الجمعة، 22 مايو 2026

طاووس بن كيسان .. العلم والزهد

 

طاووس بن كيسان .. العلم والزهد

طاووس بن كيسان اليماني (ت 106 هـ) من أعلام التابعين الذين جمعوا بين العلم والعبادة والزهد والهيبة، حتى صار اسمه مقرونًا بالورع والفقه وصدق التوجه إلى الله تعالى. وهو الإمام الفقيه الثقة، وحديثه مروي في دواوين الإسلام، وقد اتفق أهل العلم على الاحتجاج به، وكان من كبار أصحاب عبد الله بن عباس، حتى قال فيه ابن عباس: «إني لأظن طاووسًا من أهل الجنة»، وهي شهادة عظيمة من حبر الأمة وترجمان القرآن.

وكان طاووس من أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، ثم شرّفه الله بالإسلام والعلم، فصار من كبار علماء الأمة، لا يُعرف بنسبٍ ولا جاه، وإنما يُعرف بالعلم والخشية والتقوى، وفي هذا دلالة على أن ميزان التفاضل الحقيقي هو الإيمان والعمل، لا الأصل ولا الحسب.

ومن أجمل ما يُروى عنه ما يدل على تعظيمه لأوقات الطاعة، وخصوصًا وقت السَّحَر؛ ذلك الوقت الذي يغفل عنه كثير من الناس، بينما يراه الصالحون ميدانًا للعبادة والخلوة بالله. فقد كان الناس في طريق الحج، فلما جاء السحر نزلوا وناموا، أما طاووس فقام يصلي، فقيل له: ألا تنام؟ فقال متعجبًا: «وهل ينام أحد السَّحَر؟!». وروي أنه جاء مرة يطلب رجلًا في ذلك الوقت، فقيل له: إنه نائم، فقال مستغربًا: «ما كنت أُرى أن أحدًا ينام في السَّحَر!». وهذه الكلمات تكشف كيف كانت قلوبهم متعلقة بالله، وكيف كانوا يرون ساعات الليل الأخيرة فرصة لا تُعوَّض.

ولم يكن ورعه مقتصرًا على العبادة، بل كان حاضرًا حتى في ألفاظ الناس وعاداتهم. فقد كان يسير مع رجل، فسمع غرابًا ينعق، فقال الرجل: «خير!»، على طريقة أهل الطيرة والتشاؤم والتفاؤل بالأصوات، فأنكر عليه طاووس وقال: «أي خير عند هذا أو شر؟! لا تصحبني». لأنه كان يربي النفوس على التعلق بالله وحده، وترك الأوهام والخرافات.

وكان من أعظم ما تميز به: الزهد الحقيقي في الدنيا وأهلها، حتى مع أصحاب السلطان. فقد جاء ابن الخليفة سليمان بن عبد الملك فجلس بجوار طاووس، فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه! فقال: «أردت أن يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه». لم يكن ذلك تكبرًا، وإنما تربية للنفوس على أن العزة ليست بالقرب من السلطان، وإنما بالقرب من الله.

وكان الناس يرون فيه عدل العالم وإنصافه؛ حتى قال إبراهيم بن ميسرة ــ وهو يحلف مستقبل الكعبة ــ: «ورب هذه البنية ما رأيت أحدًا الشريف والوضيع عنده بمنزلة إلا طاووسًا». وهذه منقبة عظيمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يتغير مع أصحاب الجاه أو المال، أما العالم الرباني فميزانه التقوى لا المناصب.

ومن دلائل إخلاصه وفقهه أنه كان بعيدًا عن التشدد المتكلف والتساهل المنفلت، بل يسير مع الدليل والحق؛ فكان إذا شدد الناس في شيء رخص فيه، وإذا تساهلوا في أمر شدد عليهم، وكأنه يزن الأمور بميزان الشرع لا بميزان أهواء الناس واتجاهاتهم.

وكان مع علمه الغزير شديد التواضع، حتى قال حنظلة بن أبي سفيان: «ما رأيت عالمًا قط يقول: لا أدري، أكثر من طاووس». وهذه الكلمة وحدها مدرسة في العلم؛ لأن بعض الناس يأنف من قول: لا أعلم، بينما كان السلف يعدّونها نصف العلم.

وقد ظهرت آثار العبادة على وجهه وجوارحه؛ فقد قال عبد الرحمن المليكي: «رأيت طاووسًا وبين عينيه أثر السجود». وروى ابن أبي رواد أنه رأى طاووسًا وأصحابه إذا صلوا العصر استقبلوا القبلة، ولم يكلموا أحدًا، وابتهلوا بالدعاء. وكأن ما بين العصر والمغرب عندهم موسم من مواسم القرب والافتقار إلى الله.

ومن دعائه العجيب الذي يكشف فقهه وبصيرته بالدنيا قوله: «اللهم احرمني كثرة المال والولد، وارزقني الإيمان والعمل». فهو لا يسأل المظاهر التي يفتتن بها الناس، وإنما يسأل ما يبقى وينفع عند الله.

لقد كان طاووس اليماني نموذجًا للعالم الرباني الذي جمع بين الفقه والعبادة، وبين العلم والزهد، وبين قوة الشخصية والتواضع. وإذا تأمل الإنسان سيرته أدرك أن أثر العلماء لا يكون بكثرة الكلام ولا بحضور المجالس فقط، بل بصدق الصلة بالله، وتعظيم الآخرة، والتربية العملية للناس بالأخلاق قبل الأقوال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق