لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِن قَدَرٍ
تشدّني كثيرًا تلك الآيات القصيرة التي تحمل
في ألفاظها القليلة معاني عظيمة، وتختزن وراءها تاريخًا طويلًا، فلا أمرّ عليها
مرور التلاوة المجردة؛ بل كثيرًا ما أغلق المصحف بعد قراءتها، وأبدأ رحلة البحث
والتنقيب: أفتش في التفاسير، وأجمع أطراف القصص، وأحاول لملمة ما تفرق من معانيها؛
حتى يتضح المقصود، ويظهر المغزى.
ومن تلك الآيات، الآية التي في سورة البقرة:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ
أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ
اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243].
وتفسيرها باختصار: "ألم تعلم -أيها
الرسول- قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم، وهم ألوف كثيرة؛ خشية الموت من
الطاعون أو القتال، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا دفعة واحدة عقوبة على فرارهم من
قدر الله، ثم أحياهم الله تعالى بعد مدة؛ ليستوفوا آجالهم، وليتعظوا ويتوبوا؟ إن
الله لذو فضل عظيم على الناس بنعمه الكثيرة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله
عليهم"[1].
وقد ذكرت بعض كتب التفسير تفاصيل مطولة في قصتهم، ومما جاء فيها: أن جماعة
من بني إسرائيل كان إذا وقع فيهم الوباء خرج الأغنياء من أرضهم، وبقي الفقراء، فكان
الذين يبقون يموتون، والذين يخرجون يسلمون. فتوهم الناس أن النجاة في الفرار، حتى اتفقوا
في سنة من السنين على الخروج جميعًا، فخرجوا، فماتوا جميعًا، حتى صارت أجسادهم عظامًا
متناثرة.
ثم مرّ بهم نبي من الأنبياء، فسأل الله أن يحييهم، فأحياهم الله عز وجل،
فرأى العظام تتجمع، ثم تُكسى لحمًا وعصبًا، حتى عادوا أحياء يسبحون الله ويقدسونه.
وقد اختلف العلماء في اسم النبي الذي دعا لهم؛ فقيل: إنه حزقيل، وقيل: شمعون. كما اختلفت
الروايات في مدة موتهم.
من فوائد الآية:
- في هذه القصة احتجاج على اليهود بنبوة النبي ﷺ؛ إذ أخبرهم بأمر لم
يشهده، وهم يعلمون أصل هذه القصة وصحتها.
- واحتجاج كذلك على منكري البعث من العرب الدهريين، فدلهم عليه
بإحياء الموتى في الدنيا.
- لم تأتِ هذه القصة في سياقها عبثًا، بل أعقبها الله تعالى بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:
244]، وكأن المعنى: لا تهربوا من الموت كما هرب أولئك، فإن الفرار لا يطيل الأعمار،
ولا يدفع الأقدار. فإن كان الأجل قد حضر، فالموت في طاعة الله خير سبيل، وإن لم يحن
الأجل، فالنصر والأجر بيد الله.
- وهذه الآية تؤيد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا
سَمِعتُم بالطَّاعونِ بأرضٍ فلا تَدخُلوها، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها فلا
تَخرُجوا مِنها" [متفق عليه]، فهؤلاء خرجوا فرارا من الطاعون، ولكن الفرار
لم يبعد آجالهم.
- وهذا المعنى تكرر في نصوص كثيرة، منها قول الله تعالى:
قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ
كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ
مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الأحزاب: 16]
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: 154]
فهذه عقائد الكفار غير المؤمنين بالقضاء والقدر، وقد حذرنا الله
تعالى من سلوك سبيلهم، فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي
الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: 156]
- ليس معنى هذا أن العبد لا يتخذ الأسباب الواقية من الشر والجالبة للخير،
ويتكل على القضاء والقدر؛ كما يظن بعض الجهال، هذا من أكبر الغلط والجهل؛ فإن الله
أمرنا باتخاذ الأسباب، ونهانا عن التكاسل والإهمال، ولكن إذا اتخذنا السبب، وحصل لنا
عكس المطلوب؛ فعلينا أن لا نجزع؛ لأن هذا هو القضاء المقدر، ولو قدر غيره؛ لكان.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن
بالله، ولا تجزعن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا، ولكن قل:
قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" رواه مسلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق