الجمعة، 11 سبتمبر 2026

الإيثار.. خُلُقٌ يحرّر النفس من الشُّح

الإيثار.. خُلُقٌ يحرّر النفس من الشُّح

 

من أعظم الأخلاق التي جاء الإسلام بتربيتها في النفوس خُلُق الإيثار؛ ذلك الخُلُق الذي يرتقي بالإنسان من أسر الأنانية والاستئثار إلى رحابة البذل والمواساة، فيرى حاجة أخيه، ويقدِّمها أحيانًا على حاجة نفسه، طلبًا لما عند الله تعالى.

وقد أحسن الإمام القرطبي في بيان حقيقته فقال: «الإيثار: هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبةً في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة».

فالإيثار ليس مجرد كرمٍ بالمال، بل هو ثمرة قوة اليقين بالله، وصدق المحبة، والقدرة على مخالفة شُحِّ النفس؛ إذ الأصل في النفوس أن تطلب حظوظها وتحافظ على مصالحها، فإذا آثر المرء غيره بشيء يحتاج إليه، رجاء ثواب الله، فقد بلغ منزلة رفيعة من مكارم الأخلاق.

ولهذا أثنى الله تعالى على الأنصار بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

الأشعريون.. الإيثار خُلُق جماعة

ومن أجمل الصور النبوية التي تجسد معنى التكافل والإيثار ما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» رواه مسلم.

إنها صورة بديعة لمجتمع لا يقول فيه الإنسان عند الشدة: هذا مالي، وهذا طعامي، وهذه حاجتي؛ وإنما يجمع الجميع ما بقي في أيديهم، ثم يتقاسمونه بالسوية، ولعظمة هذا الخُلُق قال فيهم النبي ﷺ: «فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ».

ليلةٌ خلَّد القرآنُ إيثارَ أصحابها

ومن أبلغ مشاهد الإيثار ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتى النبي ﷺ محتاجًا إلى الطعام، فبعث النبي ﷺ إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَضُمُّ ـ أَوْ يُضِيفُ ـ هَذَا؟» فقام رجل من الأنصار وقال: أنا، فلما ذهب به إلى بيته، قالت زوجته: ما عندنا إلا قوت صبياني! فقال لها: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً.

فلما حضر الطعام، أطفآ السراج، وأوهما الضيف أنهما يأكلان معه، حتى يأكل ويشبع، وباتا هما طاويين.

فلما أصبح الأنصاري وغدا إلى رسول الله ﷺ قال له: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ ـ أَوْ: عَجِبَ ـ مِنْ فَعَالِكُمَا».

وأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

وهنا تتجلى حقيقة الإيثار بأوضح صورها؛ فلم يكن عندهما فائض من الطعام، بل كانت بهما وبأولادهما حاجة إليه، ومع ذلك قدَّما ضيف رسول الله ﷺ على أنفسهما.

فالإيثار الحقيقي لا يظهر عند كثرة الفائض فحسب، وإنما تظهر منزلته حين يعطي الإنسان وهو محتاج إلى ما يعطي.

تمرةٌ كانت سببًا في دخول الجنة

ولا يقتصر الإيثار على الرجال، ولا على المواقف العظيمة التي يراها الناس؛ فقد يكون في شيء يسير لا يلتفت إليه أحد، ولكنه عند الله عظيم؛ روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا».

فأعجب عائشة رضي الله عنها صنيعها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» رواه مسلم.

تأمل: نصفا تمرة!

لم يكن الذي بذلته مالًا كثيرًا، وإنما آثرت ابنتيها بلقمة كانت قد رفعتها إلى فمها، فنظر الله إلى ما في قلبها من رحمة وإيثار، فكان الجزاء عظيمًا، وهكذا تُوزن الأعمال عند الله بما يقوم في القلوب من صدق وإخلاص، لا بمجرد أحجامها في أعين الناس.

سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف

وحين هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، ظهرت ثمرة التربية النبوية في مجتمع الصحابة ظهورًا عجيبًا؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ آخى بين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وسعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه.

وكان سعد من أهل المال، وعنده امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله!

فما كان جواب عبد الرحمن رضي الله عنه؟

قال: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ»، فهذا مشهد يجمع فضيلتين عظيمتين: إيثار سعد، وعفة عبد الرحمن.

عائشة تؤثر عمر رضي الله عنهما

ولم يكن الإيثار متعلقًا بالطعام والمال وحدهما، بل قد يكون فيما هو أحب إلى النفس من ذلك.

لما طُعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي لحظات موته أرسل ابنه عبد الله إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها أن يُدفن إلى جوار رسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه.

وكانت عائشة رضي الله عنها ترغب في هذا الموضع لنفسها، فلما بلغتها رغبة عمر قالت: «كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي» رواه البخاري.

وأي شيء أعظم على النفس من أن يتنازل الإنسان عن أمر ظل يرجوه لنفسه سنوات طويلة ولا يمكن تعويضه؟! لكنها مدرسة الصحابة؛ حيث تجاوز الإيثار الطعام والمال إلى أعز الأمنيات وأحبها إلى النفس.

 

والنبي ﷺ أعظم الناس إيثارًا

وإذا كان الصحابة قد بلغوا هذه المنزلة، فإن معلمهم وقدوتهم في ذلك هو رسول الله ﷺ.

روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ بِبُردة، وقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها ولبسها.

فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه، فاكسنيها.

فقال ﷺ: «نَعَمْ».

فلما قام النبي ﷺ لامَهُ الصحابةُ، وقالوا له: رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجًا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه!

فقال الرجل إنه إنما أراد بركتها، ورجا أن تكون كفنه.

فالنبي ﷺ كان محتاجًا إلى البردة، ومع ذلك لما سأله الرجل إياها لم يردَّه.

وهذه مرتبة سامية من السخاء؛ أن لا يكون العطاء مما استغنى عنه الإنسان فحسب، بل قد يعطي مما يحتاج إليه هو نفسه.

الإيثار انتصار على شُح النفس

وحين نتأمل هذه المواقف نجد أن القرآن ربط الإيثار بقضية أعمق من مجرد العطاء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] فالمعركة الحقيقية تقع داخل النفس.

النفس تقول: احتفظ لنفسك.

والإيمان يقول: قدِّم لأخيك.

النفس تخشى النقص، واليقين بما عند الله يدعو إلى البذل.

ولهذا كان الإيثار دليلًا على قوة اليقين؛ لأن الموثِر ينظر إلى ما عند الله قبل أن ينظر إلى ما يفوته من الدنيا.

وليس المقصود أن يهمل الإنسان نفسه ومن يعول، أو يضيّع الحقوق الواجبة عليه؛ فالإيثار المحمود هو الذي يقع في موضعه، ولا يترتب عليه تضييع واجب أو وقوع في محرم، وإنما المقصود تربية النفس على التحرر من سلطان الشح والاستئثار.

كيف نربي أنفسنا على الإيثار؟

الإيثار لا يبدأ بالمواقف الكبيرة، وإنما يُربَّى عليه الإنسان في تفاصيل حياته اليومية: أن يقدِّم غيره في المجلس، ويشارك المحتاج في طعامه، أو يقدم غيره في زحام السيارات في الطريق، ويترك لأخيه ما يحبه من متاع الدنيا، ويتنازل أحيانًا عن بعض راحته ومصلحته لإدخال السرور على غيره، ويعلِّم أبناءه أن الخير ليس فيما يأخذونه فقط، وإنما فيما يعطونه أيضًا.

ومع تكرار هذه الأعمال يضعف سلطان الشح على النفس، حتى يصبح البذل خُلُقًا وسجية.

* * *

إن الإيثار ليس خُلُقًا هامشيًا في بناء الإنسان المسلم، بل هو ثمرة من ثمرات الإيمان، ودليل على سلامة الصدر، وقوة اليقين، وصدق الأخوة.

لقد آثر الأنصاري ضيفه بطعام أطفاله، وآثرت الأم ابنتيها بتمرتها، وآثر سعد أخاه بماله وأهله، وآثرت عائشة عمر بموضع دفن كانت تتمناه لنفسها، وكان رسول الله ﷺ يعطي السائل حتى مما يحتاج إليه.

وهكذا تصنع العقيدة حين تستقر في القلب إنسانًا لا يعيش أسيرًا لسؤال: ماذا آخذ؟ بل يرتقي إلى سؤال أسمى: ماذا أستطيع أن أقدِّم؟!

وصدق الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق