السبت، 19 سبتمبر 2026

المزاح في الإسلام.. أدب وضوابط

 

المزاح في الإسلام.. أدب وضوابط 


الإسلام دين يراعي طبيعة النفس البشرية وحاجتها إلى الترويح والانبساط، فلم يجعل حياة المسلم عبوسًا دائمًا، ولا جِدًّا لا ينقطع، بل أباح من المزاح ما تطيب به النفوس، وتزداد به الألفة، ويُدخل السرور على القلوب، ما دام منضبطًا بحدود الشرع ومكارم الأخلاق.

وكان رسول الله ﷺ، مع عظيم هيبته وكثرة أعبائه، يمازح أصحابه ويداعبهم، ويلاطف الكبير والصغير، ولكنه لم يكن يقول في مزاحه إلا صدقًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا؟ قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» رواه الترمذي (1990)، وقال: حديث حسن صحيح.

فالمزاح المباح ليس من خوارم المروءة في ذاته، ولا ينافي الوقار، بل قد يكون من حسن العشرة ولين الجانب وإدخال السرور على الآخرين، وإنما يُذم إذا خرج عن حد الاعتدال أو اشتمل على محظور.

من مزاح النبي ﷺ

تعددت صور مزاح النبي ﷺ، وكلها تدل على لطفه وحسن عشرته، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ»، قال أبو أسامة: يعني يمازحه. رواه أبو داود (5002)، والترمذي (1992)، وهي كلمة حق؛ إذ كل إنسان له أذنان، لكن النبي ﷺ أوردها في قالب لطيف على سبيل المداعبة.

وكان ﷺ يمازح الصغار كذلك، ويأنس بهم ويراعي مشاعرهم، فعن أنس رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ»، وكان له طائر صغير يلعب به فمات، فكان النبي ﷺ يقول له مداعبًا ومواسيًا: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟». رواه البخاري (6129)، ومسلم (2150).

وفي هذا من حسن خلقه ﷺ ما يجمع بين التواضع وملاطفة الصغير ومواساته فيما يحزن عليه، ولو كان في نظر الكبار أمرًا يسيرًا.

ومن لطيف مزاحه ﷺ ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، احملني، فقال ﷺ: «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»، فقال الرجل: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ؟». رواه أبو داود (4998)، والترمذي (1991)، فظن الرجل أن المراد بولد الناقة صغيرها الذي لا يصلح للركوب، وأراد النبي ﷺ أن كل بعير - وإن كان كبيرًا - فهو في الحقيقة ولد ناقة؛ فكان مزاحًا لا كذب فيه.

ومن ذلك أيضًا حديث زاهر بن حرام رضي الله عنه، وكان رجلًا من أهل البادية، وكان النبي ﷺ يحبه، فأتاه يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه النبي ﷺ من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرسلني! فالتفت فعرف النبي ﷺ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟»، فقال زاهر: يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال ﷺ: «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»، أو قال: «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ». رواه أحمد في المسند.

فبدأ الموقف بمزاح لطيف، ثم ختمه النبي ﷺ بكلمة تطيب بها نفس زاهر، وتبين أن قيمة الإنسان ليست في صورته ولا في نظرة الناس إليه، وإنما فيما له عند الله تعالى.

وعن الحسن البصري أن عجوزًا أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ»، فولَّت تبكي، فقال: «أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ»، ثم تلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ۝ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ۝ عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 35-37]، رواه الترمذي في الشمائل المحمدية، وهو من رواية الحسن البصري مرسلًا، وقد رُوي من طرق أخرى وشواهد.

مزاح الصحابة رضي الله عنهم

ولم يكن المزاح المباح خاصًّا بالنبي ﷺ، بل كان معروفًا عند أصحابه رضي الله عنهم.

فقد قال بكر بن عبد الله المزني: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَبَادَحُونَ بِالْبِطِّيخِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحَقَائِقُ كَانُوا هُمُ الرِّجَالَ». رواه البخاري في الأدب المفرد.، ومعنى «يتبادحون»: يترامون به على سبيل المزاح.

وهذا ميزان دقيق؛ فليس الوقار أن يعيش الإنسان عابسًا لا يضحك ولا يمازح أهله وأصحابه، كما أن خفة الروح لا تعني أن تتحول حياة المرء كلها إلى هزل، وإنما الكمال أن يعرف موضع الجد فيكون من أهله، وموضع المزاح فيأخذ منه بقدره.

من مزاح السلف والعلماء

ولم يكن المزاح المباح بعيدًا عن مجالس السلف والعلماء، بل كانوا يجمعون بين الجد والوقار من جهة، والبشر وحسن المعاشرة والمزاح اللطيف من جهة أخرى.

قال عطاء بن السائب: «كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَا يَقُصُّ عَلَيْنَا إِلَّا أَبْكَانَا بِوَعْظِهِ، وَلَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِنَا حَتَّى يُضْحِكَنَا بِمَزْحِهِ»، وهذا من حسن فقه العالم بالنفوس؛ يعظها حتى ترق، ثم يروح عنها بما لا يخرج عن حدود الأدب.

وكان محمد بن سيرين رحمه الله، مع ما عُرف به من العلم والورع والهيبة، صاحب دعابة ومزاح؛ فعن يونس قال: «كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ صَاحِبَ ضَحِكٍ وَمُزَاحٍ».

وقيل لابن سيرين: من أكل سبع رطبات على الريق سبَّحت في بطنه! فقال ابن سيرين: «لَئِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَيَنْبَغِي لِلَّوْزِينَجِ إِذَا أُكِلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ وَالتَّرَاوِيحَ»، واللوزينج نوع من الحلوى، وفي جوابه سخرية لطيفة من دعوى لا تثبت، ومبالغة طريفة في ردها.

ومن لطيف أجوبة العلماء ما رواه الأعمش قال: أتى الشعبيَّ رجل فقال: ما اسم امرأة إبليس؟ فقال الشعبي:«إِنَّ ذَاكَ لَعُرْسٌ مَا شَهِدْتُهُ!»، فأجابه بجواب طريف، وفيه إشارة إلى أن السؤال عما لا علم به ولا فائدة من ورائه لا ينبغي الاشتغال به.

وجاء رجل إلى أبي حنيفة رحمه الله فقال له: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر لأغتسل، فإلى القبلة أفضل أن أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له أبو حنيفة: «الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُكَ إِلَى ثِيَابِكَ الَّتِي تَنْزِعُهَا؛ لِئَلَّا تُسْرَقَ»، وهذه الأخبار تكشف جانبًا لطيفًا من حياة العلماء؛ فلم يكن العلم عندهم مرادفًا للعبوس، ولا الوقار مانعًا من طلاقة الوجه وحسن الدعابة، بل كانوا يعرفون للنفس حقها من الترويح، مع حفظ هيبة العلم وصيانة المجالس عن الإسفاف.

بل إن بعض هذه الأجوبة يحمل معنى زائدًا على مجرد الإضحاك؛ فقد يكون المزاح وسيلة لتصحيح تصور، أو رد دعوى لا أصل لها، أو تنبيه السائل إلى انشغاله بما لا ينفع، فيأتي الجواب خفيفًا في لفظه، عميقًا في دلالته.

ضوابط المزاح

وإذا كان المزاح مباحًا في أصله، وعُرف عن النبي ﷺ وأصحابه والسلف من بعدهم، فإنه ليس بابًا مفتوحًا بلا حدود، بل له ضوابط تحفظ الدين والأخلاق وحقوق الآخرين.

1- ألا يكون فيه استهزاء بالدين: وهذا من أخطر أبواب المزاح؛ فلا يجوز أن تكون شعائر الدين أو آيات الله أو رسوله ﷺ محلًّا للسخرية والاستهزاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66].

فالقول: «كنا نمزح» لا يجعل الاستهزاء بالدين مباحًا.

2- أن يكون المزاح صدقًا: وهذا من أوضح هدي النبي ﷺ؛ فقد كان يمازح ولا يقول إلا حقًّا، أما اختلاق القصص والأخبار الكاذبة من أجل إضحاك الناس فقد جاء فيه الوعيد.

قال رسول الله ﷺ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ». رواه أبو داود (4990)، والترمذي (2315)، وقال: حديث حسن، فالضحك لا يسوّغ الكذب، والمزاح لا يرفع عن المسلم وجوب الصدق.

3- ألا يكون فيه ترويع للمسلم: فبعض الناس يرى تخويف صاحبه أو مفاجأته أو إخفاء متاعه أمرًا مضحكًا، وقد يبلغ الأمر بالمفزوع مبلغًا لا تحمد عاقبته، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا». رواه أبو داود (5004)، وقال ﷺ: «لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا». رواه أبو داود (5003)، والترمذي بمعناه.

وهذا يشمل صورًا كثيرة مما يسمى اليوم بـ«المقالب» إذا اشتملت على تخويف أو إيذاء أو أخذ للمتاع وإخفائه.

4- ألا يكون فيه سخرية أو انتقاص للآخرين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11]، فليس كل ما يُضحك مباحًا؛ إذ قد يضحك المجلس كله، بينما يعود شخص واحد وقد جُرح قلبه أو انتُقص قدره.

ومن هنا ينبغي اجتناب المزاح بالهيئة أو اللون أو النسب أو اللهجة أو العيوب الخَلقية، وكل ما يكرهه الإنسان من نفسه.

5- ألا يكثر منه حتى يصبح ديدنه: فالشيء المباح قد يُذم إذا جاوز حدَّه، ومن جعل المزاح غالب حديثه، والضحك مقصود مجلسه، ربما ذهبت هيبته، وضاعت أوقاته، وأصبح عاجزًا عن التمييز بين مقام الجد ومقام الهزل، والمزاح في حياة المسلم كالملح في الطعام: يحسن بقدره، ويفسد إذا كثر.

6- مراعاة أقدار الناس وطبائعهم: فالناس ليسوا سواء في تقبل المزاح؛ فما يضحك منه أحد قد يغضب منه آخر، وما يصلح بين الأصدقاء المقربين قد لا يصلح مع الكبير أو العالم أو صاحب المنزلة، ولا مع من لا يعرف الإنسان طبعه.

والعاقل لا يمزح مع السفيه بما يفتح عليه بابًا، ولا مع الأحمق بما يُساء فهمه، ولا مع من لا يعرفه بما قد يوقع في النفوس حرجًا أو سوء ظن.

7- اختيار الوقت والمقام المناسبين: فلكل مقام مقال؛ فليس وقت المصائب كوقت الأفراح، ولا مجلس العلم كجلسة الأصحاب، ولا ساعة الجد والعمل كساعة الترويح.

وقد قيل لسفيان بن عيينة رحمه الله: المزاح سُبَّة، فقال: «بل هو سنة، ولكن لمن يحسنه ويضعه في موضعه».

فالمشكلة ليست في المزاح نفسه، وإنما فيمن لا يعرف متى يمزح، ولا مع من يمزح، ولا المقدار الذي يقف عنده.

بين الجد والمزاح

وهكذا يظهر أن الإسلام لم يحارب الفرح، ولم يمنع الدعابة، وإنما هذّبها وربطها بالأخلاق؛ فالمزاح الحسن هو الذي يُدخل السرور ولا يورث حزنًا، ويقرب القلوب ولا يوقع العداوة، ويكون صدقًا لا كذبًا، ولطفًا لا سخرية، وترويحًا لا ترويعًا.

وقد جمع النبي ﷺ بين كمال الوقار وحسن الدعابة؛ فكان يمازح الكبير والصغير، ويلاطف أصحابه، ويبسط لهم وجهه، ومع ذلك لم يخرج مزاحه عن الحق والصدق وحفظ الكرامة، وعلى هذا سار أصحابه ومن بعدهم من السلف والعلماء؛ فكان في مجالسهم العلم والوعظ، وكان فيها أيضًا البشر والابتسامة والمزاح بقدره.

فليس المطلوب أن يهجر الإنسان المزاح، ولا أن يجعل حياته كلها مزاحًا؛ وإنما أن يحسن استعماله، وأن يعرف متى يمزح، ومع من يمزح، وبماذا يمزح.

وحينئذ يكون المزاح سببًا للمودة وإدخال السرور، لا بابًا للخصومة والندم.

 

 

السبت، 12 سبتمبر 2026

حدُّ القَذْف في الشريعة الإسلامية

 

حدُّ القَذْف في الشريعة الإسلامية

جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الضرورات التي تقوم عليها حياة الناس وتستقيم بها مجتمعاتهم، ومن أعظمها حفظ العرض وصيانة السمعة والكرامة؛ ولذلك حرَّمت الاعتداء على أعراض المسلمين، وشدَّدت في جريمة القذف، لما يترتب عليها من هتك للأعراض، وإشاعة للفاحشة، وإفساد للعلاقات، وربما تفكيك للأسر والمجتمعات.

ولم تكتفِ الشريعة بتحريم القذف، بل رتبت عليه عقوبةً دنيويةً زاجرة، مع ما توعَّد الله به مرتكبه من العقوبة في الآخرة.

ما القذف؟

القذف في اللغة هو الرمي، فيقال: قذف بالحجارة، أي رمى بها، ثم استُعمل في الرمي بالمكاره؛ كالزنى واللواط ونحوهما، لما في كلٍّ منهما من الإيذاء.

أما في الاصطلاح الشرعي، فالقذف هو: الرمي بالزنى أو اللواط، أو الشهادة بأحدهما مع عدم اكتمال البينة، أو نفي النسب على وجه يوجب الحد.

* * *

والقذف في أصله محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من كبائر الذنوب؛ لما فيه من انتهاك أعراض الناس والطعن في عفتهم.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، وذكر منها: «وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» رواه البخاري (2766)، ومسلم (89).

وقد أجمع المسلمون على تحريم القذف، وعدُّوه من كبائر الذنوب.

ومع كون الأصل في القذف التحريم، فإن له أحوالًا استثنائية تتعلق بالحياة الزوجية؛ فمن رأى زوجته تزني ثم ولدت ولدًا يغلب على ظنه أنه من الزاني، وجب عليه نفيه بالطريق الشرعي؛ حتى لا يُلحق بنسبه من ليس منه. وإذا رآها تزني ولم يترتب على ذلك حمل، جاز له أن يقذفها، ويكون الفصل في ذلك عن طريق اللعان الذي جاءت به الشريعة.

عقوبة القذف:

لما كان القذف اعتداءً خطيرًا على عرض الإنسان وسمعته، جعلت الشريعة له عقوبةً رادعة؛ فمن قذف محصنًا بالزنى ولم يأتِ بأربعة شهداء، استحق حد القذف.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4].

وقد دلت الآية على أن العقوبة لا تقتصر على الجلد، بل يترتب على القذف - عند تحقق شروطه - ثلاثة أحكام: أن يُجلد القاذف ثمانين جلدة، وأن تُرد شهادته، وأن يُحكم بفسقه.

وهذا يدل على عظم الجناية؛ فالقاذف لم يعتدِ على بدن الإنسان أو ماله، وإنما اعتدى على موضع ربما كان عند صاحبه أعزَّ من المال، وهو العرض والسمعة.

ثم فتح الله باب التوبة فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 5].

فإذا تاب القاذف توبةً صحيحة، وندم على ما صدر منه، وأصلح ما أفسده، قُبلت توبته، وتُقبل شهادته عند من يرى ذلك من أهل العلم.

لماذا شدَّدت الشريعة في القذف؟

المتأمل في أحكام القذف يدرك أن المقصود ليس مجرد معاقبة القاذف، وإنما حماية المجتمع بأكمله؛ فالأعراض إذا أصبحت مجالًا للكلام بلا بينة، سهل على كل إنسان أن يتهم خصمه، وأن يشوِّه سمعة من يخالفه، وأن يطعن في الأسر والأنساب دون برهان.

ومن هنا جاءت الشريعة بقاعدة شديدة الوضوح: من ادعى الفاحشة فعليه البينة الشرعية، وإلا عاد عليه أثر اتهامه.

وبذلك تُصان أعراض الناس، وتُقطع ألسنة السوء، ويُغلق باب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، ويعيش الإنسان آمنًا على سمعته وعرضه كما يعيش آمنًا على دمه وماله.

متى يجب حد القذف؟

ليس كل لفظ أو اتهام يترتب عليه حد القذف، بل لا بد من توافر شروط في القاذف وشروط في المقذوف.

فيُشترط في القاذف أن يكون:

بالغًا عاقلًا مختارًا، عالمًا بتحريم ما أقدم عليه، فلا يقام الحد على الصغير، ولا المجنون، ولا المكره.

ومن الشروط التي ذكرها الفقهاء كذلك ألا يكون القاذف أصلًا للمقذوف؛ كالأب والأم والجد والجدة.

أما المقذوف: فلا بد أن تتحقق فيه صفة الإحصان المقصودة في باب القذف؛ فيكون مسلمًا، عاقلًا، حرًّا، عفيفًا عن الزنى في الظاهر، بالغًا أو ممن يمكن منه الوطء.

وهذه الصفات مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4].

ومن المسائل المتعلقة بذلك أن قذف المملوك لا يوجب حد القذف في الدنيا عند الفقهاء، وإن كان القذف محرَّمًا ويستحق صاحبه التعزير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» رواه مسلم (1660).

قال الإمام النووي رحمه الله: «فيه إشارة إلى أنه لا حدَّ على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن».

شروط إقامة الحد:

وحتى بعد تحقق جريمة القذف وشروطها، فإن إقامة الحد لا تكون بصورة تلقائية، بل ذكر الفقهاء شروطًا لا بد من تحققها.

فمن ذلك: مطالبة المقذوف بحقه واستمرار مطالبته حتى إقامة الحد؛ لأن حد القذف متعلق بحق المقذوف، ولذلك يسقط بعفوه عند من يرى ذلك من أهل العلم، وإن كان للقاضي أن يعزر القاذف بما يمنعه من العودة إلى الاعتداء على أعراض الناس.

ومنها ألا يأتي القاذف بأربعة شهداء يثبت بهم ما ادعاه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] فإن جاء بالبينة الشرعية، لم يكن قاذفًا مستحقًّا للحد.

وكذلك إذا أقر المقذوف بصحة ما نُسب إليه وصدَّق القاذف، لم يقم حد القذف على القاذف؛ لأن الإقرار حجة على صاحبه.

أما إذا كان القذف بين الزوجين، فقد جعلت الشريعة له حكمًا خاصًّا هو اللعان، فإذا لاعن الزوج زوجته وفق الصفة الشرعية سقط عنه حد القذف.

صيانة الأعراض في عصر وسائل التواصل:

وإذا كان القذف خطيرًا في المجالس والأحاديث الخاصة، فإن خطره اليوم أشد؛ لأن الكلمة التي كان يسمعها عدد قليل من الناس أصبحت في وسائل التواصل الاجتماعي تصل إلى الآلاف وربما الملايين في دقائق معدودة.

وقد يتساهل بعض الناس في إعادة نشر اتهام يتعلق بعرض مسلم، أو تداول مقطع أو صورة، أو كتابة تعليق يتضمن اتهامًا بالفاحشة، من غير بينة ولا تثبت، متناسين أن إعادة نشر الباطل مشاركة في نشره، وأن أعراض الناس ليست مادةً للتسلية أو تصفية الحسابات.

ولهذا جاء القرآن محذرًا من مجرد محبة انتشار الفاحشة بين المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].

فكيف بمن يتولى نشر الاتهامات بنفسه، ويجعل أعراض الناس حديث المجالس والمنصات؟!

* * *

إن من كمال الشريعة أنها لم تحفظ للإنسان دمه وماله فحسب، بل حفظت له كرامته وعرضه وسمعته، وجعلت الأصل في المسلم السلامة، ولم تسمح أن تتحول الأعراض إلى ميدان للشائعات والظنون والخصومات.

والمؤمن يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن ما يكتبه أو ينشره أو يعيد إرساله محسوب عليه، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

فحفظ اللسان عن أعراض المسلمين عبادة، والسكوت عن الشائعات سلامة، والذب عن أعراض الناس من مكارم الأخلاق، وما أحوجنا في زمن سرعة انتشار الأخبار إلى استحضار هذا السياج العظيم الذي أقامته الشريعة حول أعراض الناس وكرامتهم.

الجمعة، 11 سبتمبر 2026

الإيثار.. خُلُقٌ يحرّر النفس من الشُّح

الإيثار.. خُلُقٌ يحرّر النفس من الشُّح

 

من أعظم الأخلاق التي جاء الإسلام بتربيتها في النفوس خُلُق الإيثار؛ ذلك الخُلُق الذي يرتقي بالإنسان من أسر الأنانية والاستئثار إلى رحابة البذل والمواساة، فيرى حاجة أخيه، ويقدِّمها أحيانًا على حاجة نفسه، طلبًا لما عند الله تعالى.

وقد أحسن الإمام القرطبي في بيان حقيقته فقال: «الإيثار: هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبةً في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة».

فالإيثار ليس مجرد كرمٍ بالمال، بل هو ثمرة قوة اليقين بالله، وصدق المحبة، والقدرة على مخالفة شُحِّ النفس؛ إذ الأصل في النفوس أن تطلب حظوظها وتحافظ على مصالحها، فإذا آثر المرء غيره بشيء يحتاج إليه، رجاء ثواب الله، فقد بلغ منزلة رفيعة من مكارم الأخلاق.

ولهذا أثنى الله تعالى على الأنصار بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

الأشعريون.. الإيثار خُلُق جماعة

ومن أجمل الصور النبوية التي تجسد معنى التكافل والإيثار ما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» رواه مسلم.

إنها صورة بديعة لمجتمع لا يقول فيه الإنسان عند الشدة: هذا مالي، وهذا طعامي، وهذه حاجتي؛ وإنما يجمع الجميع ما بقي في أيديهم، ثم يتقاسمونه بالسوية، ولعظمة هذا الخُلُق قال فيهم النبي ﷺ: «فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ».

ليلةٌ خلَّد القرآنُ إيثارَ أصحابها

ومن أبلغ مشاهد الإيثار ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتى النبي ﷺ محتاجًا إلى الطعام، فبعث النبي ﷺ إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَضُمُّ ـ أَوْ يُضِيفُ ـ هَذَا؟» فقام رجل من الأنصار وقال: أنا، فلما ذهب به إلى بيته، قالت زوجته: ما عندنا إلا قوت صبياني! فقال لها: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً.

فلما حضر الطعام، أطفآ السراج، وأوهما الضيف أنهما يأكلان معه، حتى يأكل ويشبع، وباتا هما طاويين.

فلما أصبح الأنصاري وغدا إلى رسول الله ﷺ قال له: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ ـ أَوْ: عَجِبَ ـ مِنْ فَعَالِكُمَا».

وأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

وهنا تتجلى حقيقة الإيثار بأوضح صورها؛ فلم يكن عندهما فائض من الطعام، بل كانت بهما وبأولادهما حاجة إليه، ومع ذلك قدَّما ضيف رسول الله ﷺ على أنفسهما.

فالإيثار الحقيقي لا يظهر عند كثرة الفائض فحسب، وإنما تظهر منزلته حين يعطي الإنسان وهو محتاج إلى ما يعطي.

تمرةٌ كانت سببًا في دخول الجنة

ولا يقتصر الإيثار على الرجال، ولا على المواقف العظيمة التي يراها الناس؛ فقد يكون في شيء يسير لا يلتفت إليه أحد، ولكنه عند الله عظيم؛ روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا».

فأعجب عائشة رضي الله عنها صنيعها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» رواه مسلم.

تأمل: نصفا تمرة!

لم يكن الذي بذلته مالًا كثيرًا، وإنما آثرت ابنتيها بلقمة كانت قد رفعتها إلى فمها، فنظر الله إلى ما في قلبها من رحمة وإيثار، فكان الجزاء عظيمًا، وهكذا تُوزن الأعمال عند الله بما يقوم في القلوب من صدق وإخلاص، لا بمجرد أحجامها في أعين الناس.

سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف

وحين هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، ظهرت ثمرة التربية النبوية في مجتمع الصحابة ظهورًا عجيبًا؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ آخى بين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وسعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه.

وكان سعد من أهل المال، وعنده امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله!

فما كان جواب عبد الرحمن رضي الله عنه؟

قال: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ»، فهذا مشهد يجمع فضيلتين عظيمتين: إيثار سعد، وعفة عبد الرحمن.

عائشة تؤثر عمر رضي الله عنهما

ولم يكن الإيثار متعلقًا بالطعام والمال وحدهما، بل قد يكون فيما هو أحب إلى النفس من ذلك.

لما طُعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي لحظات موته أرسل ابنه عبد الله إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها أن يُدفن إلى جوار رسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه.

وكانت عائشة رضي الله عنها ترغب في هذا الموضع لنفسها، فلما بلغتها رغبة عمر قالت: «كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي» رواه البخاري.

وأي شيء أعظم على النفس من أن يتنازل الإنسان عن أمر ظل يرجوه لنفسه سنوات طويلة ولا يمكن تعويضه؟! لكنها مدرسة الصحابة؛ حيث تجاوز الإيثار الطعام والمال إلى أعز الأمنيات وأحبها إلى النفس.

 

والنبي ﷺ أعظم الناس إيثارًا

وإذا كان الصحابة قد بلغوا هذه المنزلة، فإن معلمهم وقدوتهم في ذلك هو رسول الله ﷺ.

روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ بِبُردة، وقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها ولبسها.

فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه، فاكسنيها.

فقال ﷺ: «نَعَمْ».

فلما قام النبي ﷺ لامَهُ الصحابةُ، وقالوا له: رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجًا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه!

فقال الرجل إنه إنما أراد بركتها، ورجا أن تكون كفنه.

فالنبي ﷺ كان محتاجًا إلى البردة، ومع ذلك لما سأله الرجل إياها لم يردَّه.

وهذه مرتبة سامية من السخاء؛ أن لا يكون العطاء مما استغنى عنه الإنسان فحسب، بل قد يعطي مما يحتاج إليه هو نفسه.

الإيثار انتصار على شُح النفس

وحين نتأمل هذه المواقف نجد أن القرآن ربط الإيثار بقضية أعمق من مجرد العطاء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] فالمعركة الحقيقية تقع داخل النفس.

النفس تقول: احتفظ لنفسك.

والإيمان يقول: قدِّم لأخيك.

النفس تخشى النقص، واليقين بما عند الله يدعو إلى البذل.

ولهذا كان الإيثار دليلًا على قوة اليقين؛ لأن الموثِر ينظر إلى ما عند الله قبل أن ينظر إلى ما يفوته من الدنيا.

وليس المقصود أن يهمل الإنسان نفسه ومن يعول، أو يضيّع الحقوق الواجبة عليه؛ فالإيثار المحمود هو الذي يقع في موضعه، ولا يترتب عليه تضييع واجب أو وقوع في محرم، وإنما المقصود تربية النفس على التحرر من سلطان الشح والاستئثار.

كيف نربي أنفسنا على الإيثار؟

الإيثار لا يبدأ بالمواقف الكبيرة، وإنما يُربَّى عليه الإنسان في تفاصيل حياته اليومية: أن يقدِّم غيره في المجلس، ويشارك المحتاج في طعامه، أو يقدم غيره في زحام السيارات في الطريق، ويترك لأخيه ما يحبه من متاع الدنيا، ويتنازل أحيانًا عن بعض راحته ومصلحته لإدخال السرور على غيره، ويعلِّم أبناءه أن الخير ليس فيما يأخذونه فقط، وإنما فيما يعطونه أيضًا.

ومع تكرار هذه الأعمال يضعف سلطان الشح على النفس، حتى يصبح البذل خُلُقًا وسجية.

* * *

إن الإيثار ليس خُلُقًا هامشيًا في بناء الإنسان المسلم، بل هو ثمرة من ثمرات الإيمان، ودليل على سلامة الصدر، وقوة اليقين، وصدق الأخوة.

لقد آثر الأنصاري ضيفه بطعام أطفاله، وآثرت الأم ابنتيها بتمرتها، وآثر سعد أخاه بماله وأهله، وآثرت عائشة عمر بموضع دفن كانت تتمناه لنفسها، وكان رسول الله ﷺ يعطي السائل حتى مما يحتاج إليه.

وهكذا تصنع العقيدة حين تستقر في القلب إنسانًا لا يعيش أسيرًا لسؤال: ماذا آخذ؟ بل يرتقي إلى سؤال أسمى: ماذا أستطيع أن أقدِّم؟!

وصدق الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.


الجمعة، 4 سبتمبر 2026

ما ذِئبانِ جائعان

 

ما ذِئبانِ جائعان

عن كعب بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» رواه الترمذي (2376)، وأحمد (15794)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

يضرب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مثلا عظيما يصور شدة ما يفعله الحرص على المال والجاه في دين الإنسان، فتخيل قطيعا من الغنم غاب عنه راعيه، ثم أرسل فيه ذئبان جائعان ضاريان؛ فماذا سيبقى من ذلك القطيع؟! لا شك أن الفساد الذي سيحدثانه فيه عظيم، والناجي منه قليل.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن حرص الإنسان على المال والشرف ليس أقل إفسادا لدينه من إفساد هذين الذئبين للغنم.

والحقيقة أن الناظر في أحوال كثير من أهل الأموال والمناصب لا يملك إلا أن يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكم أفسد المال من دين، وكم غيرت المناصب والرياسات أصحابها، وكم تنازل الإنسان عن مبادئه من أجل ثروة أو مكانة أو جاه.

ولهذا يصور القرآن حسرة الإنسان يوم القيامة حين يكتشف أن المال والسلطان اللذين أفنى عمره في تحصيلهما لم ينفعاه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: 25-29].

ذهب المال، وزال الجاه والسلطان، وبقي الحساب.

أولا: الحرص على المال:

ليس المقصود من الحديث ذم المال في ذاته، ولا ذم طلب الرزق والكسب؛ فالمال نعمة إذا اكتسبه الإنسان من حلال، وأدى حق الله فيه، واستعان به على الخير، وإنما الخطر أن يتحول المال من وسيلة في يد الإنسان إلى غاية تستولي على قلبه.

والحرص على المال نوعان:

النوع الأول: الإفراط في طلب المال من الحلال:

وهو أن تشتد محبة الإنسان للمال، ويستغرق في طلبه وجمعه، ولو كان ذلك من طرق مباحة؛ فقد يضيع الحريص عمره في الجمع، ويستهلك صحته ووقته، ويخاطر بنفسه في الأسفار والمشقات، ويقصر في حقوق ربه وأهله ونفسه؛ ليجمع مالا قد ينتفع به غيره، بينما يبقى عليه حسابه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرةُ همَّه، جعل اللهُ غناه في قلبِه، وجمع له شملَه وأتتْه الدُّنيا وهي راغمةٌ، ومن كانت الدنيا همَّه جعل اللهُ فقرَه بين عينَيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له»، أخرجه الترمذي (2465) وصححه الألباني.

فالمشكلة هنا ليست في حل المال أو حرمته، وإنما في استيلاء طلبه على القلب والعمر.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ». رواه البخاري (6441)، ومسلم.

وهذه صورة دقيقة للحريص؛ فهو كالذي يأكل ولا يشبع، كلما حصل على شيء أراد المزيد، فلا يصل إلى حالة يشعر فيها بالكفاية.

النوع الثاني: أن يقود الحرص صاحبه إلى الحرام:

وهذا أشد خطرا؛ إذ لا يكتفي الإنسان بالإفراط في جمع المال، وإنما يحمله حرصه عليه على طلبه من الوجوه المحرمة، أو أكل حقوق الناس، أو منع الحقوق الواجبة، وهنا يتحول الحرص إلى شح مذموم، قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ؛ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا». رواه أبو داود (1698)، وأحمد (6487)، وصححه الألباني.

وقد قال طائفة من العلماء: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ الأشياء من غير حلها، ويمنع الحقوق الواجبة فيها.

فالمال يبدأ رغبة، ثم قد يصبح حرصا، ثم يتحول إلى شح، فإذا استولى الشح على القلب أصبح الإنسان مستعدا لأن يظلم ويقطع ويفجر من أجل المحافظة على ما في يده أو تحصيل ما ليس عنده.

 

ثانيا: الحرص على الشرف والجاه:

إذا كان الحرص على المال خطرا على الدين، فإن الحرص على الجاه والرياسة قد يكون أشد خطرا منه؛ لأن الإنسان قد يبذل ماله كله من أجل منصب أو مكانة أو شهرة.

والمقصود بالشرف هنا: العلو والجاه والرياسة والمناصب والمنزلة بين الناس.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة تعلق النفوس بالإمارة فقال: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ»، رواه البخاري (7148).

فالمنصب في أوله قد يمنح صاحبه المال والجاه والتقدير، ولذلك شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالمرضعة، ولكنه عند مفارقته وما يترتب عليه من حساب ومسؤولية قد يكون حسرة وندامة.

والحرص على الشرف والجاه نوعان كذلك:

النوع الأول: طلب العلو بالسلطان والمناصب:

وهو أن يجعل الإنسان همه أن يتقدم على غيره، ويتولى المناصب، وتكون له الكلمة والرياسة والسلطان.

وهذا باب شديد الخطر على القلب؛ ولذلك قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

وتأمل قوله تعالى: {لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا}؛ فالعبرة بما يريده القلب ويطلبه، وليس بمجرد حصول المكانة للإنسان.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا». رواه البخاري (7146)، ومسلم (1652).

فالولاية ليست تشريفا مجردا، وإنما هي تكليف وأمانة ومسؤولية، وكلما اتسعت دائرة السلطة اتسعت معها دائرة المسؤولية والحساب.

وجاء عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، إِلَّا أَتَى اللَّهَ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ». رواه أحمد (22300)، والطبراني في «المعجم الكبير»، وصححه لغيره شعيب الأرناؤوط، وحسن إسناده الألباني.

وهذا كله يدل على أن الولاية في ميزان الشرع أمانة ثقيلة، لا مجرد باب إلى الوجاهة والرفعة.

النوع الثاني: طلب الجاه بالدين:

وهذا أخطر أنواع الحرص على الشرف وأقبحها؛ أن يستخدم الإنسان العلم أو العبادة أو الزهد أو الدعوة طريقا للحصول على منزلة في قلوب الناس.

فالعلم والعمل والزهد إنما يطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم والقرب منه سبحانه، فإذا تحولت إلى أدوات لطلب الشهرة والجاه، صار ما يفترض أن يكون سببا لنجاة الإنسان سببا لهلاكه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، يعني: ريحها.

رواه أبو داود (3664)، وابن ماجه (252)، وأحمد (8457)، وصححه الألباني.

وجاء عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ».

رواه الترمذي (2654)، وحسن الحديث الألباني.

وهنا تظهر دقة الخطر؛ فقد يستطيع الإنسان أن يزهد في المال، ولكنه لا يزهد في ثناء الناس عليه بأنه زاهد، وقد لا يطلب منصبا، لكنه يحب أن يعرف بين الناس بأنه صاحب علم وفضل، وقد يعمل العمل الصالح، لكن قلبه يترقب إعجاب الناس وثناءهم، وهذا من أخفى أبواب الحرص على الشرف.

* * *

ومع ذلك، ينبغي ألا يفهم الحديث على أنه دعوة إلى ترك المال، أو رفض المناصب، أو الانصراف عن طلب العلم، فالمال قد يكون نعمة عظيمة في يد الرجل الصالح، والمنصب قد يكون بابا للإصلاح وإقامة العدل، والعلم من أجل العبادات وأشرفها.

إنما المذموم أن يستعبد شيء من ذلك القلب، فالفرق كبير بين من يملك المال ومن يملكه المال، وبين من يتولى المنصب ليؤدي أمانته ومن يعيش من أجل المنصب، وبين من يطلب العلم ابتغاء وجه الله ومن يطلبه لتتجه إليه وجوه الناس.