السبت، 17 أغسطس 2019

الملجأُ العامُّ


الملجأُ العامُّ


الإنسان كائن ذو مشاعر متعددة؛ فتارة يشعر بالأمن وتارة يشعر بالخوف، وأحياناً يشعر بالفرح وأحياناً يشعر بالحزن، وأحياناً يضحك وأحياناً يبكي ... إلخ.
ويفترق الناس باختيارهم الوسائل والسبل لإزالة تلك المشاعر السيئة وجلب المشاعر الجيدة، فمنهم مَن يخرج بحثاً عن آخرين من بني جنسه يأنس بهم وينسى همومه معهم، وبعضهم يتوسع في المباحات ويكاد يلامس المحرمات؛ بحثاً عن الترفيه، وآخرون يلجؤون إلى المحرمات كشرب الخمر وتعاطي المخدرات وممارسة الفاحشة والرذيلة!
وصِنْفٌ من الناس -الموفقين- يلجؤون إلى بيوت الله؛ حيث يجدون راحتهم ويأنسون بمناجاة ربِّهم، ويكُونون كالثلاثة[1] الذين {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ}، نعم .. إن المساجد ملاذ المؤمنين وأُنْسُ المتقين، فلا حُجَّاب يحجبون الداخلين إليها، ولا رسوم ولا ضرائب تؤخذ من الواردين عليها، بل أمر الله بتشييدها وذِكره فيها: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}.
فالمساجد بيوت الرحمن وأحب البِقاع إليه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ البِلَادِ إلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إلى اللهِ أَسْوَاقُهَا"[2].
وحذر مَن منع مساجد الله وطرد قاصديها، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وخرابها: بالهدم، أو بتعطيلها عن الصلاة والذكر، ومنع الناس من دخولها[3].
وبشِّر الذي امتلأ قلبه بحب المساجد بالظلِّ يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ [وفي رواية: سبعَةٌ في ظلِّ العرشِ][4] ... ورَجُلٌ مُعَلَّقٌ بالمَسْجِدِ، إذا خَرَجَ منه حتَّى يَعُودَ إلَيْهِ"[5].


وتتنزل الرحمات وتُمنح الأُعطيات لمن كانت المساجد بمنزلة بيته، ولا يكون ذلك إلا من المتقين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسجدُ بيتُ كلِّ تقيٍّ، وتكفَّلَ اللهُ لمَن كان المسجدُ بيتهُ بالرَّوحِ والرَّحمةِ، والجَوازِ على الصِّراطِ إلى رِضوانِ اللهِ؛ إلى الجنَّةِ"[6]. والرَّوح يعني: الراحة والفَرَج والسُّرور والفَرَح.
بل يسخر الله مَن يدعو لك ما دمت جالساً في المسجد؛ فعَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "لَا يَزَالُ العَبْدُ في صَلَاةٍ ما كانَ في مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ"، حتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ". قال أبو رافع لأبي هريرة: ما يُحْدِثَ؟ قالَ أبو هريرة: يَفْسُو، أَوْ يَضْرِطُ[7].


أما إن قصدها بنيَّة قراءة القرآن وتعلم معانيه وفهم أحكامه فهنيئاً له؛ له السكينة التي تشرح صدره والرحمة التي ترفع درجته وتغفر ذنبه، ويباهي الله بهم الملائكة، قال المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"[8].
قال القاري: "أي الملأ الأعلى والطبقة الأولى من الملائكة، وذكره سبحانه للمباهاة بهم، يقول: انظروا إلى عبيدي يذكروني ويقرؤون كتابي"[9].
فأُمَُوا -معشرَ البائسين- بيوتَ رب العالمين، بددوا بُئسكم، شتتوا حزنكم، اكرعوا من معين الراحة والسرور، املؤوا رصيد الآخرة بالحسنات، اغسلوا صحيفة السيئات!





[1] الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، هم «كعب، وهلال، ومرارة»، وقصتهم طويلة، انظر: صحيح البخاري (4418) وصحيح مسلم (2769).
[2] أخرجه مسلم (671).
[3] أما إغلاقها في غير وقت الصلاة والتدريس لغرض مقبول عقلا وشرعا كالحفاظ على أجهزتها من السرقة فلا حرج فيه، كما قال الإمام النووي ـ رحمه الله: قال الصيمري وغيره من أصحابنا: لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة لصيانته أو لحفظ آلاته هكذا قالوه، وهذا إذا خيف امتهانها، وضياع ما فيها، ولم يدع إلى فتحها حاجة، فأما إذا لم يخف من فتحها مفسدة ولا انتهاك حرمتها، وكان في فتحها رفق بالناس فالسنة فتحها كما لم يغلق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه ولا بعده. وقال المرغيناني ـ رحمه الله ـ في الهداية: ويكره أن يغلق باب المسجد، لأنه يشبه المنع من الصلاة، وقيل لا بأس به إذا خيف على متاع المسجد في غير أوان الصلاة.
[4] أخرها البزار وغيره، واختلف في تصحيحها.
[5] أخرجه البخاري (660) ومسلم (1031)
[6] أخرجه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (72) مختصراً، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (10657)، وحسنه الألباني لغره في صحيح الترغيب 330
[7] أخرجه مسلم 649
[8] أخرجه مسلم (2699)
[9] مرقاة المفاتيح 1/ 288

الثلاثاء، 13 أغسطس 2019

إعجاز القرآن

إعجاز القرآن



إن الله عز وجل أنزل أحسن كتبه على أفضل رسله إلى خير أمة أخرجت للناس، وجعل كتابه معجزة خالدة إلى أن يرث اللهُ الأرض ومَن عليها، وقد تحدى الله تعالى العرب منذ العهد المكي إلى العهد المدنيّ إلى أبد الدهر على الإتيان بمثله إن استطاعوا، ولم يستطيعوا ذلك ولن يستطيعوا.
فإعجاز القرآن: هو أن يؤدي المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق[1].
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره، عند تفسير قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس 38]، قال:
"وَهَذَا هُوَ الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي التَّحَدِّي، فَإِنَّهُ تَعَالَى تَحَدَّاهُمْ وَدَعَاهُمْ، إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي دَعْوَاهُمْ، أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ، فَلْتُعَارِضُوهُ بِنَظِيرِ مَا جَاءَ بِهِ وَحْدَهُ وَاسْتَعِينُوا بِمَنْ شِئْتُمْ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٨] ، ثُمَّ تَقَاصَرَ مَعَهُمْ إِلَى عَشْرِ سُوَرٍ مِنْهُ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هُودٍ: ١٣] ثُمَّ تَنَازَلَ إِلَى سُورَةٍ، فَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وَكَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ -وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ -تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ مِنْهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ أَبَدًا، فَقَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ الْآيَةَ: [الْبَقَرَةِ: ٢٤]
هَذَا وَقَدْ كَانَتِ الْفَصَاحَةُ مِنْ سَجَايَاهُمْ، وَأَشْعَارِهِمْ وَمُعَلَّقَاتِهِمْ إِلَيْهَا الْمُنْتَهَى فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَكِنْ جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِ".
"ويعسر أن تُحَدّ وجوه الإعجاز في القرآن العظيم، فكلّ شيء منه لا نظير له، فهو باهر في ألفاظه وأسلوبه، في تأليفه ونظمه، في بيانه وبلاغته، في تشريعه وحكمه الّتي حيّرت الألباب، في أنبائه وأخباره، في تاريخه وحفظه، في علومه الّتي لا تنقطع ولا تقف عند غاية.
وقد أجمل وصفه وأحسنه من قال[2]:
«فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الّذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتّى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجنّ: 1 - 2]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم»"[3].
ومن أهم وجوه إعجازه أربعة أنواع[4]:
1-الإعجاز اللغوي: هذا النّوع هو أبرز ما تحدّى به القرآن العرب في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو التّحدّي في أبرز خصائصهم، فمع أنّه بلسانهم، وأتى بما لا يخرج عن وجوه فصاحتهم وأساليب بيانهم، وهم يومئذ في الذّروة في ذلك نثرا ونظما، لكنّهم عجزوا عن معارضته ولو بسورة من مثله، فصاروا يتخبّطون، فتارة يقولون: (هو شعر)، وتارة: (قول كاهن)، وتارة: (أساطير الأوّلين)، لا يثبتون على شيء؛ لأنّهم يعلمون أنّه ليس كما يقولون.

2- الإعجاز الإخباريّ: وهذا هو الإعجاز فيما تضمّنه القرآن من الأنباء، وهو أربعة أشياء:
أوّلها: الإخبار عن الغيب المطلق، كالخبر عن الله عزّ وجلّ وأسمائه وصفاته، والملائكة، وصفة الجنّة وصفة النّار، وقد أتى القرآن في هذا الأمر بما لا يدركه بشر من تلقاء نفسه، إذ طريقه لا يكون من جهة العقول.
وثانيها: الإخبار عن الأمور السّابقة، كالخبر عن بدء الخلق، وعن الأمم السّالفة.
وقد قصّ علينا القرآن من ذلك عجبا، وأتى من الأنباء بما لم يملك المنصفون من أهل الكتاب والعلم إلّا تصديقه، كما قال الله عز وجلّ: {وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ}[5].
وثالثها: الإخبار عمّا يكون في مستقبل الزّمان، كالإخبار عن الشّيء قبل وقوعه في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أو عمّا سيكون بعد ذلك.
كما في قوله عز وجلّ: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْمِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 5} [الرّوم: 1 - 5].
وقد صحّت الرّواية بتحقّق ما أخبرت به هذه الآيات عن غير واحد من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم[6].
كذلك ما تضمّنه القرآن من الإخبار عن أشراط السّاعة، والبعث بعد الموت، والحشر والحساب، والمصير إلى الجنّة أو إلى النّار، بما لا سبيل للبشر إلى معرفته إلّا بوحي الله عزّ وجلّ، جميعه برهان على أنّ القرآن كلام الله.
ورابعها: الإخبار عمّا تكنّه النّفوس وتخفيه الضّمائر، ممّا لا يمكن أن يعلمه إلّا الله، ولا يصل إلى علم النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلّا بوحي الله.
كالّذي تراه في سورة التّوبة من ذكر أسرار المنافقين، حتّى خاف النّاس أن ينزل القرآن بأسمائهم يظهر حقائق ما في نفوسهم.
كما قال سعيد بن جبير: قلت لابن عبّاس: سورة التّوبة، قال:
التّوبة؟، قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل: وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ، حتّى ظنّوا أن لا يبقى منّا أحد إلّا ذكر فيها[7].

3-الإعجاز التّشريعيّ: ويكمن فيما أودع الله في كتابه من القوانين الّتي تشهد في استقامتها وعدلها وصلاحها لكلّ زمان أنّها من عند الله، وأن لا طاقة للخلق أن يوجدوا لها نظيرا، مهما بلغت العقول.
ذلك أنّ التّشريع مبنيّ على تحقيق مصالح العباد في الدّارين، ولا يحيط بتلك المصالح أحد من خلق الله؛ لقصور العلم، والنّقص بالطّبع، لكنّ الله سبحانه هو الخالق، فهو أعلم بخلقه وحاجتهم وما يكون به صلاحهم وفسادهم، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
فلذا جاء تشريعه موصوفا بالحسن المطلق وبالحقّ المطلق، كما قال عز وجلّ: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
وقال عز وجلّ: {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48].

4-الإعجاز العلميّ: وذلك فيما بَيّن الله في هذا الكتاب ودلّ عليه من الآيات في السّماوات والأرض والأنفس، ممّا لم يكن ليحيط به علم بشر في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، ثمّ يبقى النّاس يكتشفون أسراره في الكون، والقرآن قد سبق به منذ دهر بعيد تصريحا وتلويحا، كان يتلوه على النّاس نبيّ أمّيّ، لم يدرس علوم الفضاء ولا البيئة ولا البحار ولا طبقات الأرض ولا الأجنّة، لينبئ العالم أنّه رسول ربّ العالمين، وأنّ هذا القرآن من علم الله الّذي أحاط بكلّ شيء.
والعلم الحديث يظهر على النّاس بعجائب في خلق الله، فيبهر النّاس بها، وحقّ لهم، لكنّ الأعجب أن يكون القرآن قد نبّه على اعتبارها ودلّ عليها منذ دهر بعيد، ولم يكن للنّاس يومئذ من وسائل النّظر والاكتشاف ما لأهل زماننا، إنّه استمرار شهادة الحقّ، أنّ هذا القرآن من عند الله: {سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصّلت: 53].
إنّ الله سبحانه أراد لهذا القرآن أن يكون حجّته على الأمم إلى قيام السّاعة، وما كان ليصحّ ذلك إلّا والدّليل على أنّه من عند الله باق مستمرّ، فتارة لغته وفصاحته وتأليفه ونظمه، وتارة عصمته من التّحريف وبقاؤه غضّا طريّا كما لو أنزل السّاعة، وتارة ما جاء به من القوانين والشّرائع العادلة الّتي استغرقت جميع مصالح العباد، وتارة ما فيه من التّنبيه على الآيات الكونيّة، والدّلائل العلميّة، وهكذا، إلى براهين لا تنقطع ولا تتناهى، كلّها تشهد أنّه كلام ربّ العالمين.


[1] التعريفات للجرجاني ص32
[2] قال عبد الله الجديع: والأشبه أن يكون هذا من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؛ أخطأ الحارث الأعور في رفعه.
[3] "المقدمات الأساسيات في علوم القرآن" لعبد الله بن يوسف الجديع، ص19
[4] مستفاد من كتاب الجديع السابق.
[5] فقصّ الله سبحانه قصّة نوح، ثمّ قال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا} [هود: 49].
وفصّل قصّة يوسف، ثمّ قال: {ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].
وقصّ طرفا من نبأ موسى، ثمّ قال: {وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 44 - 46].
وقال بعد ذكر قصّة مريم: {ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].
[6] فمن ذلك حديث نيار بن مكرم الأسلميّ، قال:
لمّا نزلت {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للرّوم، وكان المسلمون يحبّون ظهور الرّوم عليهم؛ لأنّهم وإيّاهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 5}، فكانت قريش تحبّ ظهور فارس؛ لأنّهم وإيّاهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلمّا أنزل الله تعالى هذه الآية، خرج أبو بكر الصّدّيق يصيح في نواحي مكّة: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ}، قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبكم أنّ الرّوم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرّهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرّهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسمّ بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، قال: فسمّوا بينهم ستّ سنين، قال: فمضت السّت سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلمّا دخلت السّنة السّابعة ظهرت الرّوم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ستّ سنين؛ لأنّ الله تعالى قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ}، قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير".
حديث حسن. أخرجه التّرمذيّ (رقم: 3194) والطّحاويّ في «شرح مشكل الآثار» (7/ 442 - 443) من طريق عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن أبي الزّناد، عن عروة بن الزّبير، عن نيار، به.
قلت (الجديع): وإسناده حسن، وقال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح».
[7] متفق عليه