مهر الزواج .. والمغالاة فيه
إن من محاسن الشريعة الإسلامية أنها نظمت العلاقة
بين الزوجين منذ بداية تكوين الأسرة، فجعلت للمرأة حقوقاً مالية ومعنوية تحفظ كرامتها
وتصون مكانتها، ومن أعظم تلك الحقوق: الصَّداق (أو: المهر)، الذي أوجبه الله تعالى
للمرأة عند عقد النكاح.
والصداق في اللغة مأخوذ من: الصدق، وهو ضد الكذب،
وسُمِّي بذلك لأنه يدل على صدق رغبة الزوج في الزواج، وإظهار رغبته الجادة في الارتباط
بزوجته.
أما في الاصطلاح الشرعي فهو: المال الذي يجب
على الزوج دفعه لزوجته بسبب عقد النكاح.
ويسمى أيضاً: المهر، والنِّحلة، والعُقر،
والأجر، والفريضة.
مشروعية
الصداق وحكمه:
أجمع المسلمون على مشروعية الصداق في النكاح،
وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ
نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].
وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ
مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24].
وقال سبحانه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾
[البقرة: 236].
ومن السنة ما رواه سهل بن سعد رضي الله عنه أن
رجلاً أراد الزواج من امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعْطِهَا ثَوْبًا».
كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بعد زواجه فقال:
«مَا أَصْدَقْتَهَا؟» قال: وزن نواة من ذهب، فقال: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ،
أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
وهذه النصوص تدل على أن المهر حق ثابت للمرأة،
يجب على الزوج أداؤه، ولا يجوز إسقاطه أو الاعتداء عليه.
الصداق
حق خالص للمرأة:
الصداق ملك للزوجة وحدها، وليس لأحد من أوليائها
حق فيه إلا بإذنها ورضاها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ
نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا
مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 20].
ولهذا كان من الواجب احترام هذا الحق وعدم الاستيلاء
عليه أو التصرف فيه بغير رضا الزوجة.
تسمية
المهر وشروطه:
يستحب تسمية المهر عند عقد الزواج وتحديده دفعاً
للنزاع والخلاف، ويشترط في المهر أن يكون مالاً متقوماً مباحاً يمكن الانتفاع به شرعاً،
وأن يكون معلوماً غير مجهول، بعيداً عن الغرر والنزاع.
ويجوز أن يكون عيناً أو ديناً أو منفعة معلومة،
كما يجوز تعجيله أو تأجيله كله أو بعضه بحسب ما يتفق عليه الطرفان، بشرط أن يكون الأجل
معلوماً.
مقدار
الصداق:
من يسر الشريعة أنها لم تجعل للصداق حداً أدنى
أو حداً أعلى، بل جعلت المعتبر فيه التراضي بين الزوجين وما جرى به العرف، قال تعالى:
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾
[النساء: 24].
قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ
زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ
شَيْئًا﴾ [النساء: 20]، والقنطار: المال الكثير.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعْطِهَا
وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فدل ذلك على جواز القليل والكثير، ما دام مالاً
مباحاً معلوماً يحصل به التراضي.
حكم
المغالاة في المهور:
مع أن الشريعة لم تحدد سقفاً أعلى للمهور، إلا
أنها رغبت في التيسير ونهت عن المغالاة والتكلف؛ لأن البركة ليست في كثرة المهر، وإنما
في حسن الاختيار وصلاح الزوجين.
فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَسْهِيلُ أَمْرِهَا، وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا».
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «ألا
لا تغالوا في صُدُق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم
بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من
نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقة
امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه، وحتى يقول كَلِفْتُ فيك عَلَقَ القِرْبة».
وسألت عائشة رضي الله عنها عن صداق رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالت: «اثنتي عشرة أوقية ونشّاً».
عواقب
المغالاة في المهور:
لقد أصبحت المغالاة في المهور من المشكلات الاجتماعية
التي يعاني منها كثير من المجتمعات الإسلامية، ومن أبرز آثارها:
أولاً: تأخير الزواج
والعزوف عنه: فكثير من الشباب يعجزون عن توفير المبالغ الكبيرة
المطلوبة للزواج، فيؤخرون الإقدام عليه سنوات طويلة، وربما صرفهم ذلك عن الزواج بالكلية.
ثانياً: انتشار الديون
والأعباء المالية: يلجأ بعض الشباب إلى الاقتراض وتحمل الديون
الثقيلة من أجل توفير المهر وتكاليف الزواج، فيبدأ حياته الزوجية مثقلاً بالالتزامات
المالية، مما ينعكس على استقرار أسرته.
ثالثاً: زيادة المشكلات
الزوجية: إذا شعر الزوج أنه تحمل أعباء فوق طاقته فقد
يؤدي ذلك إلى النفور والخصومات، وقد أشار عمر رضي الله عنه إلى هذا المعنى بقوله:
«وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه».
رابعاً: انتشار الفساد
والانحراف: عندما تُغلق أبواب الزواج الميسر أمام الشباب
والفتيات، تزداد الفتن وتكثر أسباب الانحراف، بينما أراد الإسلام الزواج طريقاً للعفة
وحفظ الفروج.
خامساً: ارتفاع نسبة
العنوسة: فكلما ارتفعت المهور وتعقدت شروط الزواج قلّ
عدد المقبلين عليه، مما يؤدي إلى تأخر زواج الرجال والنساء على حد سواء.
سادساً: إضعاف التكافل
الاجتماعي: فالمجتمع الذي يتنافس أفراده في رفع المهور
والمباهاة بها يتحول الزواج فيه إلى مظهر اجتماعي وميدان للمفاخرة، بدلاً من أن يكون
ميثاقاً شرعياً يقوم على المودة والرحمة.
* * *
وفي الختام .. لم تجعل الشريعة الإسلامية قيمة
المرأة في غلاء مهرها، وإنما في دينها وخلقها وصلاحها، وقد كان هدي النبي صلى الله
عليه وسلم وهدي أصحابه قائماً على التيسير في المهور وتخفيف مؤونة الزواج، تحقيقاً
لمقاصد النكاح في العفة والاستقرار وبناء الأسرة المسلمة.
ومن الحكمة أن يحرص الآباء والأمهات على تيسير
الزواج لأبنائهم وبناتهم، وأن يبتعدوا عن المبالغة والمفاخرة في المهور؛ فإن البركة
في اليسر، والخير في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَسْهِيلُ أَمْرِهَا، وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا».



