أعظم
ما أُعطي أهل الجنة
من أعظم النعيم الذي وعد الله به عباده المؤمنين في الدار الآخرة: التمتع
بالنظر إلى وجهه الكريم، وهي عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، تلقَّتها
الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل، وعدَّها أهل السنة من مسائل الاعتقاد الظاهرة التي تواترت
بها النصوص، حتى قال العلماء: إن أدلتها بلغت حدَّ التواتر اللفظي والمعنوي الذي لا يدع مجالًا
للشك أو التردد.
فالآيات صريحة الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى لا تقبل تحريفا
ولا تأويلا ولا يردها إلا مكابر قد ختم الله على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن
يهديه من بعد الله.
دلالة القرآن الكريم على رؤية
الله تعالى:
قال تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
[الْقِيَامَةِ: 23-24].
فهذه الآية من أوضح ما استدل به أهل السنة؛ إذ أخبر الله عن وجوه أهل
الإيمان أنها ناضرة مشرقة حسنة، ثم بيَّن سبب هذا النعيم والبهاء بقوله: {إِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ}.
وقال تعالى: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}
[يُونُسَ: 26].
وقد جاء تفسير هذه الزيادة في السنة الصحيحة، قال رسول الله ﷺ: «الزيادةُ:
النَّظَرُ إلى وجْهِ اللهِ» وأصله عند مسلم.
الأحاديث المتواترة في إثبات
الرؤية:
وقد تواترت الأحاديث بمعنى ما تضمنته هذه الآيات رواها أئمة السنة والحديث
في دواوين الإسلام عن فضلاء الصحابة وأجلائهم.
ففي الصحيحين عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا
مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ
فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا
لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا".
وفيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ
اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى
الله عليه وسلم: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"
قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ
الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ"** قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَإِنَّكُمْ
تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ".
ولهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ
فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟" قَالُوا:
لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ تبارك وتعالى
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا".
وفي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ عز وجل:
تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ يَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا
الْجَنَّةَ وَتُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَمَا أُعْطُوا
شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ"، ثُمَّ تَلَا
هَذِهِ الْآيَةَ: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}.
والتشبيه في هذه الأحاديث إنما هو في
وضوح الرؤية وعدم المزاحمة فيها، لا في تشبيه الله تعالى بخلقه، تعالى الله عن ذلك.
إجماع السلف الصالح من الصحابة
والتابعين:
وثبت الإيمان بالرؤية عن الصحابة مثل: أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب،
وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وفضالة بن عبيد، وغيرهم.
وعن التابعين قال: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعبد الرحمن بن أبي
ليلى، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، في قوله: {لِلَّذَيْنِ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}
أنها النظر إلى الله تبارك وتعالى.
وهذا الانتشار الواسع للنقول عن الصحابة والتابعين يدل على أن المسألة
كانت معلومة مشهورة بينهم، لا خلاف فيها عند أهل القرون المفضلة.
وهي عقيدة أئمة الإسلام:
قال مالك بن أنس الإمام رحمه الله تعالى: "الناس ينظرون إلى ربهم
عز وجل يوم القيامة بأعينهم".
وقال سفيان بن عيينة: "مَن لم يقل إن القرآن كلام الله، وأن الله
يُرى في الجنة فهو: جَهَمي"، وذكر عنه ابن أبي حاتم أنه قال: "لا يُصلَّى
خلف الجهمي".
والجهمي الذي يقول: "لا يَرى ربه يوم القيامة"، نسبة إلى
الجهم بن صفوان الذي نشر هذه العقيدة الخبيثة.
وقال الربيع بن سليمان: حضرتُ محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة
من الصعيد فيها سؤال: ما تقول في قول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ
يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}
فقال الشافعي: "لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن
أولياءه يرونه في الرضا".
قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: "نعم وبه أدين
الله، ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل".
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وذكر له عن رجلٍ شيء
في الرؤية، فغضب وقال: "من قال إن الله لا يرى فهو كافر".
ومن أجمع ما قيل في الاحتجاج لأحاديث الرؤية ما جاء عن إسحاق بن راهويه:
قال له عبد الله بن طاهر أمير خراسان: يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي يروونها في النزول
والرؤية ما هُنَّ؟!
فقال: "رواها مَن روى الطهارة والغُسل والصلاة والأحكام، فإن يكونوا
في هذه عدولا وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع!".
فقال ابن طاهر: "شفاك الله كما شفيتني".
فهذا كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة،
وهذه أقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الهدى، كلها مجتمعة على أن المؤمنين
يرون ربهم تبارك وتعالى في الجنة، ويتلذذون بالنظر إلى وجهه الكريم، وذلك غاية النعيم،
وأعلى الكرامات، وأفضل فضيلة.
ولذلك كان النظر إلى وجه الله الكريم أعظم من كل نعيم الجنة؛ إذ يذهل
أهل الجنة بالنظر إليه عن كل ما هم فيه من النعيم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من
أهل رضوانه، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم والشوق إلى لقائه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق