قصة التقويم الهجري
مع إطلالة السنة الهجرية الجديدة [1448هـ]
يتجدد على ألسنة المسلمين ذكر التاريخ الهجري، وتُكتب تواريخه في الرسائل والوثائق
والمناسبات، لكن قلَّ من يتساءل: كيف بدأ هذا التقويم؟ ولماذا اختيرت الهجرة
النبوية مبدأً له؟ وهل كان للعرب قبل الإسلام تاريخٌ ثابت يؤرخون به سنواتهم؟
إن قصة التقويم الهجري ليست مجرد أرقام
تُتداول بين الناس، بل هي صفحة مشرقة من تاريخ هذه الأمة، تكشف جانبًا من حكمة
الصحابة رضي الله عنهم في تنظيم شؤون المسلمين، وربط تاريخهم بأعظم حدثٍ غيَّر
مجرى الإسلام، وهو هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة .. وفي هذه المقالة نتتبع نشأة
هذا التقويم المبارك وتطوره حتى استقر على الصورة التي نعرفها اليوم.
* * *
كانت العرب قبل الإسلام يعرفون التقويم القمري،
وكانت سَنَتُهم تتكوّن من اثني عشر شهرًا قمريًا تُحدَّد برؤية الهلال، وقيل إن
أول من جمع أسماء الشهور على أسمائها المعروفة كعب بن مُرَّة الجدّ الخامس للرسول ﷺ،
منها أربعة أشهر حرمًا يمتنعون فيها عن القتال لتأمين الحج والتجارة والأسواق، لكنهم
لم يلتزموا بتثبيت هذه الأشهر؛ إذ كانوا يلجؤون إلى تأخير بعض الأشهر الحرم أو تبديلها
بغيرها لموافقة مصالحهم مما أدى إلى اضطراب التقويم واختلاف أسماء الشهور أحيانًا،
وتُسمى هذه العملية "النَّسيء" أي: التأجيل، ولم يكن ذلك القرار
يُتَّخذُ جزافًا كيفما اتفق، لكن كان هناك أشخاص مكلفون بهذا العمل يُطلق عليهم
النَّسَأة، أو الَقلامِس؛ أي: المتبحرون في معرفة أمر النسيء ومواقيت العرب، في
ذلك يقول عُمير بنُ قَيْسِ بنِ جِذْلِ الطِّعان مفتخراً بهذا "التلاعب":
ألَسْنا النَّاسِئينَ عَلَى مَعَدٍّ // شُهُورَ
الحِلّ نجْعلُها حَرامَا
وقد أبطل الإسلام هذا النظام في السنة العاشرة
للهجرة، حيث وقف النبي ﷺ في حجة الوداع فقال: "إنَّ الزَّمانَ قدِ استَدارَ كهَيئةِ يَومَ خَلَقَ
السَّمَواتِ والأرضَ؛ السَّنةُ اثنا عَشَرَ شَهرًا، مِنها أربَعةٌ حُرُمٌ، ثَلاثةٌ
مُتَوالياتٌ: ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بينَ
جُمادى وشَعبانَ". [متفق عليه]، فعادت الشهور إلى
مواضعها كما خلقها الله تعالى.
أما في التأريخ أعني السنوات، فلم يكن للعرب
قبل الإسلام مبدأ موحّد يؤرخون به، بل كانوا ينسبون الأحداث إلى الوقائع السنوية الكبرى
المشهورة، مثل عام الفيل، وحرب الفِجار، وتجديد بناء الكعبة، وأيام العرب كحرب البسوس
وداحس والغبراء، ولذلك لم يكن التقويم الجاهلي نظامًا زمنيًا دقيقًا ومستقرًا يُعتمد
عليه في تسجيل الأحداث، بل اختلف باختلاف القبائل والمناطق، حتى جاء الإسلام فوضع لاحقًا
التقويم الهجري على أساس ثابت ومنتظم.
وعقِب قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ،
ظلت السنة القمرية بالأشهر الهجرية المعروفة، إلا أنه لم يعيَّن للسنين مبدأ ثابت تنطلق
منه؛ وذكر بعض أهل السير والتاريخ أن السنوات في العهد النبوي كانت تُعرف بأسماء
الحوادث البارزة فيها، مثل:
السنة الأولى: سنة الإذن؛ أي الإذن بالهجرة من مكة إلى المدينة.
الثانية: سنة الأمر؛ أي الأمر بقتال المشركين.
الثالثة: سنة التمحيص؛ أي تكفير الذنوب عقب غزوة أُحد لقوله تعالى:
﴿وليمحِّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾.
الرابعة: سنة التَّرْفِئَة، ومعناها الاتّفاق وجمع الشَّمل من رفأ
بين القوم : إذا أصلح بينهم.
الخامسة: سنة الزلزال، إشارة إلى ابتلاء المؤمنين وزلزالهم في غزوة
الخندق.
السادسة: سنة الاستئناس؛ إشارة إلى الآية الكريمة ﴿لا تدخلوا بيوتًا
غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها﴾.
السابعة: سنة الاسْتِغلاب، وكان فيها فتح خيبر والغلبة على اليهود.
الثامنة: سنة الاستواء، وهي سنة الفتح أيضًا، وفيها كان فتح مكة.
التاسعة: سنة البراءة؛ أي براءة الله ورسوله من المشركين يوم الحج
الأكبر، أو البراءة من المتخلفين عن الجهاد يوم تبوك، وهي أيضًا سنة الوفود لقدوم أفواج
العرب وفودًا معلنين إسلامهم.
العاشرة: سنة الوداع؛ أي سنة حجة الوداع.
ظل المسلمون في صدر الإسلام يسمّون السنوات
بأسماء الأحداث البارزة، كما قيل: عام الطاعون لطاعون عمواس، وعام الرمادة للمجاعة
المشهورة، غير أن هذا الأسلوب لم يكن كافيًا لضبط المكاتبات والمعاملات الرسمية،
حتى كتب أبو موسى الأشعري والي البصرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً:
«إنه تأتينا من أمير المؤمنين كتب ليس فيها تأريخ، فأَرِّخ»، فجمع عمر كبار
الصحابة -وذلك في سنة ست عشرة أو سبع عشرة من الهجرة النبوية- للتشاور في وضع مبدأ ثابت للتأريخ
الإسلامي.
فتعددت المقترحات؛ فمنهم من رأى التأريخ
بمولد النبي ﷺ، ومنهم من اقترح بعثته، ولكن مولده ومبعثه لا يعرفان على وجه الدقة،
وأما وقت وفاته ﷺ فهو وإن لم يختلف فيه، إلا أنَّ جعله أصلا يعد غير مستحسن عقلا؛
لتهييجه للحزن والأسف، ومنهم من أشار إلى الأخذ بتقويم الفرس أو الروم، ولكن
الصحابة رأوا أن يكون للمسلمين تاريخ مستقل يميزهم عن غيرهم.
إلى أنْ استقر الرأي على ما أشار به علي بن
أبي طالب رضي الله عنه من جعل الهجرة النبوية مبدأً للتاريخ الإسلامي؛ لأن الهجرة
فرّقت بين مرحلتي الاستضعاف والتمكين، ولأن الهجرة غير مختلف فيها، ولكونه وقت
استقامة ملة الإسلام، وتوالي الفتوح، وترادف الوفود واستيلاء المسلمين.
وعلى الرغم من أن الهجرة النبوية بدأت في
أواخر شهر صفر، ووصل الرسول ﷺ مشارف المدينة يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول ثم
دخل المدينة يوم الجمعة 12 من ربيع الأول، إلا أن الاختيار لبداية السنة الهجرية
وقع على شهر "محرم" وليس في صفر أو ربيع الأول؛ لكون شهر محرم "شهر
الله"، وفيه يكسى البيت، ويضرب الوَرِق -أي: النقود-، وفيه يرجع الحجاج إلى
بلدانهم بعد الاجتماع العظيم في موسم الحج.
فاستقام التقويم الهجري منذ إقراره في عهد
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصبح التأريخ الرسمي للمسلمين في عباداتهم
ومعاملاتهم وأحداثهم، وظل متصلاً عبر القرون إلى يومنا هذا دون انقطاع.
وهو من أعظم منجزات الصحابة رضي الله عنهم
في تنظيم شؤون الأمة وضبط تاريخها، فالحمد لله على تمام نعمته وكمال منّته، إذ حفظ
للمسلمين تاريخهم وهويتهم، وربط تأريخهم بأعظم حدث في الإسلام، وهو هجرة النبي ﷺ
من مكة إلى المدينة.
ولذلك لم يُبنَ التاريخ الإسلامي على مولد شخص أو وفاة ملك، وإنما
بُني على حدثٍ غيَّر مجرى الأمة، وأقام دولة الإسلام، فكان التأريخ بالهجرة شاهدًا
على ارتباط المسلمين بدينهم ورسالتهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق