الأربعاء، 15 يوليو 2026

مسلمو الفلبين .. من السلطنات الإسلامية إلى الحكم الذاتي

 

مسلمو الفلبين .. من السلطنات الإسلامية إلى الحكم الذاتي


تُعد قضية مسلمي الفلبين، أو المورو، من أقدم القضايا الإسلامية في جنوب شرق آسيا، إذ تمتد جذورها إلى قرون قبل قيام الدولة الفلبينية الحديثة، وتداخلت فيها عوامل الدين والهوية والأرض والسياسة، حتى أصبحت واحدة من أطول النزاعات في المنطقة.

الإسلام قبل قيام دولة الفلبين:

بدأ الإسلام يصل إلى جنوب الفلبين ابتداءً من القرن الرابع عشر، وربما قبل ذلك بقليل، عبر التجار والدعاة المسلمين القادمين من العالم الإسلامي وأرخبيل الملايو، ومع مرور الوقت نشأت سلطنات إسلامية قوية، أبرزها سلطنة "سولو" وسلطنة "ماغوينداناو"، وبسطت نفوذها على أجزاء واسعة من جنوب البلاد قبل وصول القوى الاستعمارية الأوروبية.

الاستعمار الإسباني:

عندما احتلت إسبانيا الفلبين عام 1565م، نجحت في بسط نفوذها على معظم الجزر الشمالية والوسطى ونشر الكاثوليكية فيها، لكنها واجهت مقاومة شديدة من المسلمين في الجنوب، واستمرت المواجهات، التي عُرفت بــ "حروب المورو"، أكثر من ثلاثة قرون، دون أن تتمكن إسبانيا من إخضاع المسلمين إخضاعًا كاملًا أو القضاء على سلطناتهم.

الحكم الأمريكي وتغيير التركيبة السكانية:

بعد هزيمة إسبانيا من الولايات المتحدة الأمريكية وتنازلها عن الفلبين في 10 ديسمبر 1898م، انتقلت الفلبين إلى الحكم الأمريكي، الذي قضى عمليًا على استقلال السلطنات الإسلامية وأخضع الجنوب لسلطة الحكومة المركزية، كما بدأت السلطات تشجع هجرة المسيحيين إلى جزيرة "مينداناو"، الأمر الذي غيّر التركيبة السكانية تدريجيًا، فأصبح المسلمون أقلية في مناطق كانوا يشكلون فيها الأغلبية، وخسر كثير منهم أراضيهم ونفوذهم التقليدي.

ما بعد الاستقلال:

نالت الفلبين استقلالها الرسمي من الولايات المتحدة الأمريكية في 4 يوليو 1946م، لكن الحكومات المتعاقبة واصلت سياسة توطين المسيحيين في الجنوب، مع ضعف التنمية في المناطق الإسلامية وتراجع تمثيل المسلمين في مؤسسات الدولة، مما أدى إلى تصاعد الشعور بالتهميش والاحتقان.

بداية الصراع المسلح:

شكّلت مجزرة "جابيداه" عام 1968م نقطة تحول في تاريخ القضية، بعدما قُتل عدد من المجندين المسلمين على يد الجيش الفلبيني، وهو ما أثار غضبًا واسعًا بين المورو، ومهّد لظهور الحركات المطالبة بحقوق المسلمين، وعلى رأسها "جبهة مورو الوطنية للتحرير" بقيادة نور ميسواري.

مجازر عام 1971:

شهد عام 1971م تصاعدًا كبيرًا في أعمال العنف بين المسلمين والميليشيات المسيحية المسلحة، ولا سيما ميليشيا إيلاغا (Ilaga)، وبلغت الأحداث ذروتها في مجزرة مانيلي يوم 19 يونيو 1971م، حين اقتحم مسلحون مسجدًا أثناء اجتماع للصلح، فقتلوا نحو سبعين مسلمًا، بينهم نساء وأطفال.

وقد أثارت المجزرة موجة استنكار واسعة في العالم الإسلامي، وأسهمت في لفت أنظار الدول الإسلامية إلى معاناة المسلمين في الفلبين، ومهّدت لاحقًا لانخراط منظمة المؤتمر الإسلامي في جهود الوساطة بين الحكومة الفلبينية وحركات المورو.

وفي عام 1974م وقعت مجزرة ماليسبونغ (باليمنغ)، التي تُعد من أكبر المجازر في تاريخ مسلمي الفلبين، إذ قُتل خلالها مئات المدنيين المسلمين خلال العمليات العسكرية في عهد الرئيس "فرديناند ماركوس"، وبقيت إحدى أكثر المحطات إيلامًا في ذاكرة المورو.

الحرب الطويلة:

في عام 1972م أعلن الرئيس "فرديناند ماركوس" الأحكام العرفية، فتحولت المواجهات إلى حرب واسعة بين الجيش الفلبيني وجبهة مورو الوطنية للتحرير، ثم انشقت عنها لاحقًا جبهة مورو الإسلامية للتحرير، التي أصبحت الطرف الرئيس في مفاوضات السلام مع الحكومة، واستمر النزاع عقودًا، وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح مئات الآلاف، كما ظهرت خلاله جماعات أخرى مثل: "أبو سياف".

اتفاقيات السلام:

ابتداءً من التسعينيات، بدأت محاولات جادة لإنهاء الصراع، فتُوجت باتفاق سلام مع جبهة مورو الوطنية عام 1996م، ثم باتفاق السلام الشامل مع جبهة مورو الإسلامية للتحرير عام 2014م، والذي مهّد لإنشاء منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم عام 2019م، مانحًا المسلمين صلاحيات أوسع في إدارة شؤونهم.

الوضع الحالي:

اليوم يتمتع جزء كبير من مناطق المسلمين في جنوب الفلبين بحكم ذاتي من خلال منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم، التي تضم حكومة وبرلمانًا محليين يتمتعان بصلاحيات واسعة، وقد انخفضت حدة الصراع مقارنة بالعقود الماضية، إلا أن المنطقة لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتنمية الاقتصادية، وتنفيذ اتفاقيات السلام، وتسوية قضايا الأراضي.

* * *

تكشف قضية مسلمي الفلبين أن النزاع لم يكن وليد أحداث عام 1971م، بل هو نتاج قرون من الصراع على الهوية والأرض والسلطة، وقد شكّلت مجازر السبعينيات، وفي مقدمتها مجزرة مانيلي، منعطفًا مهمًا في تدويل القضية، قبل أن تنتقل، بعد عقود من النزاع، إلى مرحلة جديدة تقوم على الحكم الذاتي والسعي إلى سلام دائم، مع بقاء تحديات أمنية وتنموية وسياسية لم تُحسم بصورة كاملة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق