الأحد، 10 مايو 2026

 

الأجسام الطائرة.. وجهة نظر شرعية


أثار إعلان وزارة الدفاع الأميركية نشر دفعة من الملفات السرية المتعلقة بما يُعرف بالأجسام الطائرة المجهولة اهتمامًا عالميًا واسعًا، لما يحمله هذا الملف من غموض وتشويق امتد لعقود طويلة.

وقد تضمنت الوثائق والصور ومقاطع الفيديو حالات رصد جوية عجزت الجهات المختصة عن تفسيرها بشكل حاسم، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها جزء من سياسة "الشفافية" مع الرأي العام، وبينما سارعت بعض الأوساط إلى ربط هذه الظواهر بفرضيات الكائنات الفضائية، أكد البنتاغون أن ما نُشر لا يثبت وجود حياة خارج الأرض، وإنما يوثق مشاهدات وظواهر ما تزال غير مفسّرة بسبب نقص المعلومات أو تعقيد الحالات المرصودة.

ومن الناحية الشرعية، فإن الجزم بوجود "مخلوقات فضائية" أو نفي ذلك أمرٌ لا نص قاطع عليه؛ إذ لم يأتِ في كتاب الله تعالى ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم نصٌّ صريح يثبت ذلك أو ينفيه، لكن جاء في القرآن ما يدل على أن خلق الله تعالى أوسع مما يحيط به علم البشر، قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8].

ولذلك فإن هذه الظواهر التي تُبث بين حين وآخر قد تكون أشياء متعددة، ولا يصح التسرع في القطع بحقيقتها دون بينة.

فمن الاحتمالات:

- ما يذكره بعض المحللين: أن يكون جزء من هذه المشاهدات نوعًا من التهويل الإعلامي أو التوظيف السياسي؛ لصرف الأنظار عن أزمات أو أحداث جارية، وهو أسلوب معروف في السياسات الدولية.

- كما يحتمل أن تكون بعض هذه الظواهر مرتبطة بعالم الملائكة؛ فقد وردت نصوص صحيحة قريبة في وصفها لبعض تلك المشاهدات، ففي الصحيحين: أن أُسيد بن حضير رضي الله عنه كان يقرأ القرآن ليلًا، فاضطربت فرسه مرارًا، فلما انصرف رأى فوقه شيئًا كالسحابة فيها أمثال المصابيح تصعد في السماء، فلما أخبر النبي ﷺ قال: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ».

- ويحتمل كذلك أن تكون بعض هذه الظواهر أجسام شيطانية؛ فإن الله تعالى أخبر عن قدرتهم على بلوغ السماء ومحاولة استراق السمع، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ۝ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 8-9].

وأخبرني مَن أثق به من العسكريين أن أجهزة الرصد الحراري في الآلات العسكرية تريهم أجساماً غريبة في الصحراء، تتشكل على أشكال مختلفة، مرة بأشكال غير مألوفة، ومرة بشكل إنسان، ومرة نصف إنسان!

كما دلت السنة على قدرة الشياطين على التشكل بصور مختلفة؛ ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يحرس زكاة رمضان، فجاءه رجل يسرق الطعام ثلاث ليالٍ، وفي كل مرة يعتذر بالفقر فيتركه. وفي الليلة الثالثة قال له أبو هريرة: «لأرفعنك إلى رسول الله»، فقال: «دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها»، فعلّمه قراءة آية الكرسي قبل النوم، وقال: لن يقربك شيطان حتى تصبح. فلما أخبر أبو هريرة النبي ﷺ قال: «صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قال: لا. قال: «ذاك شيطان».

وعلى المسلم أن يقف في مثل هذه القضايا عند حدود العلم والدليل، وألا ينساق خلف التهويل الإعلامي أو القصص الخيالية التي تُبنى على الظنون والتكهنات، ولا ننكر أيضاً أن الكون مليء بالأسرار التي لم يكتشفها الإنسان بعد، والله تعالى أعلم بخلقه وأسرار كونه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق