المقلوب
21 - ...........................
والَمقْلُوبُ قِسْمَانِ تَلا
22 - إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ
قِسْمُ … وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْمُ
يُعَدُّ هذا المبحث من الأنواع التي اعتنى بها المحدثون لكشف الأوهام
والأخطاء التي تطرأ على الروايات، لما قد يترتب عليه من تغيير في الحكم على الحديث،
وقد ذكر العلماء له صوراً متعددة، أشهرها: قلب الرواة، وقلب الإسناد للمتن، والقلب
في المتن، ولكل صورة أمثلتها وأحكامها الخاصة.
المقلوب: هو الحديث الذي وقع تغيير في سنده أو
متنه بإبدال لفظ بآخر، أو بتقديم وتأخير، ونحو ذلك.
ذكر الناظم أنه على قسمين:
1- قلب الرواة، وهو معنى قول الناظم: (إبدال راوٍ ما براوٍ)،
مثاله:
كما لو قَلَبَ حديثاً عن: "عبد الله بن عمر العمري"، فيرويه
عن: "عبيد الله بن عمر العمري"!
أو أن يقدم ويؤخر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه؛ "معاذ بن سعد"،
بدل: "سعد بن معاذ"، أو: "مرة بن كعب"، بدل: "كعب بن مرة".
فإن كان الاسم لراوٍ واحدٍ لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه، أما إن كان
صيَّره بالقلب رجلاً آخر، فلا يشكل على صحة الحديث إذا كانا ثقتين، أو ضَعْف الحديث
إذا كانا ضعيفين، إنما يُشكل لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً كما في الأخوينِ في المثال
السابق: (عبد الله: ضعيف، عبيد الله: ثقة) ، ويُعل بذلك الإسناد، فيكون الوصف
بالقلب بسبب خطأ الراوي حكماً على الحديث بالضعف[1].
2- قلب الإسناد: وهو
قول الناظم: (وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْمُ)، أي: أن يجعل الراوي متن هذا
الحديث على إسناد آخر، ويجعل إسناده لمتن آخر.
مثاله: قال ابن أبي حاتم: "بلغني أن في كتاب الحسين: عن الثوري،
عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله؛ في قوله: {....}، وعلى أثره: الثوري، عن المغيرة بن
النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم
محشورون …"، فَدَخَلَ لعُمر بن شبّة إسناد حديث الأول، في متن حديث
الثاني".
مثال آخر: ما أخرجه الطبراني في "المعجم
الصغير"[2]،
وابن عدي في "الكامل"[3]، من
حديث: أحمد بن خليد، عن يوسف بن يونس الأفطس -أخو أبي مسلم المستملي-، حدثنا
سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت رَسُول الله صَلَى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من
عبيده، فيوقف بين يديه، فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله".
قال الطبراني: "لم يروه عن عبد الله بن
دينار إلا سليمان بن بلال تفرد به يوسف بن يونس".
وقال ابن حبان عن يوسف بن يونس الأفطس:
"يروي عن سليمان بن بلال ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به إذا
انفرد"، ثم أورد هذا الحديث من مناكيره، فقال عَقِبه: "وهذا لا أصل له
من كلام النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
ولكن الدارقطني والخطيب البغدادي وثَّقا
يوسف الأفطس ورجال الإسناد كلهم، وللحديث علة تفطن لها الدارقطني، فقال:
"حدثني الحسن بن أحمد بن صالح الحافظ الحلبي أن هذا الحديث كان في كتاب أحمد
بن خليد عن يوسف بن يونس [الأفطس]، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن
ابن عمر، وقد دَرَسَ مَتْنُه، ودَرَسَ [أيضاً] إسناد الحديث الذي بعده، وبعدهُ هذا
الكلام ، فكتبه بعض الورَّاقين عنه، وألزق إسناد حديث سليمان بن بلال إلى هذا
المتن" .
بهذا الشكل: [أحمد بن خليد عن يوسف بن يونس
الأفطس، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت رَسُول
الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول ... [لا يوجد حديث] ...، ..... [لا يوجد
إسناد] ..... إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من عبيده، فيوقف بين يديه، فيسأله
عن جاهه كما يسأله عن ماله]، فحذف الناسخُ (الورَّاق) الفراغات، وألصق الإسناد
بالمتن الذي بعده.
يعني: أن الحديث [المتن] الذي رواه يوسف
الأفطس بإسناده قد انمحى فلا يُعرف، كما أن إسناد الحديث الذي بعده قد انمحى فلا
يُعرف.
فالخلاصة: أن هذا الحديث لا يُعرف إسناده
-أعني: لا أصل له-، وأما الإسناد المذكور فليس لهذا الحديث كما بَـيـَّنَ الدارقطني.
3- قلب في المتن: وهذا
النوع لم يذكره الناظم، أي: أن يقدم الراوي ويؤخر في بعض متن الحديث، ومثاله: حديث
أبي هريرة عند مسلم، في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيه:
"ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله":
فهذا مما انقلب على بعض الرواة، وإنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه".
تتمة: ويدخل في القلب ما يعرف بـــ :
أ- سرقة الحديث: بقصد الإغراب: كحديث مشهور عن
"سالم عن ابن عمر"، فيجعله الراوي عمداً عن "نافع عن ابن عمر"،
وممن كان يفعل ذلك من الرواة: "حماد بن عمرو النصيبي" ومثاله: حديث رواه
حماد النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: "إذا لقيتم
المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام".
فهذا حديث مقلوب؛ قلبه حماد النصيبي، فجعله عن الأعمش، وإنما هو
معروف عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم في صحيحه.
مثال آخر: معاوية بن يحيى الصدفي أبو روح
الدمشقي، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، قال عنه الساجي: ضعيف الحديث جدا، وكان
اشترى كتابا للزهري من السوق فرواه عن الزهري!
مثال آخر: ما جاء في ترجمة أحمد بن
معاوية بن بكر الباهلي، في "الكامل" لابن عدي، قال ابن عدي:
حدث عن الثقات بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث، حَدَّثَنَا مُحَمد
بن عبدة بن حرب، حَدَّثَنا أحمد بن معاوية الباهلي، حَدَّثَنا ابن عياش،
عن صفوان بن عَمْرو عن عَبد الرحمن بن جُبَير بن نفير عن كثير بن مرة الحضرمي، عن
عَبد الله بن عَمْرو، قَال: قَال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ
الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، فمنزلي ومنزل إبراهيم يوم القيامة في
الجنة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن بين خليلين.
قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بعبد الوهاب بن الضحاك عن
إسماعيل بن عياش، وأحمد بن معاوية هذا سرقه من عَبد الوهاب
وسرقة الحديث قدح شديد في العدالة، يسقط الاعتداد بجميع رواية
الموصوف بذلك.
ب- أو بقصد الاختبار: كما
فعل أهل بغداد مع الإمام البخاري؛ إذ قلبوا له مائة حديث، وسألوه عنها امتحانا
واختباراً لحفظه، فردها على ما كانت عليه قبل القلب، ولم يخطئ في واحد منها،
فأذعنوا له بالحفظ.
إذاً فالأسباب الحاملة على القلب متنوعة:
أ- قصد الإغراب؛ ليرغب الناس في رواية حديثه، والأخذ عنه وهذا يعتبر
جرحاً.
ب- قصد الامتحان، والتأكد من حفظ المحدِّث، وتمام ضبطه، ويشترط بيان
الحقيقة في ذاك المجلس.
ج- الوقوع في الخطأ والغلط من غير قصد، والخطأ لا يسلم منه أحد حتى الثقات،
لكن إذا كثر من الراوي كان جرحا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق