الجمعة، 29 مايو 2026

قوة الحوقلة

 

قوة الحوقلة


لا شك أن الإنسانَ كائنٌ ضعيفٌ بطبعِه، وهذه الحقيقةُ ليست طارئةً عليه، بل هي قدرُ اللهِ فيه منذ نشأتِه الأولى إلى آخرِ أطوارِه؛ فالضعفُ مبدأُه، وإليه يعود، قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.

غيرَ أنَّ رحمةَ اللهِ بعبادِه اقتضت ألَّا يتركهم لضعفِهم وعجزِهم؛ فأمدَّهم بأسبابِ المعونة، وفتحَ لهم أبوابَ التقوية، وجعل لهم من الأذكارِ والطاعاتِ ما يجبرُ نقصَهم، ويقوِّي عزائمَهم، ويُقدِرهم على ما لم يكونوا له مُقرنين.

الذكرُ معونةُ الضعفاء:

أرشد اللهُ عبادَه إلى الذكرِ في المواطنِ التي تعظمُ فيها المشقةُ، وتشتدُّ فيها الحاجةُ إلى المعونةِ الإلهية؛ فجعل كثرةَ ذكرِه عدَّةً تُذلِّلُ كَبَدَ الجهادِ، وتبدِّدُ المخاوفَ، وتستنزِلُ النصرَ والتوفيقَ، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ومن ذخائرِ تلك الأذكارِ، ومن أعظمِ الكنوزِ التي أُهديت لهذه الأمة: «لا حول ولا قوة إلا بالله».

قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبدَاللهِ بنَ قيسٍ! ألا أدلُّك على كلمةٍ من كنزٍ من كنوزِ الجنةِ؟» قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ -فداك أبي وأمي- قال: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» رواه البخاري.

وكذلك قال أبو ذرٍّ رضي الله عنه: «أمرني أن أُكثرَ من قول: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؛ فإنهنَّ من كنزٍ تحتَ العرش» رواه أحمد وصححه الألباني.

ما معنى الحوقلة؟

قولُ: «لا حول ولا قوة إلا بالله» لا يتحققُ أثرُه بمجرد التلفظِ به، بل بفهمِ معناها، واليقينِ بمضمونِها، فهي إعلانٌ بأن العبدَ لا يملكُ تحولًا من حالٍ إلى حال، ولا قوة على ذلك التحول، إلا بعونِ اللهِ وتوفيقِه.

وهي كلمةٌ تجمعُ كمالَ التوحيد؛ ففيها التعلُّقُ بالله وحدَه، والتوكُّلُ عليه، وإظهارُ الافتقارِ والعجزِ، والتبرؤُ من الاعتمادِ على النفسِ أو الخلق، ولذلك كانت كنزًا من كنوزِ الجنة، وسببًا للمعونةِ الإلهية.

ومعناها العملي: أن يستعينَ العبدُ باللهِ في كلِّ شيء؛ في الطاعات، وتركِ المعاصي، والصبرِ على البلاءِ، ومواجهةِ صعوباتِ الدنيا والآخرة. فمن حققَ الاستعانةَ بالله، وصدقَ في تفويضِ أمرِه إليه؛ أعانَه اللهُ ولم يخذلْه.

الحوقلةُ وتذليلُ الصعاب:

من تأملَ النصوصَ الشرعيةَ، وكلامَ أهلِ العلمِ؛ أدركَ أن الحوقلةَ ليست مجردَ ذكرٍ يُقال، بل بابٌ من أبوابِ الاستمدادِ من قوةِ الله.

قال ابنُ القيم رحمه الله: «وهذه الكلمةُ لها تأثيرٌ عجيبٌ في معالجةِ الأشغالِ الصعبةِ، وتحمُّلِ المشاقِّ، والدخولِ على الملوكِ ومَن يُخافُ، وركوبِ الأهوالِ. ولها -أيضاً- تأثيرٌ في دفعِ الفقرِ».

وقال ابنُ عثيمين رحمه الله: «إذا أعياك شيءٌ، وعجزتَ عنه؛ قل: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؛ فإن اللهَ يُعينك عليه».

ومن لطيفِ ما استنبطه العلماءُ من خاصيةِ الحوقلةِ في تذليلِ الصعاب: مشروعيتُها في إجابةِ المؤذنِ حين يصدحُ مناديًا لأعظمِ العباداتِ: «حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح» فيُشرعُ للمسلمِ أن يقول: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله»؛ لأن الصلاةَ تحتاجُ إلى معونة، والفلاحَ يحتاجُ إلى توفيق.

وقد وصفَ اللهُ الصلاةَ بالمشقةِ والثقلِ فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.

كيف عاشها العلماءُ والعارفون بالله؟

لما أدركَ العلماءُ والعارفون بالله عِظَمَ أثرِ الحوقلةِ في تيسيرِ الأمورِ وتفريجِ الكربات؛ جعلوها سلاحًا يلجؤون إليه في الشدائدِ والمحن، دينيةً كانت أو دنيوية، خاصةً أو عامة.

فكتب عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه إلى سعدِ بنِ أبي وقاصٍ رضي الله عنه في القادسية: «تعاهدْ قلبَك، وحادِثْ جندَك بالموعظةِ، والصبرَ الصبرَ؛ فإن المعونةَ تأتي من اللهِ على قدرِ النيةِ، والأجرُ على قدرِ الحِسبةِ، وأكثرْ من قول: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله».

وكانت تلك الكلمةُ زادًا لولاةِ العدلِ في الاستقواءِ بقوةِ اللهِ والقيامِ بأمرِه، حتى كانت نقش خاتمِ بعضِهم، كما كان ختمُ معاويةَ بنِ أبي سفيان رضي الله عنهما.

وكان الإمامُ مالكٌ رحمه الله لا يفتي حتى يقول: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله».

وكان قاضي الأندلس محمدُ بنُ بشيرٍ المعافريُّ يستفتحُ بها قضاءَه بين الخصومِ؛ راجيًا بها هدايةَ اللهِ لصوابِ الأحكام.

وكان الإمامُ أحمدُ يلهجُ بها وسياطُ الجلادِ تنهالُ على جسدِه في فتنةِ خلقِ القرآن.

قال مكحولٌ الشامي: «من قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، ولا منجا من الله إلا إليه؛ كشف الله عنه سبعين بابًا من الضر، أدناهنَّ الفقر».

* * *

وفي نهايةِ المطاف، يبقى الإنسانُ محدودَ القوةِ، كثيرَ العجزِ، مهما بلغ من قدرةٍ أو أسباب، ومن هنا كانت الحوقلةُ ملجأَ المؤمنِ عند الشدائد، وعونَه عند التكاليف، وزادَه في مواطنِ الضعف، فهي كلمةٌ تجمعُ التوكلَ والاستعانةَ والافتقارَ إلى الله، وتُذكِّر العبدَ بأن التوفيقَ والقوةَ والمددَ كلّه بيدِ الله.

(لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله)

* مستفادة وملخصة من موقع الألوكة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق