن العبد برحمة الله، ويرجو عفوه، ويثق بكرمه، دون أن يترك العمل والطاعة.

ومن يتأمل قصص الأنبياء والصالحين يجد أن التفاؤل كان شعارهم في أحلك الظروف. فهذا موسى عليه السلام، وقد أحاط به البحر من أمامه، وفرعون وجنوده من خلفه، حتى قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فأجابهم بثقة المؤمن: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

وكذلك هاجر أم إسماعيل عليها السلام، لما تركها إبراهيم عليه السلام في وادٍ لا زرع فيه ولا ماء، لم تستسلم للخوف، وإنما سألت: آلله أمرك بهذا؟ فلما قال: نعم، قالت كلمتها الخالدة: «إذًا لا يضيعنا»، إنها كلمات قليلة، لكنها تحمل من حسن الظن بالله ما يملأ القلوب يقينًا وطمأنينة.

ومن أروع صور التفاؤل كذلك موقف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها عندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غار حراء مضطربًا، فقال: «زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي»، فقالت مطمئنةً له: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»، لقد بثَّت في قلبه الطمأنينة، وربطت بين صلاح العمل وحسن الظن بفضل الله.

وللفأل وحسن الظن بالله آثار عظيمة على حياة المسلم؛ فهو يبعث في القلب السكينة، ويخفف من القلق والهم، ويمنح صاحبه قوة على مواجهة الأزمات، لأن المؤمن يعلم أن تدبير الله خير من تدبيره، وأن الفرج قريب مهما اشتدت الكروب، كما أن التفاؤل يدفع إلى العمل والاجتهاد، بخلاف اليأس الذي يورث الكسل والاستسلام، ولذلك كان الفأل سببًا في تقوية العزائم، وإحياء الأمل، والاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وليس التفاؤل تجاهلًا للواقع أو إنكارًا للمصاعب، وإنما هو نظر إلى المستقبل بعين الرجاء، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، والثقة بأن الله لا يضيع عباده المؤمنين. فالقلق ينشأ غالبًا من توقع أسوأ الاحتمالات، أما حسن الظن بالله فيملأ القلب يقينًا بأن الله أرحم بعبده من نفسه، وأن تدبيره كله خير، وإن خفيت الحكمة في بعض الأقدار.

وخلاصة الأمر .. أن الفأل وحسن الظن بالله من أعظم أسباب سعادة القلب وثباته؛ فبهما يزول كثير من الهم، وتقوى الإرادة، ويطمئن العبد إلى وعد ربه، فيعيش بين الأخذ بالأسباب، والاعتماد على الله، والرجاء فيما عنده، ومن كان كذلك، عاش مطمئن النفس، ثابت القلب، راجيًا فضل ربه في السراء والضراء.

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

فلَّاح غيَّرَ مسار أحد كبار علماء الأزهر

 

فلَّاح غيَّرَ مسار أحد كبار علماء الأزهر

مَن كان يُصدّق أن لقاءً عابرًا مع فلاحٍ بسيط في طريقٍ ريفي، سيكون السبب في تغيير مسيرة عالمٍ تخرّج في الأزهر، ثم أصبح لاحقًا من أشهر المحققين والدعاة إلى نشر تراث السلف في القرن الرابع عشر الهجري؟!

إنها قصة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله.

بعد سنواتٍ طويلة قضاها في أروقة الأزهر، أنهى الشيخ دراسته سنة (1917م)، وحمل شهادته العلمية عائدًا إلى قريته، وقد امتلأ صدره بما تلقاه من العلوم الفقهية و"الكلامية"، ينتظر أن يستقبله أهله فرحين بنجاحه.

لكن الله كان قد أعدّ له موعدًا لم يكن في قاعة درس، ولا في مجلس أحد العلماء، وإنما في حقلٍ زراعي!

وذلك أنه في طريق عودته إلى بلده حاملا شهادته، مرّ بفلاح يحرث أرضه، فرحّب به قائلاً: «يا ولدي، اجلس على هذه الدكة حتى أفرغ من عملي».

جلس الشيخ ينتظر، فوقع بصره على كتابٍ موضوعٍ بجانبه، فتناوله يقلب صفحاته، فإذا هو كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» للإمام ابن القيم.

وما إن اندمج في القراءة، حتى جاء الفلاح بعد قليل، وسأله عن اسمه، ورحلته، وما الذي يدرسه.

فلما علم أنه تخرّج في الأزهر، ابتسم وقال: «يا ولدي، لقد حصلت على شهادة تستطيع أن تعيش بها في أي مكان من الدنيا؛ في أمريكا وأوروبا، لكنها لم تعلمك أول ما ينبغي أن تتعلمه!!»

وقد أثارت العبارة فضول الشيخ ودهشته، وكيف يتحدث هذا الفلاح بهذه الثقة؟! قال: «وما هو؟!»

قال الفلاح بثقة: «التوحيد؛ توحيد السلف!».

فسأله الشيخ: «وما توحيد السلف؟!»

فأخذ الفلاح يعدد له كتب العقيدة التي ينبغي لطالب العلم أن يقرأها: «السنة» للإمام أحمد، و«التوحيد» لابن خزيمة، و«خلق أفعال العباد» للبخاري، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي، ثم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وغيرها من كتب أئمة السلف.

ثم أوصاه وصية بقيت عالقة في قلبه طوال عمره، فقال: «إذا وصلتَ إلى قريتك وفرح الناس بنجاحك، فلا تطل المقام، ارجع مباشرة إلى القاهرة، واذهب إلى دار الكتب المصرية ستجد هذه الكتب كلها هناك، قد علاها الغبار، أنفض عنها الغبار، وانشرها بين الناس».

كانت كلمات الفلاح صادقة، خرجت من قلب مخلص، فدخلت قلب الشيخ بلا استئذان.

يقول الشيخ محمد حامد الفقي: رجعت إلى القاهرة، وذهبت إلى دار الكتب المصرية، فوجدت الكتب التي وصفها لي الفلاح كما قال، مكدسة على الرفوف، يغطيها الغبار، إلا كتابًا واحدًا لم أعثر عليه إلا بعد مدة.

ولم يستطع الشيخ أن يكتم دهشته، فسأل الفلاح قبل أن يفترقا: «من أين لك كل هذا العلم؟!»

فأجابه: «تعلمته على يد شيخ يُعرف بــ (الرمّال)، كان يبحث عن كتب السلف ويجمعها، ثم يعلّمها سرًّا للعمال والكنّاسين والفلاحين، في زمن لم يكن يُسمح فيه بإظهار هذا العلم، وكنتُ واحدًا ممن تلقوا العلم عليه».

هكذا كانت بداية التحول في حياة الشيخ محمد حامد الفقي؛ فلم يكن سببها مناظرة طويلة، ولا مجلسًا علميًا كبيرًا، وإنما لقاء عابر مع فلّاحٍ صالح، حمل علمًا نافعًا ونصيحة صادقة، فغيّر بها مسار أحد أبرز علماء الدعوة السلفية في العصر الحديث.

وتبقى هذه القصة شاهدًا على أن الهداية قد تأتي على يد من لا يخطر على البال، وأن العلم النافع ليس بكثرة الشهادات، وإنما بصدق الاتباع والإخلاص لله، وأن الخير لا يزال باقيًا في الأمة، يورثه الله من يشاء من عباده.

أبجد هوّز

أبجد هوّز

يقرأ البعض عبارة «أبجد هوز حطي كلمن» فيظن أنها كلمات غريبة لا معنى لها، أو مجرد وسيلة قديمة لحفظ الحروف، لكن وراءها قصة تمتد إلى جذور الكتابة السامية القديمة، وتكشف لنا أن ترتيب الحروف العربية لم يكن كما نعرفه اليوم.

عرفت العربية ترتيبين مشهورين للحروف: الترتيب الأبجدي القديم، الذي بقي أثره في عبارة «أبجد هوز»، والترتيب الألفبائي المعروف اليوم: «أ، ب، ت، ث…». ولم تكن الحروف وسيلة للكتابة فحسب، بل استُخدمت قديمًا أيضًا للدلالة على الأعداد والتواريخ فيما عُرف بـ«حساب الجُمَّل».

فما قصة «أبجد هوز»؟ ولماذا تغير ترتيب الحروف؟ وكيف تحولت الحروف إلى أرقام؟ هذا ما نتعرف عليه في هذا المقال.

* * *

الأبجدية مصطـلح يُطلق على الكلمات الست التي تجْمع حروف هجاء اللغة العربية وهي: [أبجد، هوَّز، حُطّي، كَلَمُن، سَعَفَص، قرشت، ثخذ، ضظغ] .

وهذا الترتيب مأخوذ من الترتيب السامي القديم، أما [ثَخَذ، وضظغ] فحروفهما من العَربية ويطلق عليها الروادف، وهذا الترتيب الأبجدي "المشرقي" يوافق الترتيب الموجود في اللغتين العبرية والآرامية، مع الاحتفاظ بوضع الأحرف العربية الستة في آخر الترتيب.

ويختلف ترتيب هذه الألفاظ في "المغرب" فتأتي على النحو التالي: [أبجد، هوَّز، حُطي، كَلمُن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش].

وكان هذا الترتيب معمولا به إلى أن جاء نصر بن عاصم الليثي (ت 89هـ) ورتبها الترتيب المعروف الآن، وذلك بجمع الحروف المتشابهة في الرسم إلى بعضها:

[أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي]، وتبدأ حروف الهجاء عند معظم الأمم بحرفين قريبي الشبه من حرفي (أ) و (ب)، ويبلغ عدد حروف اللغة العربية (28) حرفًا، إذا لم تحتسب الهمزة، و (29) بالهمزة.

واستخدم العرب هذه الحروف للدلالة على الأرقام الحسابية وسموا ذلك حساب الجُمَّل ، ويُجعل فيه لكل حرف من حروف الأبجدية عدد من الواحد إلى الألْف وفق الترتيب التالي:

ومن نماذج هذا الاستعمال قول العلامة الحكمي في ختام منظومة سلم الوصول:

أَبْيَاتُهَا "يُسْرٌ" بِعَدِّ الْجُمَّلِ // تَأْرِيخُهَا "الْغُفْرَانُ" فَافْهَمْ وادع لي

أي عدد أبياتها (270) بيتا، فكلمة "يسر" = الياء: 10، والسين 60، والراء 200 = 270.

وتاريخ الانتهاء سنة (1362 هـ) وهو مجموع كلمة "الغفران" = الألف 1، واللام 30، والغين 1000، والفاء 80، والراء 200، والألف الثانية 1، والنون 50= مجموعها 1362.

* * *

هذا وكان اليهود وغيرهم يستعملون هذه الحروف في أعمال السحر والتنجيم؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ قَوْمًا يَحْسِبُونَ أَبَا جَادٍ، وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ، وَلَا أَرَى لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَلَاقٍ"، [أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة: وإسناده حسن].

قال العلامة عبد الرحمن بن حسن: "وكتابة أبي جاد وتعلّمها لمن يدَّعي بها عِلم الغيب هو الذي يسمى علم الحرف، وهو الذي جاء فيه الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به"[1].

علّق عليه الشيخ حامد الفقي قائلا: "وينسبه الدجَّالون المشركون إلى جعفر الصادق، ولهم في ذلك كلام كثير في منتهى الكفر، والظاهر أنه من وضع الرافضة الذين استجابوا لسلفهم اليهود فأعملوا في هدم الإسلام كل معول".

قال الشيخ ابن عثيمين: "... الثاني: محرم، وهو كتابة "أبا جاد" كتابة مربوطة بسير النجوم وحركتها وطلوعها وغروبها، وينظرون في النجوم ليستدلوا بالموافقة أو المخالفة على ما سيحدث في الأرض، إما على سبيل العموم؛ كالجدب والمرض والحرب وما أشبه ذلك، أو على سبيل الخصوص؛ كأن يقول لشخص: سيحدث لك مرض أو فقر أو سعادة أو نحس في هذا وما أشبه ذلك؛ فهم يربطون هذه بهذه، وليس هناك علاقة بين حركات النجوم واختلاف الوقائع في الأرض"[2].

* * *

وهكذا يتبين أن ترتيب الحروف العربية الذي نألفه اليوم هو حصيلة تطور تاريخي طويل؛ فقد سبقته الأبجدية القديمة «أبجد هوز»، ثم استقر الترتيب الألفبائي القائم على جمع الحروف المتشابهة في الرسم. ولم يقتصر دور الحروف على الكتابة، بل تجاوز ذلك إلى استعمالها في العدّ والتأريخ من خلال "حساب الجُمَّل".



[1] فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص301).

[2] القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 549).