الـمُدلَّس
18 - .......................... … وما أتى مُدلساً نَوعانِ
19 - الأَوَّلُ: الإسْقَاطُ
لِلشَّيْخِ وَأَنْ … ينقلُ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِعَنْ وَأَنْ
20 - والثَّانِ: لَا يُسْقِطُهُ
لَكِنْ يَصِفْ … أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لَا ينعرف
يكشف هذا الموضوع جهود علماء الحديث، وكيف استطاعوا
بدقة عالية رصد أي محاولة لإخفاء العيوب في سلاسل الرواة، وتكمن أهمية هذا المبحث
في حماية السنة النبوية، والتأكد من أن كل كلام يُنسب للنبي ﷺ قد وصل إلينا بأعلى
درجات الصدق والأمانة، دون أي غموض أو تمويه.
الـمُدلَّس: في اللغة: مأخوذة من الدلَس -بفتح
اللام-، وهو: اختلاط الظلام بالنور.
وفي الاصطلاح: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره.
ويأتي على عدة صور، ذكر الناظم منها صورتين:
تدليس الإسناد:
وهو قول الناظم: (الأَوَّلُ: الاسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ … ينقلُ
عَمَّنْ فَوْقَهُ بِـــــــ: عَنْ، وَأَنْ)
وهو: أن يروي الراوي عن شيخٍ قد سمع منه بعض الأحاديث، لكن الحديث هذا
الذي دلسه لم يسمعه منه، وإنما سمعه من شيخ آخر عنه، فيُسقط ذلك الشيخ، ويرويه عن
الشيخ الأول بلفظ محتمل للسماع، كـ "قال" أو "عن" ليوهم غيره
أنه سمعه منه، لكنه لا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: "سمعت"
أو "حدثني"؛ حتى لا يصير كذابا بذلك.
مثاله: أخرجه أحمد في
"المسند"[1]،
والترمذي في "سننه"[2]،
من حديث: أبي الزبير المكي، عن جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم لا ينام كل ليلة حتى يقرأ ألم تنزيل الكتاب، وتبارك الملك".
أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق،
إلا أنه يدلس[3]،
ويقع في المرتبة الثالثة من المدلسين عند ابن حجر، وهُم مَن أكثروا من التدليس فلم
يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع[4]،
وقد عنعن في هذا الحديث ولم يصرح بالسماع.
قال أبو خيثمة زهير بن معاوية: "قلت
لأبي الزبير: أسمعتَ من جابر يذكر هذا الحديث؟! فقال أبو الزبير: ليس جابر حدثنيه!
إنما أخبرنيه: صفوان أو ابن صفوان"[5]،
أي عن جابر.
واختلف العلماء في قبول رواية المدلس على
أقوال؛ أشهرها قولان، وهما:
أ- رد رواية المدلس مطلقا، وإن بَيَّنَ
السماع؛ لأن التدليس نفسه جرح.
ب- التفصيل:
1- إن صرح بالسماع قبلت روايته، أي إن قال:
"سمعت" أو نحوها قبل حديثه.
2- وإن لم يصرح بالسماع لم تقبل روايته، أي
إن قال: "عن" ونحوها لم يقبل حديثه[6].
وهذا القول هو المعتمد.
الفرق التدليس وبين الإرسال الخفي[7]:
كلا من المدلِّس والمرسِل إرسالا خفيا يروي
عن شيخ شيئا لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره، لكن المدلس قد سمع من ذلك
الشيخ أحاديث غير التي دلسها، على حين أن المرسل إرسالا خفيا لم يسمع من ذلك الشيخ
أبدًا، لا الأحاديث التي أرسلها ولا غيرها، لكنه عاصره أو لقيه[8].
تدليس التسوية:
وهذا النوع لم يذكره الناظم، وهو نوع من
أنواع تدليس الإسناد، وصورته: أن يروي الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين
ثقتين لقي أحدهما الآخر، وصورة ذلك: أن يروي الراوي حديثا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة
يرويه عن ضعيف، عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع
الحديث من الثقة الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة،
عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، فيسوي الإسناد كله ثقات.
وهذا النوع من التدليس شر أنواع التدليس؛
لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد
التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة. وفيه غرر شديد.
وأشهر من كان يفعله:
1- بقية بن الوليد، حتى قيل: "أحاديث
بقية ليست نقية، فكن منها على تقية".
2- الوليد بن مسلم.
تدليس الشيوخ:
وهو قول الناظم: (والثَّانِ: لَا يُسْقِطُهُ لَكِنْ يَصِفْ …
أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لَا ينعرف)
وهو أن يروي عن شيخٍ حديثاً سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه،
أو يصفه بما لا يُعرف به؛ كي لا يُعرف[9].
كأن يقول الراوي: "حدثنا أحمد بن هلال"
يريد بذلك: الإمام أحمد بن حنبل، فينسبه إلى جد أبيه.
أو يقول: "حدثنا أبو صالح" يريد
به: الإمام أحمد أيضًا، وهو مشهور بأبي عبد الله.
أو يكون الشيخ مشهورا بكونه بغداديا، فينسبه
إلى العراق.
أو يصفه بكونه حافظا، وهو لا يعرف بذلك.
قال عبد الله بن أَحمد بن حنبل: سمعت أبي
ذكر عطية العوفي، فقال: هو ضعيف الحديث؛ بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه
التفسير، وكان يكنيه بـ "أبي سعيد" فيقول: قال أبو سعيد![10].
قال الكلبي: "كنَّاني عطيةُ: أبو سعيد"[11].
ويفعل الراوي ذلك لأسباب، منها:
1- إما أن يكون شيخه مجروحاً.
2- أو يكون المدلس قد شورِك في الرواية عن ذلك الشيخ مِن قِبَل مَن
هم دونه في السن أو العلم أو غير ذلك، فيأنف من مشاركتهم له، ويريد أن يتميز عنهم.
3- أو لكون ذلك الشيخ أصغر سنا من الراوي عنه، فيخجل أن يعرف الناس
أنه يأخذ عمن دونه في السنة.
وكلها من مزالق العلم.
تدليس البلدان:
وهذا النوع لم يذكره الناظم، قال ابن حجر:
ويلتحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد، كما إذا قال المصري: "حدثني فلان
بالأندلس" وأراد: موضعًا بالقرافة.
أو قال: "بزقاق حلب"، وأراد:
موضعًا بالقاهرة.
أو قال البغدادي: "حدثني فلان بما وراء
النهر"، وأراد: نهر دجلة.
أو قال: "بالرقة"، وأراد: بستانًا
على شاطئ دجلة.
أو قال الدمشقي: "حدثني بالكرك"،
وأراد: كرك نوح وهو بالقرب من دمشق.
وحُكْمُه: الكراهة؛ لأنه يدخل في باب التَّشَبُّع،
وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلا إن كان هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثير
فلا كراهة.
يُعرف التدليس بأحد أمرين:
1- إخبار المدلس نفسه -إذا سئل- أنه دلس،
كما جرى لابن عيينة.
2- نص إمام من أئمة هذا الشأن؛ بناءً على
معرفته ذلك من البحث والتتبع[12].
حكم التدليس:
- أما تدليس الإسناد: فمكروهٌ جدًّا،
ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له، فقال فيه أقوالا، منها:
"التدليس أخو الكذب".
- وأما تدليس التسوية: فهو أشد كراهة
منه، حتى قال العراقي: "إنه قادح فيمن تعمد فعله".
- وأما تدليس الشيوخ: فكراهته أخف من
تدليس الإسناد؛ لأن التدليس لم يسقط أحدا، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه،
وتوعير طريق معرفته على السامع، وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه.
أشهر المصنفات في المدلسين:
أ- التبيين لأسماء المدلسين: لبرهان الدين
ابن الحلبي جمع فيه (93) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس.
ب- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين
بالتدليس، للحافظ ابن حجر، جمع فيه (152) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس[13].
ج- التدليس والمدلسون، للشيخ حماد بن محمد
الأنصاري، جمع فيه (161) من الرواة الذين وصفوا بالتدليس.
[1] مسند أحمد (23/ 26 ط
الرسالة): 14659.
[2] سنن الترمذي (5/ 17 ت
بشار): 2892.
[3] تقريب التهذيب (ص506).
[4] طبقات المدلسين = تعريف
أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص45).
[5] تاريخ دمشق لابن عساكر
(17/ 327).
[6] تيسير مصطلح الحديث (ص103).
[7] المرسل الخفي: أن يروي
الراوي عمن لقيه، أو عاصره، ما لم يسمع منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره كـ
"قال".
[8] تيسير مصطلح
الحديث (ص98)
[9] مقدمة ابن الصلاح = معرفة
أنواع علوم الحديث - ت عتر (ص74).
[10] العلل ومعرفة الرجال لأحمد
رواية ابنه عبد الله (1/ 548).
[11] تهذيب التهذيب (9/ 173).
[12] تيسير مصطلح
الحديث (ص104)
[13] تيسير مصطلح
الحديث (ص104)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق