الأربعاء، 8 أبريل 2026

ما بين إشعال الفتيل والهدنة

 ما بين إشعال الفتيل والهدنة


انتهت جولة من الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، وبدأت مرحلة الهدنة، لكن ما بعد الهدنة لا يقل أهمية عن الحرب نفسها؛ ففي هذه اللحظة، تتضح النتائج الحقيقية، ويظهر أي الأطراف استطاع أن يحافظ على توازنه، وأيها دخل مرحلة جديدة من التحديات.

أولاً: دول الخليج:

وجدت دول الخليج نفسها في قلب صراع أكبر منها، تتلقى تداعياته المباشرة، دون أن تكون صاحبة قراره، ومع ذلك، استطاعت الحفاظ على توازنها، فلم تنجرّ إلى تصعيد غير محسوب، ولم تفقد السيطرة على جبهتها الداخلية.

واجه الخليج تهديدات مباشرة بالصواريخ والمسيرات من الأراضي الإيرانية، كان النصيب الأكبر (90%) من الصواريخ والمسيرات الإيرانية موجهة للخيلج، والباقي لإسرائيل، في وضع يطرح سؤالاً ضخماً: من العدو الحقيقي لإيران؟!

كما كان جزء كبير منها جاء من الميليشيات العراقية التابعة لإيران، حيث تشير التقديرات إلى أن النسبة الأكبر من الضربات التي استهدفت الكويت والسعودية -على وجه الخصوص- جاءت من تلك الجهة، ولم تكتفِ الكويت والسعودية بالدفاع، بل اتجهت – في بعض مراحل المواجهة – إلى ردود استهدفت مواقع لفصائل مسلحة موالية لإيران داخل العراق.

وفي خضم هذه التجربة، تعزز إدراك دول الخليج بأن الاعتماد على الحماية الخارجية لم يعد كافياً، وأن بناء القدرة الذاتية ضرورة لا خيار، كما برزت أهمية تماسك الجبهة الداخلية، ووحدة الصف الخليجي، باعتبارهما خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات.

ومن أبرز ما كشفت عنه الحرب، أن الخليج لم يعد مجرد طرف في الصراع، بل ركيزة في الاقتصاد العالمي؛ فقد ظهر بوضوح مدى اعتماد العالم على طاقته، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، وما تبعه من ارتباك في الأسواق. وهذا ما يجعل استقرار الخليج مصلحة دولية عليا، تسعى القوى الكبرى – كأوروبا والصين – إلى الحفاظ عليها.

ثانياً: الولايات المتحدة:

دخلت الولايات المتحدة الحرب مدفوعة باعتبارات متعددة، في مقدمتها دعم إسرائيل، لكنها لم تكن تملك تصوراً واضحاً لنهايتها: هل الهدف إسقاط النظام الإيراني؟ أم تحجيمه؟ أم مجرد ضبط سلوكه؟

هذا الغموض انعكس على إدارة المعركة المربكة، التي بدت في كثير من مراحلها أقرب إلى رد الفعل منها إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، ورغم قدرتها على ترجيح كفة الصراع، فإنها واجهت كلفة مرتفعة، وتعقيدات ميدانية وسياسية كشفت حدود القوة العسكرية في فرض استقرار دائم.

ومن المرجح أن تدفع هذه التجربة واشنطن إلى تقليل انخراطها المباشر مستقبلاً، والاعتماد على أدوات أقل كلفة، مع إعادة ترتيب أولوياتها، بما يتجاوز الشرق الأوسط إلى ملفات دولية أخرى.

ثالثاً: إسرائيل:

ظهرت إسرائيل في هذه الحرب معتمدة بشكل كبير على الدعم الأمريكي، في واقع يبرز صعوبة تحقيق طموحاتها الاستراتيجية منفردة، ورغم ما حققته من مكاسب استراتيجية، فإنها لم تحقق حالة الاستقرار الذي كانت تسعى إليه.

لقد تلقت إسرائيل ضربات صاروخية قاسية، يُرجّح أن جانباً منها تحت التكتيم الإعلامي، كما كشفت المواجهة أن منظومات الدفاع القبة الحديدية – رغم تطورها – ليست حصناً مطلقاً، وأن استنزافها أو تجاوزها بات ممكناً ضمن تكتيكات وثغرات استغلها النظام الإيراني.

ويبدو أن ما يُطرح تحت عنوان: “إسرائيل الكبرى” يواجه واقعاً معقداً يجعل تحققه أبعد من أي وقت مضى، في ظل توازنات إقليمية رافضة وتكاليف باهضة، كما بات حلم “المشروع الإبراهيمي” والتوسع في مسار التطبيع أكثر صعوبة، بعد أن أعادت الحرب إحياء الحساسية الشعبية والسياسية في المنطقة، وأظهرت أن بناء تحالفات مستقرة لا يمكن أن يقوم على تجاوز جذور الصراع.

ومع تصاعد العزلة الدولية، وتراجع الشعور بالأمان في الداخل الإسرائيلي، تواجه إسرائيل تحديات لا تقتصر على ساحة المعركة، بل تمتد إلى بنية المجتمع واستقراره.

وباتت حكومة بنيامين نتنياهو أكثر عرضة للتهديد من أي وقت مضى، في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة وتداعيات الحرب التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أدائها وقدرتها على إدارة المرحلة القادمة.

رابعاً: إيران:

خاضت إيران هذه الحرب مدفوعة بالحفاظ والدفاع عن مشروعها الاستراتيجي، وأظهرت قدراً من التماسك، والتهديد، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن فجوة بين خطابها وقدراتها العسكرية الفعلية، سواء في نوعية ترسانتها التي ظهرت بدائية، أو في أداء أذرعها الإقليمية وفاعليتها.

كما برزت مؤشرات على اختراقات أمنية واسعة، طالت مستويات متقدمة من دوائر القرار، وصلت إلى رأس المرشد والصف الأول والثاني من القيادات، وربما امتدت إلى الصف الثالث، وهو ما يعكس خللاً في البنية الأمنية، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على حماية مراكزها الحساسة.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الخسائر العسكرية، بل في ما قد تخلّفه من آثار داخلية: ضغط اقتصادي، وتراجع في الخدمات، واحتقان اجتماعي قد يتطور إلى اضطرابات أوسع، تهدد تماسك الدولة على المدى البعيد، بعد ضربات أمريكية-إسرائيلية أرجعتها إلى عقدين من الزمان!

* * *

في الختام .. كشفت هذه الحرب أن المنطقة لا تتجه نحو هيمنة طرف واحد، بل نحو حالة من التوازن الهش، حيث يملك الجميع القدرة على الإيذاء دون القدرة على الحسم.

وفي مثل هذا السياق، لا يكون الانتصار في كسب المعركة، بل في القدرة على التعلم منها، وإعادة بناء الذات على أسس أكثر صلابة. 

وهنا تحديداً، تبدو دول الخليج وقد خرجت من هذه الجولة أكثر وعياً، وأكثر تماسكاً، وأقل خسارة، وأكثر استعداداً لما هو قادم.

الخميس، 2 أبريل 2026

الرد على قاعدة الدكتور بشار عواد

 الرد على قاعدة الدكتور بشار عواد


استوقفني ما طُرح في لقاءٍ ضمن لقاءات راديو ثمانية، الذي يقدّمه عبد الرحمن أبو مالح، واستُضيف فيه الدكتور المحقق بشار عواد معروف، حيث أُثيرت مسألة تتعلق بمنزلة “الصحيحين” وحدود ما يُستفاد من عدم إخراج بعض الأحاديث فيهما.

وقد جزم الدكتور بشار بقاعدة خطيرة، مؤداها: أن كل حديثٍ في حكمٍ عقدي أو عبادي أو إرشادي، ليس في “الصحيحين”، فهو ضعيف. وهذا القول – على وجازته – يثير إشكالًا علميًا عميقًا؛ إذ لم يُعرف عن أئمة الحديث المتقدمين، ولا عن صاحبي الصحيحين نفسيهما، تقرير مثل هذا الأصل.

فالإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج لم يلتزما استيعاب جميع الصحيح، بل صرّحا بخلاف ذلك. فقد تقرر في منهجهما أنهما انتقيا من الصحيح ما رأياه مناسبًا لشروط كتابيهما، مع علمهما بوجود أحاديث صحيحة كثيرة خارج الصحيحين. بل جاء عن البخاري قوله: “ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحيح أكثر”

ومن الشواهد المهمة على ذلك: أن الإمام محمد بن عيسى الترمذي كان يسأل البخاري عن أحاديث، فيصححها، مع أنها ليست في “صحيحه”، ولا في “صحيح مسلم”. وهذا يدل دلالة واضحة على أن دائرة الصحيح أوسع من دائرة ما أُخرج في الصحيحين.

ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما صنّفه الأئمة بعدهما من كتبٍ التزم أصحابها إخراج الصحيح – بحسب اجتهادهم – مثل كتاب صحيح ابن خزيمة، وكتاب صحيح ابن حبان، وهما شاهدان عمليان على أن الصحيح لم يُحصر في الصحيحين.

بل إن الإمام الحاكم النيسابوري تنبّه لهذه القضية حين أُثيرت في زمنه من قبل مَن لا يُحسن هذا العلم، فجمع الأحاديث التي هي على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما في كتابه المستدرك على الصحيحين، مستدركًا بذلك ما فاتهما – بحسب اجتهاده – ومؤكدًا سعة دائرة الصحيح.

حتى لو قيل إن العبارة قد خانته وأن مراد الدكتور بشار الأبواب لا أفراد الأحاديث، فإن ذلك لا يُسلَّم له أيضًا؛ إذ توجد عشرات بل مئات الأبواب التي صححها العلماء واعتمدوها، مع أنها ليست في الصحيحين. ومصنَّف ابن أبي شيبة شاهد بيّن على ذلك؛ ففيه آلاف التراجم والأبواب التي جرى عليها عمل أهل العلم قبولًا واحتجاجًا.

إن  خطورة هذا القول لا تقف عند حدّ الخطأ المنهجي، بل تتعداه إلى آثارٍ علميةٍ جسيمة؛ إذ يترتب عليه ردّ طائفة كبيرة من الأحاديث التي بُنيت عليها أحكام فقهية ومسائل عقدية، وهي ثابتة عند أئمة هذا الشأن، وإن لم تُخرّج في الصحيحين.

ومن هنا، فإن الميزان في مثل هذه المسائل الدقيقة لا يكون بالآراء المعاصرة – مهما بلغ أصحابها من التحقيق والفضل – بل بالرجوع إلى نقاد الحديث المتقدمين، الذين استقرّ عندهم علم العلل، ودقائق التصحيح والتضعيف، وهم العمدة في هذا الباب.

ولا ريب أن الدكتور بشار عواد معروف محققٌ معتبر، وله جهود علمية مشهودة، لكن مسائل العلل والمصطلح الدقيق لها أهلها من المتقدمين، وكلامهم فيها هو الأصل الذي يُرجع إليه، ويُوزن به غيره.

يذكر أنه قال ذلك في معرض إنكار أحاديث المهدي، التي بلغت نحو خمسين حديثًا، حتى حكم جماعة من أهل العلم ببلوغها حد التواتر، كما قرره السخاوي، والكتاني، والشوكاني، والسفاريني، وصديق حسن خان، وابن باز، فضلًا عن تصحيح أحاديث المهدي عند جمع من المتقدمين والمتأخرين غير هؤلاء!

وخلاصة القول: إن الصحيحين ذروة ما صُنّف في الحديث الصحيح، لكنهما ليسا حدًّا جامعًا له، ولا يصح جعل ما لم يرد فيهما في حكم الضعيف بإطلاق. بل الصواب هو ما عليه أهل الحديث: أن الصحيح يُعرف بشروطه وقواعده، لا بمجرد كونه داخل كتابٍ بعينه أو خارجه.

وهذا بابٌ يحتاج دائمًا إلى قدرٍ من التؤدة، وإنصافٍ في النقل، وتعظيمٍ لمنهج الأئمة، حتى لا ننقض – من حيث لا نشعر – ما بناه أولئك الأعلام عبر قرونٍ من التحقيق والتدقيق.