أحاديث مختارة من مصنف ابن أبي شيبة (1)
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ،
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَبِي
عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ
عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،
قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي
رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ
الْجَنَّةُ».
قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: مَا قَبْلَهَا أَكْثَرُ مِنْهَا
كَأَنَّكَ جِئْتَ آنِفًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ
تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ
ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ".
رجال الإسناد:
(زَيْدُ بْنُ
الْحُبَابِ): أبو الحُسين العُكْلي، أصله من خراسان، وكان
بالكوفة، ورَحَلَ في الحديث فأكثر منه: وهو صدوقٌ، يُخطِئُ في حديث الثوري.
(مُعَاوِيَةُ
بْنُ صَالِحٍ): ابن حُدَيْر، الحضرمي، أبو عمرو وأبو عبد
الرحمن، الحمصي، قاضي الأندلسِ، وثَّقه الأئمة: أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن
مهدي، وأبو زرعة الرازي، والعجلي، والنسائي، وابن سعد، والترمذي، والبزار، وقال
الترمذي: "معاوية بن صالح ثقةٌ عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدًا تكلَّم فيه
غير يحيى بن سعيد القطان".
(رَبِيعَة بْن
يَزِيد): الدِّمشقيُّ، أبو شعيبٍ الإياديُّ،
القَصِيرُ: ثقةٌ عابدٌ.
(أَبو إِدْرِيسَ
الْخَوْلَانِيِّ): عائذُ الله بن
عبد الله أبو إدريس الخَوْلاني، وُلِدَ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم
حُنَين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيدُ بن عبد العزيز: كان
عالمَ الشام بعدَ أبي الدَّرداء.
(أَبو عُثْمَانَ):
شيخ لربيعة بن يزيد الدمشقيُّ، قيل اسمه: سعيد
بن هانئ الخَوْلانيُّ، وقيل: حَريزُ بن عثمان، مجهولٌ، تفرَّد بالرواية عنه ربيعة بن
يزيد، ولم يوثقه أحد، وقال الذهبي في "الميزان": لا يُدرى من هو.
(جُبَيْر بْن
نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ): الحِمْصيُّ: ثقةٌ جليلٌ، من الثانية، مُخَضْرَمٌ، ولأبيه
صحبة.
(عُقْبَة بْن
عَامِرٍ الْجُهَنِيّ): صحابيٌّ مشهورٌ،
أبو حَمّاد، وَلِيَ إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا.
(عُمَرُ بنُ الخَطَّاب): عُمَرُ بن
الخطَّاب بن نُفَيل القرشي العدويُّ، أميرُ المؤمنين، مشهورٌ، جَمُّ المناقب،
استشهد في ذِي الحِجة سنةَ ثلاث وعشرين، وَوَلِيَ الخِلافة عشر سنين ونصفًا.
دراسة الإسناد:
إسناده حسن؛ من أجل زيد بن الحباب، فإنه
صدوق، وجهالة أبي عثمان لا تضر؛ لأنه مقرون بأبي إدريس الخولاني.
تخريج الحديث:
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من طريق المؤلف،
وغيره[1].
شرح الحديث:
قوله: (فيحسن وضوءه) أي: يأتي بفرائض الوضوء
التي لا يجزئ إلا بها، وسُنَنه كالتثليث، والتيامن، والسواك، والاقتصاد في الماء،
وغير ذلك من السنن.
وقوله: (فيصلي ركعتين) نافلة كانت أو فريضة.
وقوله: (مقبل) أي: إلى الصلاة (بقلبه) أي
باطنه (ووجهه) أي ظاهره، قال أبو الحسن المباركفوري: "الإقبال بالقلب: أن لا
يغفل عنهما ولا يتفكر في أمر لا يتعلق بهما، ويصرف نفسه عنه مهما أمكن، والإقبال
بالوجه: أن لا يلتفت به إلى جهة لا يليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه الخشوع
والخضوع، فإن الخشوع في القلب والخضوع في الأعضاء"[2].
وقوله: (إلا وجبت له الجنة) ليس المراد دخول
الجنة مطلقا، فإن ذلك يحصل بالإيمان، بل المراد دخولا أوليا، وهذا يتوقف على مغفرة
الصغائر والكبائر جميعا، بل مغفرة ما يفعل بعد ذلك أيضا، نعم لا بد من اشتراط
الموت على حسن الخاتمة.
وقول عمر: (مَا قَبْلَهَا أَكْثَرُ مِنْهَا)
أي: الجملة التي قبل الجملة التي سمعتَها، وتعجبتَ من جودتها أكثر أجودية، وسبب
أنها تفضيلها لأنها سهلة متيسرة يَقْدِرُ عليها كل أحد بلا مشقة، مع مزية التخيير
في الدخول، وأن أجرها عظيم.
قوله: (كَأَنَّكَ جِئْتَ آنِفًا): وذلك أن
عقبة بن عامر قال في بداية الحديث: -كما عند مسلم-: "كانت علينا رِعَايَةُ الإبل،
فجاءت نوبتي، فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما
يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ ..." الحديث، فقال عقبة:
ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود! فنظرت فإذا عمر.
قوله: (مَنْ تَوَضَّأَ): فيسبغ الوضوء -كما
عند مسلم- أي فيتمه ويُكْمِلُه فيُوصِلُه مواضعه على الوجه المسنون.
قوله: (فَقَالَ: أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ): قال الطيبي: قولُ الشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله،
وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث.
وقوله: (فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ
أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ): عبّر عن الآتي بالماضي لتحقق
وقوعه، والمراد تفتح له يوم القيامة، والظاهر أنه لا يختار إلا الذي يغلب عليه
عمله؛ إذ أبواب الجنة معدة لأعمال مخصوصة.
فوائد:
الأولى: قال السندي رحمه الله: "يمكن أن يكون هذا الحديث
بمنزلة التفسير لحديث عثمان رضي الله عنه، وهو: "من توضأ نحو وضوئي هذا ..
إلخ"، وعلى هذا فقوله: "فيحسن وضوءه" هو أن يتوضأ نحو ذلك الوضوء،
وقوله في حديث عثمان رضي الله عنه: "لا يحدث فيهما نفسه" هو أن يقبل
عليهما بقلبه ووجهه، وقوله في ذلك الحديث: "غفر له .. إلخ" أريد به أنه
تجب له الجنة"[3].
الثانية: وهذا الحديث لا يعارض حديث "إن في الجنة بابا لا
يدخله إلا الصائمون" لاحتمال أن يدخله الصائمون أوَّلًا ثم يقع التخيير بعد.
وقال العلامة الإثيوبي: "لا تعارض
بينهما؛ لأن المنفي فيه دخول غيرهم، وحديث الباب بين أنه يخير للتشريف، ولا يَلْزم
منه الدخول؛ وحاصله أنه وإن خُيِّرَ لكن لا يرغب في الدخول فيه، ولا يوفق لذلك،
إلا إذا كان ممن أكثر الصيام، والله تعالى أعلم بالصواب"[4].
الثالثة: قال ابن العربي: والمخيرون في الدخول أربعة: الأول حديث الوضوء، والثاني: المنفق زوجين في سبيل الله، والثالث: القائل "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم"، والرابع: من مات يؤمن بالله واليوم الآخر.
الرابعة: فيه رواية صحابي عن صحابي؛ عقبة عن عمر بن الخطاب.
الخامسة: ينبغي أن يضم إليه ما جاء في رواية الترمذي متصلًا
بهذا الحديث: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"[5]،
ويستحب أن يضم إليه ما رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة مرفوعًا: "سبحانك
اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك"،
قال الشافعية: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضًا.
السادسة: ما ذكره الحنفية والشافعية وغيرهم في كتبهم من الدعاء عند
كل عضو كقولهم يقال عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل
اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا ... إلخ، لم يثبت فيه حديث[6].
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص[7]:
قال الرافعي: "ورد بها الأثر عن الصالحين"، قال النووي: "هذا الدعاء
لا أصل له، ولم يذكره الشافعي والجمهور، ولم يذكره المتقدمون"[8]،
وقال بن الصلاح: "لم يصح فيه حديث".
قال الإمام ابن القيم: "ولم يُحفَظ عنه
أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية، وكلُّ حديث في أذكار الوضوء التي تقال
عليه، فكذِبٌ مختلَق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا منها، ولا علَّمه
لأمته، ولا ثبت عنه غيرُ التسمية في أوله، وقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» في
آخره. وحديثٌ آخَرُ في «سنن النسائي» مما يقال بعد الوضوء أيضًا: «سبحانك اللهمَّ
وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»"[9].
السابعة: قال العلامة الإثيوبي: "فتح أبواب الجنة محمول
على ظاهره وحقيقته، وذكر بعضهم احتمال أن يكون مجازا عن التوفيق للطاعات في
الدنيا، فإنها سبب في فتح أبواب الجنة في الآخرة، والصواب ما قدمته، وأما الاحتمال
المذكور فيبعده قوله: "يدخل من أيها شاء"، فتأمل"[10]،
أي: تفتح الأبواب حقيقة يوم القيامة، وليس المعنى التوفيق للطاعات.
الثامنة: الأبواب الثمانية هي: باب الإيمان، وباب الصلاة، وباب
الصيام، وباب الصدقة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، وباب الجهاد، وباب
التوبة.
[1]
صحيح مسلم (1/ 209 ت عبد الباقي): 234.
[2]
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 9).
[3]
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 9).
[4]
البحر المحيط
الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (6/ 196)
[5]
قال ابن حجر في التلخيص
الحبير (1/ 299 ط العلمية): رواه الترمذي، وفي إسناده اضطراب ولا يصح فيه شيء كبير.
[6]
تحفة الأحوذي
(1/ 151)
[7]
التلخيص الحبير (1/ 260 ط أضواء السلف).
[8]
انظر: روضة الطالبين (1/ 62)، والمجموع (1/ 526).
[9]
زاد المعاد ط عطاءات العلم (1/ 213).
[10]
البحر المحيط
الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (6/ 195)
