الجمعة، 31 يوليو 2026

كونوا متفائلين ..

 

كونوا متفائلين ..

في حياة الإنسان مواقف تكثر فيها المخاوف، وتتزاحم فيها الهموم، ويصبح القلق رفيقًا لكثير من الناس. وفي مثل هذه الأحوال يرشد الإسلام إلى دواء عظيم يجمع بين قوة الإيمان وسلامة النفس، وهو الفأل وحسن الظن بالله، فليس التفاؤل في الإسلام أمنياتٍ مجردة، ولا هروبًا من الواقع، وإنما هو ثقة بالله تعالى، ورجاءٌ في فضله، مع بذل الأسباب والسعي في إصلاح الحال.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، ويغرسه في نفوس أصحابه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ»، فالكلمة الطيبة تبعث الأمل، وتشرح الصدر، وتقوي العزيمة، ولذلك كانت محبوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبيَّن ابن الأثير معنى الفأل فقال: «التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض فيتفاءل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طلب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته»، فالفأل مبناه على استبشار القلب بالخير، وربط الأمور بحسن الرجاء في الله تعالى.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير، كما روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يعجبه الاسم الحسن والكلمة الطيبة. وبيَّن ابن عباس الفرق بين الفأل والطيرة فقال: «الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء»، فالمتفائل يرجو الخير من ربه، أما المتطير فيستسلم للأوهام، ويعلق قلبه بما لا حقيقة له.

فالفأل مما أمر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتشاؤم ممن يأمر به الشيطان، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268]

ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب الأسماء الحسنة، ويغيّر ما كان قبيحًا منها؛ فقد قدم عليه رجل اسمه حَزْن، فقال له: «بل أنت سهل»، إلا أنه أبى تغيير اسمه، فكان حفيده سعيد بن المسيب يقول: «فما زالت فينا الحزونة بعد»، وكذلك لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «سَهُلَ لكم من أمركم»، فتفاءل باسمه، مع أن الموقف كان من أصعب المواقف.

والفأل في حقيقته ثمرة من ثمار حسن الظن بالله تعالى، والمؤمن مأمور بأن يحسن الظن بربه في جميع أحواله. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل». وقد قال العلماء: حسن الظن بالله أن يوقن العبد برحمة الله، ويرجو عفوه، ويثق بكرمه، دون أن يترك العمل والطاعة.

ومن يتأمل قصص الأنبياء والصالحين يجد أن التفاؤل كان شعارهم في أحلك الظروف. فهذا موسى عليه السلام، وقد أحاط به البحر من أمامه، وفرعون وجنوده من خلفه، حتى قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فأجابهم بثقة المؤمن: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

وكذلك هاجر أم إسماعيل عليها السلام، لما تركها إبراهيم عليه السلام في وادٍ لا زرع فيه ولا ماء، لم تستسلم للخوف، وإنما سألت: آلله أمرك بهذا؟ فلما قال: نعم، قالت كلمتها الخالدة: «إذًا لا يضيعنا»، إنها كلمات قليلة، لكنها تحمل من حسن الظن بالله ما يملأ القلوب يقينًا وطمأنينة.

ومن أروع صور التفاؤل كذلك موقف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها عندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غار حراء مضطربًا، فقال: «زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي»، فقالت مطمئنةً له: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»، لقد بثَّت في قلبه الطمأنينة، وربطت بين صلاح العمل وحسن الظن بفضل الله.

وللفأل وحسن الظن بالله آثار عظيمة على حياة المسلم؛ فهو يبعث في القلب السكينة، ويخفف من القلق والهم، ويمنح صاحبه قوة على مواجهة الأزمات، لأن المؤمن يعلم أن تدبير الله خير من تدبيره، وأن الفرج قريب مهما اشتدت الكروب، كما أن التفاؤل يدفع إلى العمل والاجتهاد، بخلاف اليأس الذي يورث الكسل والاستسلام، ولذلك كان الفأل سببًا في تقوية العزائم، وإحياء الأمل، والاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وليس التفاؤل تجاهلًا للواقع أو إنكارًا للمصاعب، وإنما هو نظر إلى المستقبل بعين الرجاء، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، والثقة بأن الله لا يضيع عباده المؤمنين. فالقلق ينشأ غالبًا من توقع أسوأ الاحتمالات، أما حسن الظن بالله فيملأ القلب يقينًا بأن الله أرحم بعبده من نفسه، وأن تدبيره كله خير، وإن خفيت الحكمة في بعض الأقدار.

وخلاصة الأمر .. أن الفأل وحسن الظن بالله من أعظم أسباب سعادة القلب وثباته؛ فبهما يزول كثير من الهم، وتقوى الإرادة، ويطمئن العبد إلى وعد ربه، فيعيش بين الأخذ بالأسباب، والاعتماد على الله، والرجاء فيما عنده، ومن كان كذلك، عاش مطمئن النفس، ثابت القلب، راجيًا فضل ربه في السراء والضراء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق