المزاح في الإسلام.. أدب وضوابط
الإسلام دين يراعي طبيعة النفس البشرية وحاجتها إلى الترويح والانبساط،
فلم يجعل حياة المسلم عبوسًا دائمًا، ولا جِدًّا لا ينقطع، بل أباح من المزاح ما تطيب
به النفوس، وتزداد به الألفة، ويُدخل السرور على القلوب، ما دام منضبطًا بحدود الشرع
ومكارم الأخلاق.
وكان رسول الله ﷺ، مع عظيم هيبته وكثرة أعبائه، يمازح أصحابه ويداعبهم،
ويلاطف الكبير والصغير، ولكنه لم يكن يقول في مزاحه إلا صدقًا، فعن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا؟ قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»
رواه الترمذي (1990)، وقال: حديث حسن صحيح.
فالمزاح المباح ليس من خوارم المروءة في ذاته، ولا ينافي الوقار، بل قد
يكون من حسن العشرة ولين الجانب وإدخال السرور على الآخرين، وإنما يُذم إذا خرج عن
حد الاعتدال أو اشتمل على محظور.
من مزاح النبي ﷺ
تعددت صور مزاح النبي ﷺ، وكلها تدل على لطفه وحسن عشرته، ومن ذلك ما رواه
أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ»، قال أبو أسامة:
يعني يمازحه. رواه أبو داود (5002)، والترمذي (1992)، وهي كلمة حق؛ إذ كل إنسان له
أذنان، لكن النبي ﷺ أوردها في قالب لطيف على سبيل المداعبة.
وكان ﷺ يمازح الصغار كذلك، ويأنس بهم ويراعي مشاعرهم، فعن أنس رضي الله
عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ
لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ»، وكان له طائر صغير يلعب به فمات، فكان النبي ﷺ يقول له مداعبًا
ومواسيًا: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟». رواه البخاري (6129)، ومسلم
(2150).
وفي هذا من حسن خلقه ﷺ ما يجمع بين التواضع وملاطفة الصغير ومواساته فيما
يحزن عليه، ولو كان في نظر الكبار أمرًا يسيرًا.
ومن لطيف مزاحه ﷺ ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي
ﷺ فقال: يا رسول الله، احملني، فقال ﷺ: «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»،
فقال الرجل: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ؟».
رواه أبو داود (4998)، والترمذي (1991)، فظن الرجل أن المراد بولد الناقة صغيرها الذي
لا يصلح للركوب، وأراد النبي ﷺ أن كل بعير - وإن كان كبيرًا - فهو في الحقيقة ولد ناقة؛
فكان مزاحًا لا كذب فيه.
ومن ذلك أيضًا حديث زاهر بن حرام رضي الله عنه، وكان رجلًا من أهل البادية،
وكان النبي ﷺ يحبه، فأتاه يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه النبي ﷺ من خلفه وهو لا يبصره،
فقال: من هذا؟ أرسلني! فالتفت فعرف النبي ﷺ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي
ﷺ حين عرفه، وجعل رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟»، فقال زاهر:
يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال ﷺ: «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ
بِكَاسِدٍ»، أو قال: «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ». رواه أحمد في
المسند.
فبدأ الموقف بمزاح لطيف، ثم ختمه النبي ﷺ بكلمة تطيب بها نفس زاهر، وتبين
أن قيمة الإنسان ليست في صورته ولا في نظرة الناس إليه، وإنما فيما له عند الله تعالى.
وعن الحسن البصري أن عجوزًا أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ادع الله
أن يدخلني الجنة، فقال: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ»،
فولَّت تبكي، فقال: «أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ»، ثم تلا
قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا
عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 35-37]، رواه الترمذي في الشمائل المحمدية، وهو
من رواية الحسن البصري مرسلًا، وقد رُوي من طرق أخرى وشواهد.
مزاح الصحابة رضي الله عنهم
ولم يكن المزاح المباح خاصًّا بالنبي ﷺ، بل كان معروفًا عند أصحابه رضي
الله عنهم.
فقد قال بكر بن عبد الله المزني: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَبَادَحُونَ
بِالْبِطِّيخِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحَقَائِقُ كَانُوا هُمُ الرِّجَالَ». رواه البخاري
في الأدب المفرد.، ومعنى «يتبادحون»: يترامون به على سبيل المزاح.
وهذا ميزان دقيق؛ فليس الوقار أن يعيش الإنسان عابسًا لا يضحك ولا يمازح
أهله وأصحابه، كما أن خفة الروح لا تعني أن تتحول حياة المرء كلها إلى هزل، وإنما الكمال
أن يعرف موضع الجد فيكون من أهله، وموضع المزاح فيأخذ منه بقدره.
من مزاح السلف والعلماء
ولم يكن المزاح المباح بعيدًا عن مجالس السلف والعلماء، بل كانوا يجمعون
بين الجد والوقار من جهة، والبشر وحسن المعاشرة والمزاح اللطيف من جهة أخرى.
قال عطاء بن السائب: «كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَا يَقُصُّ عَلَيْنَا
إِلَّا أَبْكَانَا بِوَعْظِهِ، وَلَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِنَا حَتَّى يُضْحِكَنَا
بِمَزْحِهِ»، وهذا من حسن فقه العالم بالنفوس؛ يعظها حتى ترق، ثم يروح عنها بما لا
يخرج عن حدود الأدب.
وكان محمد بن سيرين رحمه الله، مع ما عُرف به من العلم والورع والهيبة،
صاحب دعابة ومزاح؛ فعن يونس قال: «كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ صَاحِبَ ضَحِكٍ وَمُزَاحٍ».
وقيل لابن سيرين: من أكل سبع رطبات على الريق سبَّحت في بطنه! فقال ابن
سيرين: «لَئِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَيَنْبَغِي لِلَّوْزِينَجِ إِذَا أُكِلَ أَنْ
يُصَلِّيَ الْوِتْرَ وَالتَّرَاوِيحَ»، واللوزينج نوع من الحلوى، وفي جوابه سخرية لطيفة
من دعوى لا تثبت، ومبالغة طريفة في ردها.
ومن لطيف أجوبة العلماء ما رواه الأعمش قال: أتى الشعبيَّ رجل فقال: ما
اسم امرأة إبليس؟ فقال الشعبي:«إِنَّ ذَاكَ لَعُرْسٌ مَا شَهِدْتُهُ!»، فأجابه بجواب
طريف، وفيه إشارة إلى أن السؤال عما لا علم به ولا فائدة من ورائه لا ينبغي الاشتغال
به.
وجاء رجل إلى أبي حنيفة رحمه الله فقال له: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر
لأغتسل، فإلى القبلة أفضل أن أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له أبو حنيفة: «الْأَفْضَلُ
أَنْ يَكُونَ وَجْهُكَ إِلَى ثِيَابِكَ الَّتِي تَنْزِعُهَا؛ لِئَلَّا تُسْرَقَ»، وهذه
الأخبار تكشف جانبًا لطيفًا من حياة العلماء؛ فلم يكن العلم عندهم مرادفًا للعبوس،
ولا الوقار مانعًا من طلاقة الوجه وحسن الدعابة، بل كانوا يعرفون للنفس حقها من الترويح،
مع حفظ هيبة العلم وصيانة المجالس عن الإسفاف.
بل إن بعض هذه الأجوبة يحمل معنى زائدًا على مجرد الإضحاك؛ فقد يكون المزاح
وسيلة لتصحيح تصور، أو رد دعوى لا أصل لها، أو تنبيه السائل إلى انشغاله بما لا ينفع،
فيأتي الجواب خفيفًا في لفظه، عميقًا في دلالته.
ضوابط المزاح
وإذا كان المزاح مباحًا في أصله، وعُرف عن النبي ﷺ وأصحابه والسلف من
بعدهم، فإنه ليس بابًا مفتوحًا بلا حدود، بل له ضوابط تحفظ الدين والأخلاق وحقوق الآخرين.
1- ألا يكون فيه استهزاء بالدين: وهذا من أخطر أبواب المزاح؛ فلا يجوز
أن تكون شعائر الدين أو آيات الله أو رسوله ﷺ محلًّا للسخرية والاستهزاء، قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ
بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66].
فالقول: «كنا نمزح» لا يجعل الاستهزاء بالدين مباحًا.
2- أن يكون المزاح صدقًا: وهذا من أوضح هدي النبي ﷺ؛ فقد كان يمازح ولا
يقول إلا حقًّا، أما اختلاق القصص والأخبار الكاذبة من أجل إضحاك الناس فقد جاء فيه
الوعيد.
قال رسول الله ﷺ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ
بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ». رواه أبو داود (4990)،
والترمذي (2315)، وقال: حديث حسن، فالضحك لا يسوّغ الكذب، والمزاح لا يرفع عن المسلم
وجوب الصدق.
3- ألا يكون فيه ترويع للمسلم: فبعض الناس يرى تخويف صاحبه أو مفاجأته
أو إخفاء متاعه أمرًا مضحكًا، وقد يبلغ الأمر بالمفزوع مبلغًا لا تحمد عاقبته، فعن
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ، فنام
رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ
لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا». رواه أبو داود (5004)، وقال ﷺ: «لَا
يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا». رواه أبو داود
(5003)، والترمذي بمعناه.
وهذا يشمل صورًا كثيرة مما يسمى اليوم بـ«المقالب» إذا اشتملت على تخويف
أو إيذاء أو أخذ للمتاع وإخفائه.
4- ألا يكون فيه سخرية أو انتقاص للآخرين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ
وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:
11]، فليس كل ما يُضحك مباحًا؛ إذ قد يضحك المجلس كله، بينما يعود شخص واحد وقد جُرح
قلبه أو انتُقص قدره.
ومن هنا ينبغي اجتناب المزاح بالهيئة أو اللون أو النسب أو اللهجة أو
العيوب الخَلقية، وكل ما يكرهه الإنسان من نفسه.
5- ألا يكثر منه حتى يصبح ديدنه: فالشيء المباح قد يُذم إذا جاوز حدَّه،
ومن جعل المزاح غالب حديثه، والضحك مقصود مجلسه، ربما ذهبت هيبته، وضاعت أوقاته، وأصبح
عاجزًا عن التمييز بين مقام الجد ومقام الهزل، والمزاح في حياة المسلم كالملح في الطعام:
يحسن بقدره، ويفسد إذا كثر.
6- مراعاة أقدار الناس وطبائعهم: فالناس ليسوا سواء في تقبل المزاح؛ فما
يضحك منه أحد قد يغضب منه آخر، وما يصلح بين الأصدقاء المقربين قد لا يصلح مع الكبير
أو العالم أو صاحب المنزلة، ولا مع من لا يعرف الإنسان طبعه.
والعاقل لا يمزح مع السفيه بما يفتح عليه بابًا، ولا مع الأحمق بما يُساء
فهمه، ولا مع من لا يعرفه بما قد يوقع في النفوس حرجًا أو سوء ظن.
7- اختيار الوقت والمقام المناسبين: فلكل مقام مقال؛ فليس وقت المصائب
كوقت الأفراح، ولا مجلس العلم كجلسة الأصحاب، ولا ساعة الجد والعمل كساعة الترويح.
وقد قيل لسفيان بن عيينة رحمه الله: المزاح سُبَّة، فقال: «بل هو سنة،
ولكن لمن يحسنه ويضعه في موضعه».
فالمشكلة ليست في المزاح نفسه، وإنما فيمن لا يعرف متى يمزح، ولا مع من
يمزح، ولا المقدار الذي يقف عنده.
بين الجد والمزاح
وهكذا يظهر أن الإسلام لم يحارب الفرح، ولم يمنع الدعابة، وإنما هذّبها وربطها بالأخلاق؛ فالمزاح الحسن هو الذي يُدخل السرور ولا يورث حزنًا، ويقرب القلوب ولا يوقع العداوة، ويكون صدقًا لا كذبًا، ولطفًا لا سخرية، وترويحًا لا ترويعًا.
وقد جمع النبي ﷺ بين كمال الوقار وحسن الدعابة؛ فكان يمازح الكبير والصغير،
ويلاطف أصحابه، ويبسط لهم وجهه، ومع ذلك لم يخرج مزاحه عن الحق والصدق وحفظ الكرامة،
وعلى هذا سار أصحابه ومن بعدهم من السلف والعلماء؛ فكان في مجالسهم العلم والوعظ، وكان
فيها أيضًا البشر والابتسامة والمزاح بقدره.
فليس المطلوب أن يهجر الإنسان المزاح، ولا أن يجعل حياته كلها مزاحًا؛
وإنما أن يحسن استعماله، وأن يعرف متى يمزح، ومع من يمزح، وبماذا يمزح.
وحينئذ يكون المزاح سببًا للمودة وإدخال السرور، لا بابًا للخصومة والندم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق