التسمية في الوضوء بين التصحيح الحديثي والخلاف الفقهي
من المسائل الفقهية التي اعتنى بها العلماء قديمًا وحديثًا: حُكم التسمية
عند الوضوء، وهل هي من الواجبات التي لا يصح الوضوء بدونها، أم أنها من السنن التي
يُستحب للمسلم المحافظة عليها؟
وقد طال البحث في هذه المسألة بين أهل العلم، نظرًا لتعلّقها بالطهارة
التي هي مفتاح الصلاة، وتنوّعت فيها الأنظار بين التشديد في وجوبها، وبين القول بأنها
سنة مؤكدة، وفي هذا المقال عرضٌ مختصر لأشهر الأقوال في المسألة، وأهم أدلتها، مع بيان
القول الراجح فيها.
* * *
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا وُضوءَ لِمَن لَم يَذكُرِ
اسمَ اللهِ عليه»، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في المسند، وابن ماجه في السنن، وغيرهما.
وهذا الحديث من الأحاديث التي كثُر فيها كلام أهل العلم؛ من جهة ثبوته،
ومن جهة دلالته أيضًا.
أولًا: الكلام على ثبوت الحديث:
تكلم عدد من الأئمة في أسانيد هذا الحديث، ورأوا أن طرقه لا تخلو من ضعف.
قال الإمام أحمد بن حنبل: «لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد»،
وسُئل أيضًا عن التسمية في الوضوء فقال: «لا أعلم فيه حديثًا يثبت».
وقال العقيلي: «الأسانيد في هذا الباب فيها لين».
ومع ذلك، فإن جماعة من أهل العلم رأوا أن تعدد طرق الحديث يعضد بعضُها
بعضًا، حتى يرتقي الحديث إلى درجة الحسن لغيره، فقال ابن الصلاح: «ثبت بمجموعها ما
يثبت به الحديث الحسن».
وقال ابن حجر العسقلاني: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل
على أن له أصلًا».
ولهذا حسّن الحديث عدد من أهل العلم، منهم: المنذري، وابن القيم، وابن
كثير، والشوكاني، وعبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني، وغيرهم.
ثانيًا: حُكم التسمية؟
على فرض ثبوت الحديث، يبقى النظر في دلالته: فهل قوله صلى الله عليه وسلم:
«لا وضوء» يعني نفي صحة الوضوء؟ أم المراد نفي كماله، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:
«لا إيمان لمن لا أمانة له»؟
ولهذا اختلف العلماء في حكم التسمية عند الوضوء على قولين مشهورين:
القول الأول: وجوب
التسمية: ذهب الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه إلى وجوب التسمية في طهارة الأحداث، ومَن
تركها عمداً لم يصح وضوؤه، واستدلوا بهذا الحديث وما ورد في معناه، وهو من مفردات المذهب
الحنبلي.
ثم اختلف أصحاب هذا القول: هل تسقط التسمية بالنسيان أم لا؟ على روايتين
داخل المذهب.
القول الثاني: أن التسمية
سنة مؤكدة، ومَن تركها صح وضوؤه، والنفي الوارد في الحديث إنما هو للكمال: وهو مذهب
الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، الشافعي، وهو أيضًا
رواية عن الإمام أحمد، اختارها جماعة من كبار الحنابلة، كالخرقي والموفق ابن قدامة
وغيرهما، وقال ابن تيمية: «لا تشترط التسمية في الأصح».
واستدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة قوية، من أبرزها:
1- أن الله تعالى ذكر فرائض الوضوء في قوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ﴾، ولم يذكر التسمية، ولو كانت واجبة لذُكرت في مقام البيان.
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: «فتوضأ كما أمرك الله»،
فأحال على الآية، وليس فيها ذكر التسمية.
3- أن الصحابة رضي الله عنهم وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وصفًا
دقيقًا متكررًا، ولم يُنقل عنهم ذكر محافظته على التسمية عند كل وضوء، ولو كانت شرطًا
أو فرضًا لنُقلت نقلًا ظاهرًا.
الترجيح: والذي
يظهر ـ والله أعلم ـ أن التسمية في الوضوء سنة مؤكدة، يُستحب للمسلم المحافظة عليها،
اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وخروجًا من خلاف أهل العلم، لكن تركها لا يبطل
الوضوء، سواء كان ذلك نسيانًا أو عمدًا.
ومما ينبغي التنبه له: أن مسائل
الخلاف الفقهي التي وقع فيها اجتهاد معتبر بين الأئمة، لا ينبغي أن تكون سببًا للنزاع
أو التشديد، بل يُعذر فيها المخالف، مع الحرص على اتباع ما يترجح بالدليل.






