الخميس، 29 أغسطس 2019

تمامُ الـمِنَّة في جرد كتب السُّنَّة


تمامُ الـمِنَّة في جرد كتب السُّنَّة
(جدول ميسر لقراءة كُتُب الحديث)


إن قراءة أحاديث الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام أفضل ما شغل العبد به وقته؛ ففيها الهدى والنور، وبيان وتفصيل كتاب الله عز وجل، وكذلك قراءة أخباره وأيامه، فكلمها أمعن الإنسان في ذلك كان بالنبي صلى عليه وسلم أعرف وبه أدرى؛ كأنه عاش معه ورآه، وعرف مبتدأه ومنتهاه، ومثل ذلك في كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

هذا وقد جمع الأئمة الأعلام من المحدثين كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ودونوه ورتبوه ونقحوه، حتى وصل إلينا كاملاً مكملاً، وأبرز تلك المصنفات ما أُطلق عليها اسم "الكتب الستة" بالإضافة إلى مسند الإمام أحمد، وعلى رأس هذه القائمة صحيحا الإمامينِ البخاري ومسلم، فكتابيهما أصح الكتب بعد القرآن، كمال قال ابن الصلاح -رحمه الله-: "كتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز"[1].

والبخاري أصح الصحيحينِ، قال السيوطي -رحمه الله-:"وعليه الجمهور؛ لأنه أشد اتصالا، وأتقن رجالا"[2].

ومَن اعتنى بهذه المصادر عناية جيدة فقد اطلع على كل ما صَحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تقريباً، قال الإمام النووي: "لم يفت الأصول الخمسة -من الصحيح- إلا اليسير، أعني الصحيحين، وسنن أبي داود والترمذي، والنسائي"[3].

وقال الشيخ يحيى اليحيى -حفظه الله-: "وبالنظر إلى أصول الأحاديث الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يمكن القول بأن كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يدخل في مسمى المقبول في حدود السبعة آلاف حديث، ضَمَّ أكثرَها الأصولُ السبعة (صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، ومسند أحمد)، فإذا ضممنا إليها المهم من مصادر السُّنَّة الأخرى فقد جمعنا كل ما يُحتاج إليه في الدين من سنة النبي صلى الله عليه وسلم"[4].

ولذلك كان علماء الإسلام وطلبة العلم في القرون الماضية يعتنون بهذه المصادر عناية فائقة، بالقراءة والإقراء والشرح والتنقيح والنسخ ... إلخ.

قال الإمام المزي -رحمه الله- في مقدمة كتابه تحفة الأشراف: "أما بعد: فإني عزمت على أن أجمع في هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى- أطراف الكتب الستة التي هي عمدة أهل الإسلام وعليها مدار عامة الأحكام".

وجاء في ترجمة البرهان الحلبي (توفي 840): أنه قرأ البخاريَّ أكثر من ستين مرة، ومسلمًا نحو العشرين، سوى قراءته لهما في الطلب، أو قراءتهما من غيره عليه.[5]

وفي ترجمة أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن مقبل القاهري الحنفي المعروف بالتَّاجر (توفي 805): قال البرهان الحلبي -تلميذه-: أنه أخبره أنه قرأ صحيح البخاري إلى سنة ثمانين -أي وسبع مئة- خمسًا وتسعين مرة، وقرأه بعد ذلك مرارًا كثيرًا.[6]

وفي ترجمة سليمان بن إبراهيم بن عمر نفيس الدين العلوي اليمني (توفي 825) أنه أتى على الصحيح -البخاري- (380) مرة، قراءة وإقراء وإسماعًا !![7]

وكانوا -ربما لتمرسهم- يقرؤون تلك المطولات في جلسات معدودات، وقد يكون ذلك في جلسة واحدة!

قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ"[8] نقلاً عن أبي سعدٍ السمعاني: "كان الخطيب البغدادي حجَّةً حسن الخط، كثير الضبط، فصيحًا، خُتِمَ به الحفَّاظ، وقرأ بمكة على كريمة[9]  الصحيحَ -البخاري- في خمسة أيامٍ" اهـ.

وهذا الفيروزآبادي -صاحب القاموس- قرأ صحيح مسلم على شيخه ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن جَهْبَل، في ثلاثة أيامٍ، وقال ذاكرًا ذاك مُفْتخرًا به:


قــــرأتُ بــحــمــدِ اللهِ "جــامـــعَ مسلمٍ"
بجوفِ دمشقَ الشامِ كرسيَّ الاسلامِ
على ناصرِ الدين الإمامِ ابنِ جَهْبَلِ
بــــحـــــضـــــرةِ حُـــفَّـــاظٍ مشـاهيرَ أعلامِ
وتــــــــــمَّ بـــــــتــوفــــيـــقِ الإلــهِ بفضْلِهِ
قراءةَ ضـــــبــــــطٍ في ثـــــلاثـــــــةِ أيَّـــــــامِ



وهذا شيخ الإسلام ابن تيميَّة قرأ "الغَيْلانيات"[10] في مجلسٍ واحد؛ قال تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي -وهو يُعدِّد مسموعات ومقروءات شيخه-: "وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السماع مُدَّةَ سِنين، وقرأ الغَيْلانيات في مجلس"[11].

* * *

هذا وقد ضعفت الهمم في ذا الزمان عن قراءة كتب الإسلام، فأحببت أن أضع بين يدي البقية الباقية من طلاب العلم عموماً وطلاب الحديث خصوصاً جدولاً يسهل عليهم قراءة تلك المطولات، بطريقة واضحة بيِّـنة.

وليكن في ذهن القارئ أني وضعت هذا المنهج ورتبته على ثلاثة مسارات:

المسار الأول فيه الصحيحان، والمسار الثاني فيه كتب السنن الأربعة مع سنن الدارمي[12]، وفي المسار الثالث بقية كتب الحديث.

فيقرأ الطالب في يوم واحد في المسارات الثلاثة معاً؛ مثال ذلك: يقرأ شيئاً من صحيح البخاري بعد الفجر، وشيئاً من سنن الترمذي بعد العصر، وشيئاً من مسند أحمد بعد العشاء.

فإذا انتهى من البخاري بدأ بصحيح مسلم، وإذا انتهى من صحيح مسلم عاد للبخاري؛ فالصحيحان معه على طول الخط -المسار الأول- بعد الفجر، والمسار الثاني يكرر فيها السنن الأربعة والدارمي بعد العصر، والمسار الثالث يكرر فيها باقي كتب السنة، وهكذا.

فيكون للصحيحين الحظ الأوفر من القراءة، ثم السنن، ثم بقية الكتب، فإذا أتمم قراءة المسار الثالث مرة واحدة فإنه قد قرأ الصحيحين مرات عدة وكذلك السنن.

* * *

واعتمدت في هذا المنهج على طبعات معينة لسهولة حملها وجودة تحقيقها، فاعتمدت على طبعة "مؤسسة الرسالة" للكتب الستة، كل كتاب في مجلد واحد، وطبعة "دار البشائر الإسلامية" لسنن الدارمي في مجلد واحد، واعتمدت طبعة "دار السلام" لمسند أحمد التي في مجلد واحد.

وأضفت على هذه الكتب كتابين آخرين مهمين اشتملا على الأحاديث المرفوعة، وكذلك الآثار الموقوفة والمقطوعة (كلام الصحابة والتابعين) وهما: مصنف ابن أبي شيبة[13] والسنن الكبرى للبيهقي[14] -ضمن المسار الثالث-، وهذان الكتابان اعتمدت في قراءتهما منهج عدد الأحاديث وليس بعد الصفحات؛ لضخامة مجلداتهما -كما سيأتي-.

فأقول: صحيح البخاري يقع في 1243 صفحة، وصحيح مسلم 1165 صفحة، وسنن أبي داود 1026 صفحة، وسنن الترمذي 1056 صفحة، وسنن النسائي 1126 صفحة، وسنن ابن ماجه 700 صفحة، ومسند أو سنن الدارمي 700 صفحة، ومسند أحمد 2010 صفحات.

أم مصنف ابن أبي شيبة ففيه 39098 حديثاً، والسنن الكبرى للبيهقي فيه 21812 حديثاً.

* * *

المسار الأول: سيختم الطالب في هذا المسار الصحيحين في كل ستة أشهر مرة، كالتالي:

يقرأ من البخاري كل يوم (12 ونصف تقريباً) صفحة، تأخذ من وقتك أقل من نصف ساعة!

والنتيجة أنه سيختم صحيح البخاري كل ثلاثة أشهر تقريباً (مائة يوم).

ثم يقرأ بعده صحيح مسلم؛ يقرأ كل يوم (11 ونصف) صفحة (مائة يوم).

فالمسار الأول سينتهي معك كل ستة أشهر وعشرين يوماً.

معنى ذلك أنك ستقرأ الصحيحين في السنة الواحدة مرتين.



المسار الثاني: سيختم فيه الطالب السنن الأربعة مع سنن الدارمي، كل سنة مرة واحدة، أي: ستقرأ سنن أبي داود -مثلاً- كل سنة مرة، وكذا ستقرأ سنن الترمذي كل سنة مرة، وهكذا قُل في البقية.

المطلوب: أن تقرأ (12 ونصف) صفحة في اليوم الواحد من هذا المسار.

أعني: اقرأ من سنن أبي داود 12 صفحة ونصف حتى تتمه، فإذا انتهيت اقرأ 12 صفحة ونصف من الترمذي حتى تنهيه، وهكذا.



المسار الثالث: وهو المسار الأطول:

سيقرأ الطالب فيه من مسند أحمد كل يوم خمس صفحات ونصف، سيحتاج الطالب إلى سنة كاملة حتى يتمه.

ثم ينتقل إلى مصنف ابن أبي شيبة، ويقرأ كل يوم 55 حديثاً، وسيختم الكتاب في سنتين.

ثم ينتقل إلى السنن الكبرى للبيهقي ويقرأ 60 حديثاً، وسيختم الكتاب في سنة واحدة.

*بشارة: حينما تتم المسار الثالث ستكون قد قرأت الصحيحين ثمان مرات، والسنن مع سنن الدارمي أربع مرات!



وأتوقع أن مَن التزم هذا المنهج وختمه كاملاً بمساراته الثلاثة مرة واحد على الأقل، أتوقع أنه سيستحضر متون الصحيحين، ويعرف ما في السنن وما ليس فيها مما يرد على مسامعه في لحظات، وتكون له ملكة في معرفة ما صح وما يشك في صحته من الأحاديث.





[1] "علوم الحديث 18، 26" وقال: "هذا محمول على مقاصد الكتابِ وموضوعه ومتون الأبوابِ، دونَ التراجمِ ونحوُهَا".

[2] "تدريب الراوي 1/ 96".

[3] التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير (ص 26)

[4] مقدمة كتابه "الجمع بين الصحيحين للباحثين".

[5] الضوء اللامع (1/ 141)

[6] المصدر نفسه (11/ 79)

[7] انظر هذا وغيره في كتاب "المشوق إلى القراءة وطلب العلم" للدكتور علي العمران حفظه الله.

[8] (3/ 1138)

[9] هي: كريمة بنت أحمد المروزيَّة ت (463) -وهي سنة موت الخطيب-، سمعت ((صحيح البخاري)) من الكُشْمِيْهنيِّ، وكانت عالمةً فاضلةً مُتَثبِّتةً، بلغ عمرها مئة سنة، ماتت ولم تتزوَّج.

[10] هي تلك الأجزاء الأحد عشر، المسموعة لأبي طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غَيْلان (440) من حديث أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي (354) تخريج الحافظ أبي الحسن الدارقطني (385) ، وهي من أجود الأحاديث وأعلاها، وعدد أحاديثها نحو ألف ومئتي حديث.

[11] مختصر طبقات علماء الحديث (4/ 281- 282).

[12] قال الحافظ صلاح الدين العلائي: "ينبغي أن يعد كتاب الدارمي سادسا للكتب الخمسة بدل كتاب ابن ماجه؛ فإن قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة -وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة- فهو مع ذلك أولى من كتاب ابن ماجه". النكت لابن حجر 1/315

[13] تحقيق محمد عوامة، في 26 مجلداً، طبعة دار القبلة بالمشاركة مع مؤسسة علوم القرآن.


[14] تحقيق إسلام منصور عبد الحميد 11 مجلداً، طبعة دار الحديث – القاهرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق