الرِّوايات .. نظرة متوازنة!
لا يخفى على أحد ذلك الانتشار الواسع للروايات في المجتمعات الغربية،
ثم انتقال هذا الاهتمام خلال العقود الأخيرة إلى العالم العربي، ولا سيما دول
الخليج العربي، حتى غدت الرواية عند بعض الناس جزءًا من المشهد الثقافي المصاحب
لمعارض الكتب والمناسبات الأدبية، بل تحولت أحيانًا إلى نوع من الوجاهة الاجتماعية
أو "البريستيج الثقافي".
وأصبح بعض مَن لا يملك عادة القراءة يقتني الروايات أو يتحدث عنها
على سبيل التجمّل الثقافي أكثر من كونها ممارسة معرفية حقيقية، ولم تعد الرواية
اليوم مجرد كتاب يُقرأ، بل أصبحت حاضرة في المقاهي، ومنصات التواصل، والحوارات
اليومية، حتى أضحت من أبرز مظاهر الثقافة المعاصرة وأشدها حضورًا في حياة الجيل
الجديد.
لكن يبقى السؤال المهم: هل قراءة الروايات
أمر نافع فعلًا، أم أنها مجرد مضيعة للوقت؟
لا أخفيكم سرًا .. كنتُ لفترة طويلة أميل إلى الرأي الأخير، بل كنت أرى
أن الروايات قد تتحول إلى شرٍّ على المجتمعات، غير أني لم أكن أُظهر هذا الرأي أو أنشره؛
لأنني في تلك المرحلة لم أكن قد خضت تجربة قراءة الروايات بنفسي، وكنت أستحضر القاعدة
العلمية المعروفة: «الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره»، فلا يصح للإنسان أن يُصدر
حكمًا عامًا على أمر لم يختبره أو يتصوره تصورًا صحيحًا.
وبعد الانتهاء من مرحلة الدكتوراه، وإنجاز عدد من الأبحاث التخصصية والمؤلفات،
بدأت أطرق باب الروايات، وأقرأ شيئًا من الأعمال المشهورة والمتنوعة، فوجدت أن الصورة
ليست سوداء بالكامل كما كنت أظن، ولا بيضاء بالكامل كما يظن بعضهم، بل إن للروايات
جوانب إيجابية معتبرة، وأخرى سلبية لا ينبغي التغافل عنها.
فالرواية ليست مجرد قصة للتسلية، بل هي في كثير من الأحيان نافذة على
الإنسان والمجتمع والتاريخ، استطاعت بعض الأمم من خلال الرواية أن تنقل ثقافتها إلى
العالم، وأن تُعرّف الآخرين بمدنها، وعاداتها، وتحولاتها الفكرية، والاجتماعية، ولهذا
نجد أن بعض الروايات تبقى حيّة لعشرات السنين؛ لأنها لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تُعبّر
عن هموم البشر وأسئلتهم وصراعاتهم، وتُقدّم صورة عميقة للنفس الإنسانية.
ومن هنا لا يصح النظر إلى الروايات كلها نظرة واحدة؛ فكما أن الكتب العلمية
منها النافع والضعيف، فكذلك الروايات.
* * *
من أبرز الفوائد التي وجدتها في بعض الروايات:
-تنمية عنصر التشويق والقدرة على المتابعة والتركيز.
- رفع مستوى الذائقة الأدبية واللغوية.
- توسيع الخيال وتنمية التصور الذهني.
- اكتساب معلومات تاريخية وجغرافية بطريقة سلسة وممتعة.
- الاطلاع على أحوال الشعوب والمجتمعات ودقائق طبائع الناس.
- تنمية القدرة على فهم الشخصيات وتحليل السلوك.
- ترويض النفس على القراءة والاستمرار فيها، خصوصًا لمن لا يألف الكتب
العلمية الثقيلة.
وبعض الروايات الناجحة تستطيع أن تنقل القارئ إلى بيئات وثقافات وتجارب
إنسانية متنوعة بأسلوب مؤثر، حتى يشعر وكأنه يعيش تلك الأحداث بنفسه، وهذا مما يوسع
المدارك ويزيد الخبرة بالحياة والناس.
بل إن بعض الروايات التاريخية الراقية قد تدفع القارئ إلى الرجوع للمصادر
الأصلية، والبحث في مصادر التاريخ والفكر والسياسة والاجتماع، فتكون مدخلًا معرفيًا
جيدًا إذا أُحسن اختيارها.
* * *
لكن في المقابل، ليست كل الروايات ذات قيمة، بل إن كثيرًا منها -إن
لم يكن الأكثر- يشتمل على مخالفات عقدية وأخلاقية وسلوكية، تُقدَّم أحيانًا بصورة جذابة
وناعمة، حتى لا يشعر القارئ بخطرها إلا بعد التأثر بها.
فمن أبرز هذه السلبيات:
- التوسع في وصف العلاقات المحرمة والعشق والفواحش.
- الترويج للسحر والشعوذة والخرافات.
- تمرير الإلحاد أو التشكيك في الدين والثوابت.
- تطبيع بعض السلوكيات المخالفة للفطرة والقيم.
- تمجيد التمرد والانفلات الأخلاقي تحت شعار "الحرية".
- صناعة صورة سلبية عن التدين أو الأسرة أو القيم المحافظة.
- إضاعة الأوقات الطويلة فيما لا يعود بالنفع الحقيقي.
والأخطر من ذلك أن بعض الروايات لا تُقدِّم هذه الأفكار بصورة مباشرة،
بل تُمررها عبر شخصيات محبوبة، أو أحداث مؤثرة، أو سياقات إنسانية تجعل القارئ يتقبلها
تدريجيًا دون انتباه، خصوصًا إذا كان صغير السن أو ضعيف الحصانة الفكرية.
ولهذا فالرواية ليست مادة بريئة دائمًا، بل قد تكون أداة تشكيل فكري وثقافي
عميقة التأثير، ولهذا تهتم بها كثير من المدارس الفكرية ودور النشر والإنتاج الفني.
فالذي يجعل الروايات عالمه الوحيد، ويهجر القراءة الجادة والعلم النافع،
قد يخسر كثيرًا من عمره وطاقته الذهنية، أما من جعلها ضمن قدر معتدل، وانتقى منها ما
يفيده، فقد يجد فيها متعة وفائدة معًا.
فالمشكلة ليست في "الرواية" نفسها
بقدر ما هي في نوع المقروء، وطريقة التلقي، ووعي القارئ.
* * *
لذلك أرى أن قراءة الروايات قد تكون نافعة
إذا التزم القارئ بعدد من الضوابط المهمة، منها:
أولًا: الحصانة
العقدية والفكرية: فليس كل قارئ قادرًا على التمييز بين ما يُقبل وما يُرفض، وبعض الأعمال
تحمل رسائل فكرية خفية تحتاج إلى وعي ونضج يحولان دون التأثر بالتغريب أو الشبهات الفكرية.
ثانيًا: تقديم
العلم النافع: ينبغي للشاب خاصة أن يجعل صفوة عمره وقوة ذهنه في تحصيل العلم النافع،
وفي مقدمة ذلك علوم الشريعة الإسلامية وما يبني العقل والإيمان، لا أن تُستهلك سنواته
الأولى في القراءة الترفيهية وحدها، ومن الخطأ أن يعرف الإنسان تفاصيل الروايات العالمية،
بينما يجهل أساسيات دينه، أو لا يقرأ في العلم والفكر والتاريخ قراءة جادة.
ثالثًا: معرفة
توجه الكاتب: فالكُتّاب ليسوا سواء:
- فمنهم من يكتب لنشر الرذيلة أو كسر القيم.
- ومنهم من يهدف إلى التشكيك في الثوابت والدين.
- ومنهم من لا يعنيه إلا الربح التجاري وبيع المؤلفات.
- ومنهم من يحمل رسالة معرفية أو إنسانية نافعة، ويسلط الضوء على زوايا
خفية من النفس البشرية أو المجتمعات المنسية.
ولهذا فاختيار الرواية والكاتب ليس أمرًا هامشيًا، بل هو جزء يتشكل
منه وعي القارئ يصعب اقتلاعه مستقبلا.
رابعًا: الاعتدال
وعدم الإغراق: فبعض الناس ينتقل من رواية إلى أخرى حتى تصبح القراءة هروبًا من الواقع
أو إدمانًا ذهنيًا يستهلك الوقت والمشاعر، بينما المقصود من القراءة أن تبني الإنسان
لا أن تعزله عن حياته ومسؤولياته.
* * *
في النهاية .. الروايات كغيرها من الوسائل: منها النافع ومنها الضار،
والعاقل ليس من يرفض الباب كله، ولا من يفتحه بلا ضابط، وإنما من يقرأ بوعي، وينتقي
بعقل، ويحفظ قلبه وفكره ودينه.
ودعني أهمس في أذنك همسة أخيرة ..
"لو عكفتَ على القرآن والأحاديث النبوية وكتب
العلم الشرعي فلن يضرَّكَ ما فاتك من الروايات!".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق