ابن الـمُلَقِّن .. وكتابه: «البدر المنير»
يُعَدُّ الإمام سِراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري
الشافعي المشهور بــ "ابن الملقن" من كبار أئمة الحديث والفقه والتراجم في
القرن الثامن الهجري، جمع بين سعة الاطلاع، وكثرة التصنيف، وطول النَّفَس العلمي، حتى
قيل إن مؤلفاته قاربت ثلاثمائة مصنَّف. ويرجع أصل أسرته من "وادي آش" بالأندلس،
غير أن مولده ووفاته كانا في القاهرة (723 - 804 هـ)، التي شهدت نبوغه العلمي وازدهار
عطائه.
وقد تنوّعت مؤلفاته بين علوم الحديث، والفقه، والتاريخ، والتراجم، ومن
أشهرها: التذكرة في علوم الحديث، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، وشرحه الكبير على صحيح
البخاري: التوضيح شرح الجامع الصحيح.
ومن أبرز ما امتاز به مشروعه العلمي عنايته بشرح الكتب الستة على طريقة
"الزوائد"، فخصَّ كل كتاب بما انفرد به عمّا قبله، فشرح زوائد مسلم على البخاري،
ثم زوائد أبي داود على الصحيحين، ثم زوائد الترمذي، فالنسائي، فابن ماجه، في مشروع
حديثيٍّ يدل على دقة منهجه وطول باعه في علم الرواية.
ومن أعظم كتبه أثرًا كتابه: "البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار
الواقعة في الشرح الكبير"، وهو كتاب ألَّفه لخدمة كتاب الشرح الكبير للإمام الرافعي
على الوجيز للغزالي، وهو من أجلِّ كتب الفقه الشافعي، بل قال ابن الملقن عن
"الوجيز": «لم يُصنَّف في المذهب مثلُه»، ولما كان هذا الشرح معتمدًا عند
الفقهاء، وفيه أحاديث وآثار كثيرة ذُكرت دون تمييز بين صحيحها وضعيفها، رأى ابن الملقن
ضرورة العناية بتخريجها، وبيان درجاتها، خدمةً للفقه والدليل معًا.
فجاء كتاب البدر المنير موسوعةً حديثيةً ضخمة، جمع فيها طرق الأحاديث،
وأقوال النقاد، ووجوه الاستدلال، مع عناية ظاهرة بالتتبع والاستقصاء، غير أن الكتاب
اتسم بطولٍ ظاهر؛ إذ توسع مؤلِّفُهُ في أمورٍ ليست من صميم مقصود التخريج؛ فكان يسوق
الأسانيد كاملة، ويكرر ألفاظ الحديث عقب كل مخرج، ويفصل في شرح الغريب، والكلام على
البلدان والأماكن، مما جعل الكتاب عظيم الفائدة، لكنه طويل الامتداد.
ومن هنا برز دور الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ)، إذ رأى حاجة العلماء
إلى كتابٍ أخصر، يجمع فوائد البدر المنير مع مزيد تحريرٍ وتنقيح، فصنَّف كتابه الشهير:
التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ويُسمَّى أيضًا: التَّمييز في تلخيص
تخريج أحاديث شرح الوجيز، فاختصر مادة ابن الملقن، وهذّبها، وأضاف إليها فوائد وتعقبات
وأحكامًا حديثية دقيقة، حتى صار كتابه من أهم كتب التخريج عند الفقهاء والمحدثين، واعتمد
عليه كثير ممن جاء بعده في نقل الأحكام الحديثية وتحرير مسائل الاستدلال.
وهكذا يتجلّى لنا كيف خدم العلماء بعضهم بعضًا عبر القرون؛ فابن الملقن
وضع الأساس الموسوعي الكبير، ثم جاء ابن حجر فهذّبه وقرّبه، فبقي العلمان شاهدين على
عظمة المدرسة الحديثية في خدمة الفقه الإسلامي، وربط الأحكام بأدلتها، وتمييز الصحيح
من الضعيف بمنهج علمي رصين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق