الوَقْف..
صدقةٌ لا ينقطع أثرها
من أعظم أبواب الخير التي دلّ عليها الإسلام، وأبقى أثرها في حياة الناس
وبعد الممات: الوقف، وهو من صور الصدقة الجارية التي يمتد نفعها، وتتواصل حسناتها،
حتى بعد وفاة صاحبها. ولذلك اعتنى به المسلمون عبر تاريخهم، فكانت الأوقاف سببًا في
بناء المساجد، ورعاية الفقراء، ونشر العلم، وكفالة المحتاجين، حتى قامت حضارة كاملة
على روح الوقف والبذل.
معنى الوقف:
الوقف في الشريعة هو: حبس عينٍ يمكن الانتفاع بها مع بقاء أصلها، تقرّبًا
إلى الله تعالى، ومعناه كما يعبّر الفقهاء: حبس الأصل وتسبيل الثمرة.
فمن أوقف بيتًا مثلًا، بقي أصل البيت محفوظًا، بينما تُصرف أجرته في وجوه
الخير، كالفقراء، أو طباعة الكتب النافعة، أو دعم المساجد، أو غير ذلك من أعمال البر.
ولهذا كان الوقف من أعظم صور العطاء؛ لأنه لا يقتصر على نفعٍ مؤقت، بل
يبقى أثره مستمرًا ومتجددًا.
مشروعية الوقف وفضله:
الوقف من الأعمال المستحبة التي حثّ عليها الشرع، ودلت عليها السنة النبوية.
فقد ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضًا بخيبر، فقال
للنبي صلى الله عليه وسلم:
«يا رسول الله، أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما
تأمرني؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، غير أنه لا يباع
أصلها ولا يوهب ولا يورث».
فكان هذا أصلًا عظيمًا في مشروعية الوقف.
وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا
من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.
وقد فسّر العلماء الصدقة الجارية بأنها الوقف؛ لأن نفعه يستمر ويتجدد
مع مرور الزمن.
أحكام مهمة تتعلق بالوقف:
وللوقف أحكام وضوابط تحفظ مقصوده الشرعي، ومن أهمها:
أولًا: أهلية
الواقف: يشترط أن يكون الواقف جائز التصرف، عاقلًا، بالغًا، حرًّا، رشيدًا؛ لأن الوقف
تصرف مالي يحتاج إلى أهلية معتبرة.
ثانيًا: أن يكون
الوقف مما يبقى أصله: فلا يصح وقف ما يستهلك مباشرة، بل لا بد أن يكون الشيء الموقوف
مما ينتفع به مع بقاء عينه، كالعقار، والأرض، والمكتبة، ونحوها.
ثالثًا: أن يكون
الوقف في وجوه البر: فالوقف عبادة وقربة، ولذلك لا يجوز أن يكون على أمر محرم، أو على
ما فيه إعانة على المعصية، بل يكون في أبواب الخير؛ كبناء المساجد، وكفالة المحتاجين،
ونشر العلم.
رابعًا: مراعاة
مصلحة الوقف: إذا تعطلت منفعة الوقف، ولم يعد الانتفاع به ممكنًا، فإنه يُباع، ويصرف
ثمنه في مثله؛ تحقيقًا لمقصود الواقف، وحفاظًا على استمرار النفع.
خامسًا: أن الوقف
عقد لازم: فإذا تم الوقف لم يجز الرجوع فيه أو بيعه؛ لأنه خرج من ملك صاحبه لله تعالى.
سادسًا: تعيين
الموقوف: فلا بد أن يكون الشيء الموقوف معلومًا محددًا، فلا يصح وقف المجهول أو غير
المعين.
سابعًا: أن يكون
الوقف مُنَجَّزًا: فالأصل أن يكون الوقف نافذًا مباشرة، لا معلقًا على أمر مستقبل،
إلا إذا عُلِّق على الموت، فيأخذ حكم الوصية.
ثامنًا: وجوب
العمل بشرط الواقف: إذا اشترط الواقف شروطًا لا تخالف الشرع، وجب الالتزام بها؛ لأن
«شرط الواقف كنص الشارع» في مراعاة المقصود وعدم مخالفته.
تاسعًا: العدل
بين الأولاد: إذا أوقف الإنسان على أولاده، فإن الذكور والإناث يستوون فيه، إلا إذا
وُجد مسوغ شرعي معتبر.
* * *
الوقف.. حضارة إسلامية متجددة، ولم يكن الوقف في تاريخ المسلمين مجرد
تصرف فردي، بل كان مؤسسة حضارية عظيمة، قامت عليها المدارس، والمكتبات، والمستشفيات،
ودور الأيتام، وطرق المسافرين، حتى إن كثيرًا من العلماء وطلاب العلم عاشوا وتعلموا
ببركة الأوقاف.
وما أحوج المسلمين اليوم إلى إحياء هذا الباب العظيم، لا سيما في دعم
العلم الشرعي، وطباعة الكتب النافعة، ورعاية المحتاجين، والمشروعات التعليمية والتربوية،
ليبقى أثر الإنسان ممتدًا بعد رحيله.
.. فالوقف ليس مالًا يُحبس، بل هو عمرٌ يُمدّ، وأجرٌ يتجدد، وحسنات تبقى
ما بقي نفعها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق