الأربعاء، 8 أبريل 2026

ما بين إشعال الفتيل والهدنة

 ما بين إشعال الفتيل والهدنة


انتهت جولة من الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، وبدأت مرحلة الهدنة، لكن ما بعد الهدنة لا يقل أهمية عن الحرب نفسها؛ ففي هذه اللحظة، تتضح النتائج الحقيقية، ويظهر أي الأطراف استطاع أن يحافظ على توازنه، وأيها دخل مرحلة جديدة من التحديات.

أولاً: دول الخليج:

وجدت دول الخليج نفسها في قلب صراع أكبر منها، تتلقى تداعياته المباشرة، دون أن تكون صاحبة قراره، ومع ذلك، استطاعت الحفاظ على توازنها، فلم تنجرّ إلى تصعيد غير محسوب، ولم تفقد السيطرة على جبهتها الداخلية.

واجه الخليج تهديدات مباشرة بالصواريخ والمسيرات من الأراضي الإيرانية، كان النصيب الأكبر (90%) من الصواريخ والمسيرات الإيرانية موجهة للخيلج، والباقي لإسرائيل، في وضع يطرح سؤالاً ضخماً: من العدو الحقيقي لإيران؟!

كما كان جزء كبير منها جاء من الميليشيات العراقية التابعة لإيران، حيث تشير التقديرات إلى أن النسبة الأكبر من الضربات التي استهدفت الكويت والسعودية -على وجه الخصوص- جاءت من تلك الجهة، ولم تكتفِ الكويت والسعودية بالدفاع، بل اتجهت – في بعض مراحل المواجهة – إلى ردود استهدفت مواقع لفصائل مسلحة موالية لإيران داخل العراق.

وفي خضم هذه التجربة، تعزز إدراك دول الخليج بأن الاعتماد على الحماية الخارجية لم يعد كافياً، وأن بناء القدرة الذاتية ضرورة لا خيار، كما برزت أهمية تماسك الجبهة الداخلية، ووحدة الصف الخليجي، باعتبارهما خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات.

ومن أبرز ما كشفت عنه الحرب، أن الخليج لم يعد مجرد طرف في الصراع، بل ركيزة في الاقتصاد العالمي؛ فقد ظهر بوضوح مدى اعتماد العالم على طاقته، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، وما تبعه من ارتباك في الأسواق. وهذا ما يجعل استقرار الخليج مصلحة دولية عليا، تسعى القوى الكبرى – كأوروبا والصين – إلى الحفاظ عليها.

ثانياً: الولايات المتحدة:

دخلت الولايات المتحدة الحرب مدفوعة باعتبارات متعددة، في مقدمتها دعم إسرائيل، لكنها لم تكن تملك تصوراً واضحاً لنهايتها: هل الهدف إسقاط النظام الإيراني؟ أم تحجيمه؟ أم مجرد ضبط سلوكه؟

هذا الغموض انعكس على إدارة المعركة المربكة، التي بدت في كثير من مراحلها أقرب إلى رد الفعل منها إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، ورغم قدرتها على ترجيح كفة الصراع، فإنها واجهت كلفة مرتفعة، وتعقيدات ميدانية وسياسية كشفت حدود القوة العسكرية في فرض استقرار دائم.

ومن المرجح أن تدفع هذه التجربة واشنطن إلى تقليل انخراطها المباشر مستقبلاً، والاعتماد على أدوات أقل كلفة، مع إعادة ترتيب أولوياتها، بما يتجاوز الشرق الأوسط إلى ملفات دولية أخرى.

ثالثاً: إسرائيل:

ظهرت إسرائيل في هذه الحرب معتمدة بشكل كبير على الدعم الأمريكي، في واقع يبرز صعوبة تحقيق طموحاتها الاستراتيجية منفردة، ورغم ما حققته من مكاسب استراتيجية، فإنها لم تحقق حالة الاستقرار الذي كانت تسعى إليه.

لقد تلقت إسرائيل ضربات صاروخية قاسية، يُرجّح أن جانباً منها تحت التكتيم الإعلامي، كما كشفت المواجهة أن منظومات الدفاع القبة الحديدية – رغم تطورها – ليست حصناً مطلقاً، وأن استنزافها أو تجاوزها بات ممكناً ضمن تكتيكات وثغرات استغلها النظام الإيراني.

ويبدو أن ما يُطرح تحت عنوان: “إسرائيل الكبرى” يواجه واقعاً معقداً يجعل تحققه أبعد من أي وقت مضى، في ظل توازنات إقليمية رافضة وتكاليف باهضة، كما بات حلم “المشروع الإبراهيمي” والتوسع في مسار التطبيع أكثر صعوبة، بعد أن أعادت الحرب إحياء الحساسية الشعبية والسياسية في المنطقة، وأظهرت أن بناء تحالفات مستقرة لا يمكن أن يقوم على تجاوز جذور الصراع.

ومع تصاعد العزلة الدولية، وتراجع الشعور بالأمان في الداخل الإسرائيلي، تواجه إسرائيل تحديات لا تقتصر على ساحة المعركة، بل تمتد إلى بنية المجتمع واستقراره.

وباتت حكومة بنيامين نتنياهو أكثر عرضة للتهديد من أي وقت مضى، في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة وتداعيات الحرب التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أدائها وقدرتها على إدارة المرحلة القادمة.

رابعاً: إيران:

خاضت إيران هذه الحرب مدفوعة بالحفاظ والدفاع عن مشروعها الاستراتيجي، وأظهرت قدراً من التماسك، والتهديد، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن فجوة بين خطابها وقدراتها العسكرية الفعلية، سواء في نوعية ترسانتها التي ظهرت بدائية، أو في أداء أذرعها الإقليمية وفاعليتها.

كما برزت مؤشرات على اختراقات أمنية واسعة، طالت مستويات متقدمة من دوائر القرار، وصلت إلى رأس المرشد والصف الأول والثاني من القيادات، وربما امتدت إلى الصف الثالث، وهو ما يعكس خللاً في البنية الأمنية، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على حماية مراكزها الحساسة.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الخسائر العسكرية، بل في ما قد تخلّفه من آثار داخلية: ضغط اقتصادي، وتراجع في الخدمات، واحتقان اجتماعي قد يتطور إلى اضطرابات أوسع، تهدد تماسك الدولة على المدى البعيد، بعد ضربات أمريكية-إسرائيلية أرجعتها إلى عقدين من الزمان!

* * *

في الختام .. كشفت هذه الحرب أن المنطقة لا تتجه نحو هيمنة طرف واحد، بل نحو حالة من التوازن الهش، حيث يملك الجميع القدرة على الإيذاء دون القدرة على الحسم.

وفي مثل هذا السياق، لا يكون الانتصار في كسب المعركة، بل في القدرة على التعلم منها، وإعادة بناء الذات على أسس أكثر صلابة. 

وهنا تحديداً، تبدو دول الخليج وقد خرجت من هذه الجولة أكثر وعياً، وأكثر تماسكاً، وأقل خسارة، وأكثر استعداداً لما هو قادم.

الخميس، 2 أبريل 2026

الرد على قاعدة الدكتور بشار عواد

 الرد على قاعدة الدكتور بشار عواد


استوقفني ما طُرح في لقاءٍ ضمن لقاءات راديو ثمانية، الذي يقدّمه عبد الرحمن أبو مالح، واستُضيف فيه الدكتور المحقق بشار عواد معروف، حيث أُثيرت مسألة تتعلق بمنزلة “الصحيحين” وحدود ما يُستفاد من عدم إخراج بعض الأحاديث فيهما.

وقد جزم الدكتور بشار بقاعدة خطيرة، مؤداها: أن كل حديثٍ في حكمٍ عقدي أو عبادي أو إرشادي، ليس في “الصحيحين”، فهو ضعيف. وهذا القول – على وجازته – يثير إشكالًا علميًا عميقًا؛ إذ لم يُعرف عن أئمة الحديث المتقدمين، ولا عن صاحبي الصحيحين نفسيهما، تقرير مثل هذا الأصل.

فالإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج لم يلتزما استيعاب جميع الصحيح، بل صرّحا بخلاف ذلك. فقد تقرر في منهجهما أنهما انتقيا من الصحيح ما رأياه مناسبًا لشروط كتابيهما، مع علمهما بوجود أحاديث صحيحة كثيرة خارج الصحيحين. بل جاء عن البخاري قوله: “ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحيح أكثر”

ومن الشواهد المهمة على ذلك: أن الإمام محمد بن عيسى الترمذي كان يسأل البخاري عن أحاديث، فيصححها، مع أنها ليست في “صحيحه”، ولا في “صحيح مسلم”. وهذا يدل دلالة واضحة على أن دائرة الصحيح أوسع من دائرة ما أُخرج في الصحيحين.

ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما صنّفه الأئمة بعدهما من كتبٍ التزم أصحابها إخراج الصحيح – بحسب اجتهادهم – مثل كتاب صحيح ابن خزيمة، وكتاب صحيح ابن حبان، وهما شاهدان عمليان على أن الصحيح لم يُحصر في الصحيحين.

بل إن الإمام الحاكم النيسابوري تنبّه لهذه القضية حين أُثيرت في زمنه من قبل مَن لا يُحسن هذا العلم، فجمع الأحاديث التي هي على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما في كتابه المستدرك على الصحيحين، مستدركًا بذلك ما فاتهما – بحسب اجتهاده – ومؤكدًا سعة دائرة الصحيح.

حتى لو قيل إن العبارة قد خانته وأن مراد الدكتور بشار الأبواب لا أفراد الأحاديث، فإن ذلك لا يُسلَّم له أيضًا؛ إذ توجد عشرات بل مئات الأبواب التي صححها العلماء واعتمدوها، مع أنها ليست في الصحيحين. ومصنَّف ابن أبي شيبة شاهد بيّن على ذلك؛ ففيه آلاف التراجم والأبواب التي جرى عليها عمل أهل العلم قبولًا واحتجاجًا.

إن  خطورة هذا القول لا تقف عند حدّ الخطأ المنهجي، بل تتعداه إلى آثارٍ علميةٍ جسيمة؛ إذ يترتب عليه ردّ طائفة كبيرة من الأحاديث التي بُنيت عليها أحكام فقهية ومسائل عقدية، وهي ثابتة عند أئمة هذا الشأن، وإن لم تُخرّج في الصحيحين.

ومن هنا، فإن الميزان في مثل هذه المسائل الدقيقة لا يكون بالآراء المعاصرة – مهما بلغ أصحابها من التحقيق والفضل – بل بالرجوع إلى نقاد الحديث المتقدمين، الذين استقرّ عندهم علم العلل، ودقائق التصحيح والتضعيف، وهم العمدة في هذا الباب.

ولا ريب أن الدكتور بشار عواد معروف محققٌ معتبر، وله جهود علمية مشهودة، لكن مسائل العلل والمصطلح الدقيق لها أهلها من المتقدمين، وكلامهم فيها هو الأصل الذي يُرجع إليه، ويُوزن به غيره.

يذكر أنه قال ذلك في معرض إنكار أحاديث المهدي، التي بلغت نحو خمسين حديثًا، حتى حكم جماعة من أهل العلم ببلوغها حد التواتر، كما قرره السخاوي، والكتاني، والشوكاني، والسفاريني، وصديق حسن خان، وابن باز، فضلًا عن تصحيح أحاديث المهدي عند جمع من المتقدمين والمتأخرين غير هؤلاء!

وخلاصة القول: إن الصحيحين ذروة ما صُنّف في الحديث الصحيح، لكنهما ليسا حدًّا جامعًا له، ولا يصح جعل ما لم يرد فيهما في حكم الضعيف بإطلاق. بل الصواب هو ما عليه أهل الحديث: أن الصحيح يُعرف بشروطه وقواعده، لا بمجرد كونه داخل كتابٍ بعينه أو خارجه.

وهذا بابٌ يحتاج دائمًا إلى قدرٍ من التؤدة، وإنصافٍ في النقل، وتعظيمٍ لمنهج الأئمة، حتى لا ننقض – من حيث لا نشعر – ما بناه أولئك الأعلام عبر قرونٍ من التحقيق والتدقيق.



الأربعاء، 1 أكتوبر 2025

 زهرة التوليب والبيتكوين .. حين تتكرر الفقاعات بثياب مختلفة


في تاريخ الاقتصاد العالمي، ظهرت أزمات مالية متشابهة في جوهرها رغم اختلاف الزمان والمكان، تتكرر فيها ذات الملامح: ارتفاع جنوني في الأسعار، مضاربة محمومة، وثقة نفسية هشة، ثم انهيار مفاجئ يطيح بالثروات ويكشف هشاشة الأسس التي بُنيت عليها هذه الأسواق.

من العصر الهولندي الذهبي، مرورًا بـالكويت في ثمانينيات القرن الماضي، وصولًا إلى العملات الرقمية في العصر الحديث، تتجلى أمامنا نماذج لفهم كيف تتحول الأسواق إلى فقاعات اقتصادية إذا غابت الرقابة الكاملة، وسادت شهوة الربح السريع.

فقاعة التوليب: زهور تُباع بثمن القصور!

في ذروة العصر الذهبي الهولندي، بين عامي 1634 و1637، اجتاحت البلاد موجة جنون استثماري تُعرف بـ "فقاعة التوليب"، حيث تحوّلت زهرة التوليب النادرة المجلوبة من ديار العثمانيين إلى سلعة مضاربة لا مثيل لها؛ حيث كانت رمزاً للثراء "المزيّف"، تجاوزت أسعار بعض بُصيلات التوليب في تلك الفترة قيمة المنازل الفاخرة، بل وجرى تداول العقود الآجلة لها كما لو كانت سبائك ذهبية.

تسارع الناس إلى شراء "التوليب" على آثار بعضهم يُهرعون .. لم يكن الغرض من الشراء اقتناء الزهور أو زراعتها، بل فقط إعادة بيعها بسعر أعلى، مدفوعين بأمل الثراء السريع، وفي لحظةِ شَكٍّ .. انهار السوق، وانهارت معها الثروات الورقية، ليكتشف الناس أنهم كانوا يبيعون الوَهْم لبعضهم البعض!

أزمة سوق المناخ: أسهم على الورق وثقة بلا أساس!

بعد أكثر من ثلاثة قرون من الحادثة الهولندية، شهدت الكويت ظاهرة مشابهة في صورة أزمة سوق المناخ عام 1982؛ ففي سوق "غير رسمي"، وخارج "الرقابة المالية"، نشطت حركة بيع وشراء لأسهم شركات أغلبها لا يملك إنتاجًا حقيقيًا، بل كان مدفوعًا بالمضاربة والعقود الآجلة المفتوحة.

ارتفعت آنذاك الأسعار بصورة خيالية حتى فقدت أي صلة بقيمتها الواقعية -كزهرة التوليب- وعندما بدأت الثقة تتآكل، انهار السوق سريعًا، وانكشف حجم الكارثة: شيكات مؤجلة بمليارات، وخسائر شخصية ومؤسسية ضخمة، واضطرت الدولة إلى التدخل لاحتواء الأزمة، كانت النتيجة درسا قاسيًا عن خطورة الأسواق غير المنظمة عندما تستولي عليها شهوة الربح بلا ضوابط.

العملات الرقمية: فقاعة بثوب رقمي!

في العقدين الأخيرين، ظهرت العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، كظاهرة مالية جديدة جذبت أنظار المستثمرين حول العالم، ورغم أن هذه العملات تستند إلى تقنيات متقدمة مثل "البلوك تشين"، إلا أن طبيعة التداول فيها -خصوصًا في مراحل الصعود الحاد- أظهرت تشابهًا لافتًا مع الأزمات السابقة؛ فالمضاربة الواسعة، والتوقعات النفسية الجامحة، والشراء بدافع اللحاق بركب الثراء، كلها سمات تكررت.

وقد شهدت البيتكوين وغيرها من العملات ارتفاعات مذهلة وانهيارات عنيفة في فترات قصيرة، مما يعكس هشاشة جزء كبير من هذا السوق، خاصة في ظل غياب التنظيم الصارم والاعتراف الحكومي الشامل.

الشريعة ونظرتها الاستباقية ..

ومن أجل كل هذه الدروس المتكررة، جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج استباقي يُحصّن السوق من مثل هذه الكوارث؛ فنهى النبي ﷺ عن صور عديدة من البيوع التي تقوم على الغرر والجهالة والمقامرة، كـ "بيع الغرر"، و"بيع ما لا تملك"، و"بيع ‌حَبَلِ ‌الْحَبَلَةِ"[1]، لما في هذه المعاملات من مخاطرة مفرطة وأوهام ربحية قد تُفضي إلى الفساد والظلم.

خلاصة المشهد ..

من زهور التوليب إلى أسهم المناخ إلى العملات الرقمية، تتكرر الظاهرة: فقاعة تبدأ بمؤشر طمع، ثم تتضخم بالتوقعات النفسية، وتنتهي بانفجار مؤلم، وكلما غاب التنظيم، وضعُف "الوعي الجَمْعي"، وزاد الاعتماد على "سلوك القطيع" .. أصبحت الأسواق أكثر عرضة للانهيار.



[1] بيع ‌حبل ‌الحبلة: هو بيع كان يتبايعه أهل الجاهلية، يبيع أحدهم ناقته بحمل ناقة أخرى، أو بولد ولدها، أو يبيع ولد الولد، فيقول: بعتك ولد ما في بطن هذه الناقة، إذا حملت هذه الناقة ثم حملت الناقة التي تلدها، فإذا ولدت بكرة فإني أبيعك ذلك المولود، ولا شك أن هذا غرر؛ لأنه بيع معدوم، قد يحصل وقد لا يحصل.

شرح (سر على مهلك) 4

 

خالفِ المرأة لا تَسمَع لها

فَالرَّزايا جُمعت في رَأيها

وإذا قالت فلا تُصْغِ لها

(واترك الغادة لا تَحفَل بها)

(تُمْسِ في عزّ رفيع وتجلّ)

يبدو أن الناظم لم يرد أن يدع خيراً في النساء!، وعلى كل حال ما ذكره الناظم هو الحال الغالب على النساء؛ يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم "‌كَمَلَ ‌مِنَ ‌الرِّجَالِ ‌كَثيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ" متفق عليه، ففي الحديث أن النساء الكُمَّل قليل.

بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا رَأَيْتُ مِنْ ‌نَاقِصَاتِ ‌عَقْلٍ ‌وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ" متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ؛ فَإِنَّ المَرْأَةَ ‌خُلِقَتْ ‌مِنْ ‌ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ؛ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ" متفق عليه.

ولَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا ‌أَمْرَهُمُ ‌امْرَأَةً" أخرجه البخاري.

كما أنه لا ينغي ترك تدبير المعيشة في يد المرأة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5] والمقصود بالسفهاء: النساء، والصبيان، قاله الصحابي عبد الله بن مسعود.

وبَيـَّنَ ابنُ عباس تفسير هذه الآية، فقال: "لا تَعْمَدْ إلى مالِكَ وما خوَّلَّكَ اللهُ وجعلَهُ لك عِيشَةً، فتعطيه امرأتَك أو بنيك؛ ثم تُضطرَّ إلى ما في أيديهم، ولكن أمسِكْ مالَكَ، وأصلِحْهُ، وكُن أنتَ الذي تُنفِقُ عليهم في كسوتهم ورزقهم ومُؤْنتِهم".

كذلك العاقل لا يضع سره عند امرأة؛ فإن صدرها بالسر أضيق من سَمِّ الخِياط، قال عمر رضي الله عنه: "خصلتان من علامة الجهل: مشاورة ‌النّساء والصبيان، واستكتام السرّ النساء والصبيان".

فالعقل من صفات الرجال، والمرأة خلقها الله بمزايا أخرى، كما قيل: "‌عقل ‌المرأة في جمالها، وجمال الرجل في عقله"[1].

وما ذكرته هو الأعم الأغلب.

* * *

وقد جاءت نصوص شرعية تبين أن بعض النساء لديهن عقل راجح، من ذلك خديجة -رضي الله عنها- حين جاءها النبي صلى الله عليه وسلم وقد رأى جبريل على هيئته العظيمة التي خلقه الله عليه وله ستمائة جناح، "فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ: "‌زَمِّلُونِي ‌زَمِّلُونِي" فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي"، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" متفق عليه.

ومن ذلك قصة أم سلمة -رضي الله عنها- في الحديبية لما صالح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قريشاً على الرجوع، وعدم دخول مكة عامهم هذا، قال لأصحابه: "قُومُوا فَانْحَرُوا"، قال الراوي: "فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فلما فعل ذلك ، قاموا فنحروا".

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقا: "فيه جواز مشاورة المرأة الفاضلة".

* * *

وقول الناظم: (واتْرُكِ الغادَةَ لا تَحفَل بها ... تُمْسِ في عزّ رفيع وتجلّ).

الغادة: الفتاة الناعمة اللينة.

لا تحفل بها: أي لا تبالِ بها، يقال: حَفَلْتُ بكذا، أي باليتُ به، ويقال: ‌لا ‌تَحْفلْ به[2].

يعني أن مَن تعلق قلبه بالحب والعشق، ابتعد عن العزة والإجلال، فصاحب العشق تعتريه مسكنة ومذلة، وينشغل بمحبوبه عن معالي الأمور وعزيزها، كما قال عنترة العبسي:

مَوتُ الفَتى في عِزَّةٍ خَيرٌ لَهُ

مِن أَن يَبيتَ أَسيرَ طَرفٍ أَكحَلِ

وقد قُدمت جارية حسناء لأحد قادة الفتوح المسلمين، فنظر إليها وقال: كم أنت جميلة، ولكني مشغول عنكِ بما هو أعظم!

فالشاهد أن العشق والتعلق به يُقعد المرء عن معالي الأمور، ورفيع المقامات، بل يضع من قدره، ويؤخره عن ركب النجاحات.

قال أبو الخطاب الكلوذاني (ت 510 هـ):

دَعْ عنك ‌تَذْكارَ ‌الخليطِ المُنْجِدِ

والشوقَ نحو الآنساتِ الخُرَّدِ

والنَّوْحَ في أطلال سُعدى إنما

تَذْكارُ سُعدى شُغْلُ مَنْ لم يُسْعَدِ




[1] التمثيل والمحاضرة (ص217).

[2] الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (4/ 1671).

الجمعة، 1 أغسطس 2025

حديث: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود) لا يصح !

حديث: (استعينوا على قضاء (أو: إنجاح) حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود) لا يصح !



لا شك أن تغير الزمان والعادات والثقافات يعد من عوامل بروز بعض النصوص والمقولات التراثية التي تخدم تلك المرحلة، حسب طبيعة الزمان والمكان، وفي زماننا هذا وانتشار النعمة وانفتاح الناس على بعضهم البعض برز حديث: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)، ولا شك أن معنى الحديث صحيح؛ فإن العين حق، ولكن هل تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟، لأن نسبة قول إليه لم يقله يعد من كبائر الذنوب، وهو القائل: (مَن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)!

هذا الحديث أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير"[1]، والعقيلي في "الضعفاء"[2]، وابن عدي في "الكامل"[3]، وأبو نعيم في "الحلية"[4] من حديث: سعيد بن سلام، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل مرفوعاً به.

وسعيد بن سلام قال عنه البخاري: يُذكر بوضع الحديث، بل قال الإمام أحمد بن حنبل: كذاب![5].

وقال الذهبي: "ومن منكراته: عن ثور، عن خالد بن معدان، عن معاذ حديث: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود"[6].

وأخرج ابن عدي في "الكامل"[7] متابعة له من طريق: حسين بن علوان، عن ثور بن يزيد به، وقال: عامة أحاديث حسين بن علوان موضوعة، وهو في عداد من يضع الحديث.

وله متابع آخر أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصفهان" من طريق: ‌عمر ‌بن ‌يحيى ‌القرشي، ثنا شعبة، عن ثور بن يزيد به[8].

قال ابن الجوزي: "عمر ‌بن ‌يحيى يروي عن شعبة، قال أبو نعيم الأصبهاني: متروك الحديث"[9].

وأخرج أبو الشيخ في "الأمثال"[10] قال: حدثنا نوح بن منصور، ثنا ‌محمد ‌بن ‌معقل، ثنا وكيع، عن ثور بن يزيد به.

ونوح بن منصور: مجهول[11]، كذلك شيخه: محمد ‌بن ‌معقل.

وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب أخرجه الخرائطي في "اعتلال القلوب"[12]، من حديث: حَلْبَس بن محمد، عن جريج قال: قال عطاء بن أبي رباح: قال عمر بن الخطاب مرفاعاً به.

وحلبس: متروك الحديث[13].

وله شاهد آخر من حديث أبي موسى الأشعري أخرجه محمد بن الحسن السلمي في "آداب الصحبة"[14]، من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا به.

وفي إسناده مَن لا يُعرف، والسلمي نفسه ليس بثقة، قال الذهبي: شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم، تكلموا فيه، وليس بعمدة، وقيل: كان يضع الأحاديث للصوفية[15].

وله شاهد أيضاً من حديث أبي هريرة أخرجه ابن حبان في "نزهة الفضلاء"[16] والسهمي في "تاريخ جرجان"[17] من حديث: سهل بن عبد الرحمن، عن محمد بن مطرف أبي غسان، عن محمد بن المنكدر، عن عروة، عن أبي هريرة مرفوعاً به.

وسهل بن عبد الرحمن قال الألباني: (وهو عندي سهل بن عبد الرحمن المعروف بـ "السندي بن عبدويه الرازي" وذكره ابن حبان في "الثقات" كما في "اللسان"، فالحديث بهذا الإسناد جيدٌ عندي)[18].

قلت: وتتمة قول ابن حبان في الثقات: "... يُغرِب"[19]، فالحديث هذا لا شك أنه من غرائبه، والقول الأولى بالصواب يقتضي بعدم تصحيح هذا الحديث، بل إلى الوضع أقرب كما قال الإمام أحمد وغيره.

قال مهنأ: سألت أحمد ويحيى بن معين عن قول الناس: "استعينوا على طلب حوائجكم ‌بالكتمان"؟ فقالا: هذا موضوع، وليس له أصل[20]. وقال أبو حاتم: "منكر"[21].

وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات"[22]، والسيوطي في "موضوعاته"[23].



[1] المعجم الصغير للطبراني (2/ 292)

[2] في "الضعفاء" (2/ 109)

[3] في "الكامل" (3/ 1240)

[4] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة (5/ 215) و (6/ 96).

[5] ميزان الاعتدال (2/ 141)

[6] ميزان الاعتدال (2/ 141)

[7] في "الكامل" (2/ 771)

[8] في "أخبار أصبهان" (2/ 217)

[9] الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي (2/ 219).

[10] في "الأمثال" (ص 238 رقم 200)

[11] انظر: بلوغ الأماني بتراجم شيوخ أبي الشيخ الأصبهاني (2/ 1090).

[12] اعتلال القلوب - الخرائطي (2/ 335): 680.

[13] ميزان الاعتدال (1/ 587)

[14] آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي (ص70)

[15] ميزان الاعتدال (3/ 523)

[16] نزهة الفضلاء ص252

[17] تاريخ جرجان (ص223)

[18] سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (3/ 438)

[19] الثقات لابن حبان (8/ 304)

[20] المنتخب من علل الخلال (1/ 83)

[21] أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (ص52).

[22] الموضوعات لابن الجوزي (2/ 164)

[23] اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (2/ 68)