السبت، 9 مايو 2026

نكران الجميل

نكران الجميل

من أخطر الأخلاق التي تُفسد القلوب، وتقطع أواصر الصِلات: خُلُقُ نكران الجميل، وهو جحود الإحسان، وتناسي المعروف، ومقابلة الفضل بالإساءة أو الإعراض. وقد ذمَّ الشرع هذا الخُلُق ذمًّا شديدًا، وحذَّر من آثاره في الدنيا والآخرة؛ لأنه يدل على قسوة القلب، وضعف الوفاء، وفساد الطبع.

ولذلك وصف الله تعالى الإنسان بهذا الطبع إن لم يهذّبه الإيمان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، أي: كثير الكفران لنعم الله، يجحد إحسان ربِّه وفضله عليه.

ومن صور هذا الجحود أن الإنسان إذا وقع في الشدة والضيق لجأ إلى الله مخلصًا، فإذا كشف الله عنه البلاء أعرض ونسي، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، وقال سبحانه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

ولم يقف التحذير عند مجرد الذم، بل بيَّن القرآن أن نكران النعم سببٌ لزوالها، وحلول العقوبات، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ۝ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.

وقد نبَّه النبي ﷺ إلى خطورة هذا الخُلُق في التعامل بين الناس، فقال في خطبته يوم العيد: «يا معشر النساء، تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار». فلما سألنه عن السبب قال: «تُكثرن اللعن، وتكفرن العشير».

وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما: «لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط».

والمقصود: جحود الإحسان، وتناسي سنوات المعروف لأجل موقف عابر أو خطأ يسير.

ومن هنا جاءت الشريعة بالتأكيد على شكر الناس والاعتراف بفضلهم، فقال النبي ﷺ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».

وقال ﷺ: «من أُعطي عطاءً فوجد فليجزِ به، فإن لم يجد فليثنِ به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره».

(فوجد فليجزِ به): رزقه الله مالاً فليكافئ المحسن.

ومن أقبح صور نكران الجميل: عقوق الوالدين؛ فإن الوالدين يبذلان أعمارَهما في التربية والرعاية والتضحية، ثم قد يُقابَل هذا الإحسان بالجفاء والعقوق والإساءة، مع أن الله تعالى أمر بشكر الوالدين: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ولذلك كان السلف ينفِّرون من صحبة العاقّ؛ لأنه لا يُؤمَن جانبه، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «لا تصحبنَّ عاقًّا؛ فإنه لن يقبلك وقد عقَّ والديه».

بل إن الإسلام نهى عن نكران المعروف حتى مع البهائم؛ فقد هربت امرأةٌ من الأسر على ناقة، ثم نذرت إن نجّاها الله عليها أن تنحرها، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: «سبحان الله! بئسما جزتها!»، فأنكر عليها أن تُقابل سبب نجاتها بالإهلاك والذبح.

ومن آثار نكران الجميل:

ولنكران الجميل آثار خطيرة على الأفراد والمجتمعات، من أبرزها:

تقطيع الأواصر والعلاقات بين الناس.

نشر الكراهية والعداوة والضغائن.

أنه سببٌ للعقوبة ودخول النار، خاصة مع من عظم حقه كالزوج والوالدين.

أنه سبب لزوال النعم ورفع البركات.

أنه يدفع بعض الناس إلى ترك الإحسان ومنع المعروف.

أنه قد يحمل المحسن على المنِّ والأذى بسبب الجحود.

أنه سبب لغضب الله والإعراض من الخلق.

أنه يورث نكد العيش وسوء الحال واضطراب النفس.

خاتمة:

المؤمن الحق هو الذي يحفظ المعروف، ويشكر الإحسان، ويعترف بالفضل لأهله، ولا ينسى يدًا امتدت إليه بخير، فإنَّ شكر الناس من شكر الله، والوفاء من شيم الكرام، أما الجحود ونكران الجميل فخُلُقٌ مذمومٌ تنفر منه النفوس السليمة، وتتوعده نصوص الشرع بالذم والعقوبة.

 

للاستزادة: موسوعة الأخلاق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق