الخميس، 4 يونيو 2026

أعظم ما أُعطي أهل الجنة

 

أعظم ما أُعطي أهل الجنة

من أعظم النعيم الذي وعد الله به عباده المؤمنين في الدار الآخرة: التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، وهي عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، تلقَّتها الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل، وعدَّها أهل السنة من مسائل الاعتقاد الظاهرة التي تواترت بها النصوص، حتى قال العلماء: إن أدلتها بلغت حدَّ التواتر اللفظي والمعنوي الذي لا يدع مجالًا للشك أو التردد.

فالآيات صريحة الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى لا تقبل تحريفا ولا تأويلا ولا يردها إلا مكابر قد ختم الله على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله.

دلالة القرآن الكريم على رؤية الله تعالى:

قال تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [الْقِيَامَةِ: 23-24].

فهذه الآية من أوضح ما استدل به أهل السنة؛ إذ أخبر الله عن وجوه أهل الإيمان أنها ناضرة مشرقة حسنة، ثم بيَّن سبب هذا النعيم والبهاء بقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.

وقال تعالى: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يُونُسَ: 26].

وقد جاء تفسير هذه الزيادة في السنة الصحيحة، قال رسول الله ﷺ: «الزيادةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللهِ» وأصله عند مسلم.

الأحاديث المتواترة في إثبات الرؤية:

وقد تواترت الأحاديث بمعنى ما تضمنته هذه الآيات رواها أئمة السنة والحديث في دواوين الإسلام عن فضلاء الصحابة وأجلائهم.

ففي الصحيحين عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ ‌سَتَرَوْنَ ‌رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا".

وفيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ ‌نَرَى ‌رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ"** قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ".

ولهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ ‌نَرَى ‌رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ تبارك وتعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا".

وفي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ يَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}.

والتشبيه في هذه الأحاديث إنما هو في وضوح الرؤية وعدم المزاحمة فيها، لا في تشبيه الله تعالى بخلقه، تعالى الله عن ذلك.

إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين:

وثبت الإيمان بالرؤية عن الصحابة مثل: أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وفضالة بن عبيد، وغيرهم.

وعن التابعين قال: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، في قوله: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} أنها النظر إلى الله تبارك وتعالى.

وهذا الانتشار الواسع للنقول عن الصحابة والتابعين يدل على أن المسألة كانت معلومة مشهورة بينهم، لا خلاف فيها عند أهل القرون المفضلة.

وهي عقيدة أئمة الإسلام:

قال مالك بن أنس الإمام رحمه الله تعالى: "الناس ينظرون إلى ربهم عز وجل يوم القيامة بأعينهم".

وقال سفيان بن عيينة: "مَن لم يقل إن القرآن كلام الله، وأن الله يُرى في الجنة فهو: جَهَمي"، وذكر عنه ابن أبي حاتم أنه قال: "لا يُصلَّى خلف الجهمي".

والجهمي الذي يقول: "لا يَرى ربه يوم القيامة"، نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي نشر هذه العقيدة الخبيثة.

وقال الربيع بن سليمان: حضرتُ محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها سؤال: ما تقول في قول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}

فقال الشافعي: "لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا".

قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: "نعم وبه أدين الله، ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل".

وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وذكر له عن رجلٍ شيء في الرؤية، فغضب وقال: "من قال إن الله لا يرى فهو كافر".

ومن أجمع ما قيل في الاحتجاج لأحاديث الرؤية ما جاء عن إسحاق بن راهويه: قال له عبد الله بن طاهر أمير خراسان: يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي يروونها في النزول والرؤية ما هُنَّ؟!

فقال: "رواها مَن روى الطهارة والغُسل والصلاة والأحكام، فإن يكونوا في هذه عدولا وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع!".

فقال ابن طاهر: "شفاك الله كما شفيتني".

فهذا كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة، وهذه أقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الهدى، كلها مجتمعة على أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى في الجنة، ويتلذذون بالنظر إلى وجهه الكريم، وذلك غاية النعيم، وأعلى الكرامات، وأفضل فضيلة.

ولذلك كان النظر إلى وجه الله الكريم أعظم من كل نعيم الجنة؛ إذ يذهل أهل الجنة بالنظر إليه عن كل ما هم فيه من النعيم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من أهل رضوانه، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم والشوق إلى لقائه.

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

شرح البيقونية (20) الحديث الـمُدَلَّس

 

الـمُدلَّس

18 - ..........................  … وما أتى مُدلساً نَوعانِ

19 - الأَوَّلُ: الإسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ … ينقلُ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِعَنْ وَأَنْ

20 - والثَّانِ: لَا يُسْقِطُهُ لَكِنْ يَصِفْ … أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لَا ينعرف

يكشف هذا الموضوع جهود علماء الحديث، وكيف استطاعوا بدقة عالية رصد أي محاولة لإخفاء العيوب في سلاسل الرواة، وتكمن أهمية هذا المبحث في حماية السنة النبوية، والتأكد من أن كل كلام يُنسب للنبي ﷺ قد وصل إلينا بأعلى درجات الصدق والأمانة، دون أي غموض أو تمويه.

الـمُدلَّس: في اللغة: مأخوذة من الدلَس -بفتح اللام-، وهو: اختلاط الظلام بالنور. 

وفي الاصطلاح: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره.

ويأتي على عدة صور، ذكر الناظم منها صورتين:

تدليس الإسناد:

وهو قول الناظم: (الأَوَّلُ: الاسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ … ينقلُ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِـــــــ: عَنْ، وَأَنْ)

وهو: أن يروي الراوي عن شيخٍ قد سمع منه بعض الأحاديث، لكن الحديث هذا الذي دلسه لم يسمعه منه، وإنما سمعه من شيخ آخر عنه، فيُسقط ذلك الشيخ، ويرويه عن الشيخ الأول بلفظ محتمل للسماع، كـ "قال" أو "عن" ليوهم غيره أنه سمعه منه، لكنه لا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: "سمعت" أو "حدثني"؛ حتى لا يصير كذابا بذلك.

مثاله: أخرجه أحمد في "المسند"[1]، والترمذي في "سننه"[2]، من حديث: أبي الزبير المكي، عن جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام كل ليلة حتى يقرأ ألم تنزيل الكتاب، وتبارك الملك".

أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، إلا أنه يدلس[3]، ويقع في المرتبة الثالثة من المدلسين عند ابن حجر، وهُم مَن أكثروا من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع[4]، وقد عنعن في هذا الحديث ولم يصرح بالسماع.

قال أبو خيثمة زهير بن معاوية: "قلت لأبي الزبير: أسمعتَ من جابر يذكر هذا الحديث؟! فقال أبو الزبير: ليس جابر حدثنيه! إنما أخبرنيه: صفوان أو ابن صفوان"[5]، أي عن جابر.

واختلف العلماء في قبول رواية المدلس على أقوال؛ أشهرها قولان، وهما:

أ- رد رواية المدلس مطلقا، وإن بَيَّنَ السماع؛ لأن التدليس نفسه جرح.

ب- التفصيل:

1- إن صرح بالسماع قبلت روايته، أي إن قال: "سمعت" أو نحوها قبل حديثه.

2- وإن لم يصرح بالسماع لم تقبل روايته، أي إن قال: "عن" ونحوها لم يقبل حديثه[6].

وهذا القول هو المعتمد.

الفرق التدليس وبين الإرسال الخفي[7]:

كلا من المدلِّس والمرسِل إرسالا خفيا يروي عن شيخ شيئا لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره، لكن المدلس قد سمع من ذلك الشيخ أحاديث غير التي دلسها، على حين أن المرسل إرسالا خفيا لم يسمع من ذلك الشيخ أبدًا، لا الأحاديث التي أرسلها ولا غيرها، لكنه عاصره أو لقيه[8].

تدليس التسوية:

وهذا النوع لم يذكره الناظم، وهو نوع من أنواع تدليس الإسناد، وصورته: أن يروي الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، وصورة ذلك: أن يروي الراوي حديثا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف، عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، فيسوي الإسناد كله ثقات.

وهذا النوع من التدليس شر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة. وفيه غرر شديد.

وأشهر من كان يفعله:

1- بقية بن الوليد، حتى قيل: "أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية".

2- الوليد بن مسلم.

تدليس الشيوخ:

وهو قول الناظم: (والثَّانِ: لَا يُسْقِطُهُ لَكِنْ يَصِفْ … أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لَا ينعرف)

وهو أن يروي عن شيخٍ حديثاً سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يُعرف به؛ كي لا يُعرف[9].

كأن يقول الراوي: "حدثنا أحمد بن هلال" يريد بذلك: الإمام أحمد بن حنبل، فينسبه إلى جد أبيه.

أو يقول: "حدثنا أبو صالح" يريد به: الإمام أحمد أيضًا، وهو مشهور بأبي عبد الله.

أو يكون الشيخ مشهورا بكونه بغداديا، فينسبه إلى العراق.

أو يصفه بكونه حافظا، وهو لا يعرف بذلك.

قال عبد الله بن أَحمد بن حنبل: سمعت أبي ذكر عطية العوفي، فقال: هو ضعيف الحديث؛ بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بـ "أبي سعيد" فيقول: قال أبو سعيد![10].

قال الكلبي: "كنَّاني عطيةُ: أبو سعيد"[11].

ويفعل الراوي ذلك لأسباب، منها:

1- إما أن يكون شيخه مجروحاً.

2- أو يكون المدلس قد شورِك في الرواية عن ذلك الشيخ مِن قِبَل مَن هم دونه في السن أو العلم أو غير ذلك، فيأنف من مشاركتهم له، ويريد أن يتميز عنهم.

3- أو لكون ذلك الشيخ أصغر سنا من الراوي عنه، فيخجل أن يعرف الناس أنه يأخذ عمن دونه في السنة.

وكلها من مزالق العلم.

تدليس البلدان:

وهذا النوع لم يذكره الناظم، قال ابن حجر: ويلتحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد، كما إذا قال المصري: "حدثني فلان بالأندلس" وأراد: موضعًا بالقرافة.

أو قال: "بزقاق حلب"، وأراد: موضعًا بالقاهرة.

أو قال البغدادي: "حدثني فلان بما وراء النهر"، وأراد: نهر دجلة.

أو قال: "بالرقة"، وأراد: بستانًا على شاطئ دجلة.

أو قال الدمشقي: "حدثني بالكرك"، وأراد: كرك نوح وهو بالقرب من دمشق.

وحُكْمُه: الكراهة؛ لأنه يدخل في باب التَّشَبُّع، وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلا إن كان هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثير فلا كراهة.

يُعرف التدليس بأحد أمرين:

1- إخبار المدلس نفسه -إذا سئل- أنه دلس، كما جرى لابن عيينة.

2- نص إمام من أئمة هذا الشأن؛ بناءً على معرفته ذلك من البحث والتتبع[12].

حكم التدليس:

- أما تدليس الإسناد: فمكروهٌ جدًّا، ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له، فقال فيه أقوالا، منها: "التدليس أخو الكذب".

- وأما تدليس التسوية: فهو أشد كراهة منه، حتى قال العراقي: "إنه قادح فيمن تعمد فعله".

- وأما تدليس الشيوخ: فكراهته أخف من تدليس الإسناد؛ لأن التدليس لم يسقط أحدا، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع، وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه.

أشهر المصنفات في المدلسين:

أ- التبيين لأسماء المدلسين: لبرهان الدين ابن الحلبي جمع فيه (93) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس.

ب- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، للحافظ ابن حجر، جمع فيه (152) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس[13].

ج- التدليس والمدلسون، للشيخ حماد بن محمد الأنصاري، جمع فيه (161) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس.



[1] مسند أحمد (23/ 26 ط الرسالة): 14659.

[2] سنن الترمذي (5/ 17 ت بشار): 2892.

[3] تقريب التهذيب (ص506).

[4] طبقات المدلسين = تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص45).

[5] تاريخ دمشق لابن عساكر (17/ 327).

[6] تيسير مصطلح الحديث (ص103).

[7] المرسل الخفي: أن يروي الراوي عمن لقيه، أو عاصره، ما لم يسمع منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره كـ "قال".

[8] تيسير مصطلح الحديث (ص98)

[9] مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث - ت عتر (ص74).

[10] العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (1/ 548).

[11] تهذيب التهذيب (9/ 173).

[12] تيسير مصطلح الحديث (ص104)

[13] تيسير مصطلح الحديث (ص104)




الاثنين، 1 يونيو 2026

أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (1)

 أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (1)


قال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».

قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: مَا قَبْلَهَا أَكْثَرُ مِنْهَا كَأَنَّكَ جِئْتَ آنِفًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ".

رجال الإسناد:

(زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ): أبو الحُسين العُكْلي، أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورَحَلَ في الحديث فأكثر منه: وهو صدوقٌ، يُخطِئُ في حديث الثوري.

(مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ): ابن حُدَيْر، الحضرمي، أبو عمرو وأبو عبد الرحمن، الحمصي، قاضي الأندلسِ، وثَّقه الأئمة: أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو زرعة الرازي، والعجلي، والنسائي، وابن سعد، والترمذي، والبزار، وقال الترمذي: "معاوية بن صالح ثقةٌ عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدًا تكلَّم فيه غير يحيى بن سعيد القطان".

(رَبِيعَة بْن يَزِيد): الدِّمشقيُّ، أبو شعيبٍ الإياديُّ، القَصِيرُ: ثقةٌ عابدٌ.

(أَبو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ): عائذُ الله بن عبد الله أبو إدريس الخَوْلاني، وُلِدَ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حُنَين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيدُ بن عبد العزيز: كان عالمَ الشام بعدَ أبي الدَّرداء.

(أَبو عُثْمَانَ): شيخ لربيعة بن يزيد الدمشقيُّ، قيل اسمه: سعيد بن هانئ الخَوْلانيُّ، وقيل: حَريزُ بن عثمان، مجهولٌ، تفرَّد بالرواية عنه ربيعة بن يزيد، ولم يوثقه أحد، وقال الذهبي في "الميزان": لا يُدرى من هو.

(جُبَيْر بْن نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ): الحِمْصيُّ: ثقةٌ جليلٌ، من الثانية، مُخَضْرَمٌ، ولأبيه صحبة.

(عُقْبَة بْن عَامِرٍ الْجُهَنِيّ): صحابيٌّ مشهورٌ، أبو حَمّاد، وَلِيَ إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا.

(عُمَرُ بنُ الخَطَّاب): عُمَرُ بن الخطَّاب بن نُفَيل القرشي العدويُّ، أميرُ المؤمنين، مشهورٌ، جَمُّ المناقب، استشهد في ذِي الحِجة سنةَ ثلاث وعشرين، وَوَلِيَ الخِلافة عشر سنين ونصفًا.

دراسة الإسناد:

إسناده حسن؛ من أجل زيد بن الحباب، فإنه صدوق، وجهالة أبي عثمان لا تضر؛ لأنه مقرون بأبي إدريس الخولاني.

تخريج الحديث:

أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من طريق المؤلف، وغيره[1].

شرح الحديث:

قوله: (فيحسن وضوءه) أي: يأتي بفرائض الوضوء التي لا يجزئ إلا بها، وسُنَنه كالتثليث، والتيامن، والسواك، والاقتصاد في الماء، وغير ذلك من السنن.

وقوله: (فيصلي ركعتين) نافلة كانت أو فريضة.

وقوله: (مقبل) أي: إلى الصلاة (بقلبه) أي باطنه (ووجهه) أي ظاهره، قال أبو الحسن المباركفوري: "الإقبال بالقلب: أن لا يغفل عنهما ولا يتفكر في أمر لا يتعلق بهما، ويصرف نفسه عنه مهما أمكن، والإقبال بالوجه: أن لا يلتفت به إلى جهة لا يليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه الخشوع والخضوع، فإن الخشوع في القلب والخضوع في الأعضاء"[2].

وقوله: (إلا وجبت له الجنة) ليس المراد دخول الجنة مطلقا، فإن ذلك يحصل بالإيمان، بل المراد دخولا أوليا، وهذا يتوقف على مغفرة الصغائر والكبائر جميعا، بل مغفرة ما يفعل بعد ذلك أيضا، نعم لا بد من اشتراط الموت على حسن الخاتمة.

وقول عمر: (مَا قَبْلَهَا أَكْثَرُ مِنْهَا) أي: الجملة التي قبل الجملة التي سمعتَها، وتعجبتَ من جودتها أكثر أجودية، وسبب أنها تفضيلها لأنها سهلة متيسرة يَقْدِرُ عليها كل أحد بلا مشقة، مع مزية التخيير في الدخول، وأن أجرها عظيم.

قوله: (كَأَنَّكَ جِئْتَ آنِفًا): وذلك أن عقبة بن عامر قال في بداية الحديث: -كما عند مسلم-: "كانت علينا رِعَايَةُ الإبل، فجاءت نوبتي، فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ ..." الحديث، فقال عقبة: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود! فنظرت فإذا عمر.

قوله: (مَنْ تَوَضَّأَ): فيسبغ الوضوء -كما عند مسلم- أي فيتمه ويُكْمِلُه فيُوصِلُه مواضعه على الوجه المسنون.

قوله: (فَقَالَ: أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ): قال الطيبي: قولُ الشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله، وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث.

وقوله: (فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ): عبّر عن الآتي بالماضي لتحقق وقوعه، والمراد تفتح له يوم القيامة، والظاهر أنه لا يختار إلا الذي يغلب عليه عمله؛ إذ أبواب الجنة معدة لأعمال مخصوصة.

فوائد:

الأولى: قال السندي رحمه الله: "يمكن أن يكون هذا الحديث بمنزلة التفسير لحديث عثمان رضي الله عنه، وهو: "من توضأ نحو وضوئي هذا .. إلخ"، وعلى هذا فقوله: "فيحسن وضوءه" هو أن يتوضأ نحو ذلك الوضوء، وقوله في حديث عثمان رضي الله عنه: "لا يحدث فيهما نفسه" هو أن يقبل عليهما بقلبه ووجهه، وقوله في ذلك الحديث: "غفر له .. إلخ" أريد به أنه تجب له الجنة"[3].

الثانية: وهذا الحديث لا يعارض حديث "إن في الجنة بابا لا يدخله إلا الصائمون" لاحتمال أن يدخله الصائمون أوَّلًا ثم يقع التخيير بعد.

وقال العلامة الإثيوبي: "لا تعارض بينهما؛ لأن المنفي فيه دخول غيرهم، وحديث الباب بين أنه يخير للتشريف، ولا يَلْزم منه الدخول؛ وحاصله أنه وإن خُيِّرَ لكن لا يرغب في الدخول فيه، ولا يوفق لذلك، إلا إذا كان ممن أكثر الصيام، والله تعالى أعلم بالصواب"[4].

الثالثة: قال ابن العربي: والمخيرون في الدخول أربعة: الأول حديث الوضوء، والثاني: المنفق زوجين في سبيل الله، والثالث: القائل "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم"، والرابع: من مات يؤمن بالله واليوم الآخر.

الرابعة: فيه رواية صحابي عن صحابي؛ عقبة عن عمر بن الخطاب.

الخامسة: ينبغي أن يضم إليه ما جاء في رواية الترمذي متصلًا بهذا الحديث: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"[5]، ويستحب أن يضم إليه ما رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة مرفوعًا: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك"، قال الشافعية: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضًا.

السادسة: ما ذكره الحنفية والشافعية وغيرهم في كتبهم من الدعاء عند كل عضو كقولهم يقال عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا ... إلخ، لم يثبت فيه حديث[6].

قال الحافظ ابن حجر في التلخيص[7]: قال الرافعي: "ورد بها الأثر عن الصالحين"، قال النووي: "هذا الدعاء لا أصل له، ولم يذكره الشافعي والجمهور، ولم يذكره المتقدمون"[8]، وقال بن الصلاح: "لم يصح فيه حديث".

قال الإمام ابن القيم: "ولم يُحفَظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية، وكلُّ حديث في أذكار الوضوء التي تقال عليه، فكذِبٌ مختلَق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا منها، ولا علَّمه لأمته، ولا ثبت عنه غيرُ التسمية في أوله، وقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» في آخره. وحديثٌ آخَرُ في «سنن النسائي» مما يقال بعد الوضوء أيضًا: «سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»"[9].

السابعة: قال العلامة الإثيوبي: "فتح أبواب الجنة محمول على ظاهره وحقيقته، وذكر بعضهم احتمال أن يكون مجازا عن التوفيق للطاعات في الدنيا، فإنها سبب في فتح أبواب الجنة في الآخرة، والصواب ما قدمته، وأما الاحتمال المذكور فيبعده قوله: "يدخل من أيها شاء"، فتأمل"[10]، أي: تفتح الأبواب حقيقة يوم القيامة، وليس المعنى التوفيق للطاعات.

الثامنة: الأبواب الثمانية هي: باب الإيمان، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الصدقة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، وباب الجهاد، وباب التوبة.



[1] صحيح مسلم (1/ 209 ت عبد الباقي): 234.

[2] مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 9).

[3] مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 9).

[4] البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (6/ 196)

[5] قال ابن حجر في التلخيص الحبير (1/ 299 ط العلمية): رواه الترمذي، وفي إسناده اضطراب ولا يصح فيه شيء كبير.

[6] تحفة الأحوذي (1/ 151)

[7] التلخيص الحبير (1/ 260 ط أضواء السلف).

[8] انظر: روضة الطالبين (1/ 62)، والمجموع (1/ 526).

[9] زاد المعاد ط عطاءات العلم (1/ 213).

[10] البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (6/ 195)