ما ذِئبانِ جائعان
عن كعب بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا
ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ
عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» رواه الترمذي (2376)، وأحمد (15794)، وقال
الترمذي: «حديث حسن صحيح».
يضرب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مثلا عظيما يصور شدة ما
يفعله الحرص على المال والجاه في دين الإنسان، فتخيل قطيعا من الغنم غاب عنه راعيه،
ثم أرسل فيه ذئبان جائعان ضاريان؛ فماذا سيبقى من ذلك القطيع؟! لا شك أن الفساد الذي
سيحدثانه فيه عظيم، والناجي منه قليل.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن حرص الإنسان على المال والشرف ليس
أقل إفسادا لدينه من إفساد هذين الذئبين للغنم.
والحقيقة أن الناظر في أحوال كثير من أهل الأموال والمناصب لا يملك إلا
أن يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكم أفسد المال من دين، وكم غيرت المناصب
والرياسات أصحابها، وكم تنازل الإنسان عن مبادئه من أجل ثروة أو مكانة أو جاه.
ولهذا يصور القرآن حسرة الإنسان يوم القيامة حين يكتشف أن المال والسلطان
اللذين أفنى عمره في تحصيلهما لم ينفعاه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ
كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25)
وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا
أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: 25-29].
ذهب المال، وزال الجاه والسلطان، وبقي الحساب.
أولا: الحرص على المال:
ليس المقصود من الحديث ذم المال في ذاته، ولا ذم طلب الرزق والكسب؛ فالمال
نعمة إذا اكتسبه الإنسان من حلال، وأدى حق الله فيه، واستعان به على الخير، وإنما الخطر
أن يتحول المال من وسيلة في يد الإنسان إلى غاية تستولي على قلبه.
والحرص على المال نوعان:
النوع الأول: الإفراط
في طلب المال من الحلال:
وهو أن تشتد محبة الإنسان للمال، ويستغرق في طلبه وجمعه، ولو كان ذلك
من طرق مباحة؛ فقد يضيع الحريص عمره في الجمع، ويستهلك صحته ووقته، ويخاطر بنفسه في
الأسفار والمشقات، ويقصر في حقوق ربه وأهله ونفسه؛ ليجمع مالا قد ينتفع به غيره، بينما
يبقى عليه حسابه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرةُ همَّه، جعل اللهُ
غناه في قلبِه، وجمع له شملَه وأتتْه الدُّنيا وهي راغمةٌ، ومن كانت الدنيا همَّه
جعل اللهُ فقرَه بين عينَيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما
قُدِّرَ له»، أخرجه الترمذي (2465) وصححه الألباني.
فالمشكلة هنا ليست في حل المال أو حرمته، وإنما في استيلاء طلبه على القلب
والعمر.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه: «إِنَّ
هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ،
وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي
يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ». رواه البخاري (6441)، ومسلم.
وهذه صورة دقيقة للحريص؛ فهو كالذي يأكل ولا يشبع، كلما حصل على شيء أراد
المزيد، فلا يصل إلى حالة يشعر فيها بالكفاية.
النوع الثاني: أن يقود
الحرص صاحبه إلى الحرام:
وهذا أشد خطرا؛ إذ لا يكتفي الإنسان بالإفراط في جمع المال، وإنما يحمله
حرصه عليه على طلبه من الوجوه المحرمة، أو أكل حقوق الناس، أو منع الحقوق الواجبة،
وهنا يتحول الحرص إلى شح مذموم، قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ؛
أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ
بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا». رواه أبو داود (1698)، وأحمد (6487)، وصححه الألباني.
وقد قال طائفة من العلماء: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على
أن يأخذ الأشياء من غير حلها، ويمنع الحقوق الواجبة فيها.
فالمال يبدأ رغبة، ثم قد يصبح حرصا، ثم يتحول إلى شح، فإذا استولى الشح
على القلب أصبح الإنسان مستعدا لأن يظلم ويقطع ويفجر من أجل المحافظة على ما في يده
أو تحصيل ما ليس عنده.
ثانيا: الحرص على الشرف والجاه:
إذا كان الحرص على المال خطرا على الدين، فإن الحرص على الجاه والرياسة
قد يكون أشد خطرا منه؛ لأن الإنسان قد يبذل ماله كله من أجل منصب أو مكانة أو شهرة.
والمقصود بالشرف هنا: العلو والجاه والرياسة والمناصب والمنزلة بين الناس.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة تعلق النفوس بالإمارة فقال:
«إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ»، رواه البخاري (7148).
فالمنصب في أوله قد يمنح صاحبه المال والجاه والتقدير، ولذلك شبهه النبي
صلى الله عليه وسلم بالمرضعة، ولكنه عند مفارقته وما يترتب عليه من حساب ومسؤولية قد
يكون حسرة وندامة.
والحرص على الشرف والجاه نوعان كذلك:
النوع الأول: طلب
العلو بالسلطان والمناصب:
وهو أن يجعل الإنسان همه أن يتقدم على غيره، ويتولى المناصب، وتكون له
الكلمة والرياسة والسلطان.
وهذا باب شديد الخطر على القلب؛ ولذلك قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ
الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
وتأمل قوله تعالى: {لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا}؛ فالعبرة بما يريده
القلب ويطلبه، وليس بمجرد حصول المكانة للإنسان.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه:
«يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ
أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ
مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا». رواه البخاري (7146)، ومسلم (1652).
فالولاية ليست تشريفا مجردا، وإنما هي تكليف وأمانة ومسؤولية، وكلما اتسعت
دائرة السلطة اتسعت معها دائرة المسؤولية والحساب.
وجاء عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، إِلَّا أَتَى اللَّهَ
مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْبَقَهُ
إِثْمُهُ». رواه أحمد (22300)، والطبراني في «المعجم الكبير»، وصححه لغيره شعيب
الأرناؤوط، وحسن إسناده الألباني.
وهذا كله يدل على أن الولاية في ميزان الشرع أمانة ثقيلة، لا مجرد باب
إلى الوجاهة والرفعة.
النوع الثاني: طلب
الجاه بالدين:
وهذا أخطر أنواع الحرص على الشرف وأقبحها؛ أن يستخدم الإنسان العلم أو
العبادة أو الزهد أو الدعوة طريقا للحصول على منزلة في قلوب الناس.
فالعلم والعمل والزهد إنما يطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم
المقيم والقرب منه سبحانه، فإذا تحولت إلى أدوات لطلب الشهرة والجاه، صار ما يفترض
أن يكون سببا لنجاة الإنسان سببا لهلاكه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا
يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ
بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»،
يعني: ريحها.
رواه أبو داود (3664)، وابن ماجه (252)، وأحمد (8457)، وصححه الألباني.
وجاء عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ
بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ
النَّارَ».
رواه الترمذي (2654)، وحسن الحديث الألباني.
وهنا تظهر دقة الخطر؛ فقد يستطيع الإنسان أن يزهد في المال، ولكنه لا
يزهد في ثناء الناس عليه بأنه زاهد، وقد لا يطلب منصبا، لكنه يحب أن يعرف بين الناس
بأنه صاحب علم وفضل، وقد يعمل العمل الصالح، لكن قلبه يترقب إعجاب الناس وثناءهم، وهذا
من أخفى أبواب الحرص على الشرف.
* * *
ومع ذلك، ينبغي ألا يفهم الحديث على أنه دعوة إلى ترك المال، أو رفض المناصب،
أو الانصراف عن طلب العلم، فالمال قد يكون نعمة عظيمة في يد الرجل الصالح، والمنصب
قد يكون بابا للإصلاح وإقامة العدل، والعلم من أجل العبادات وأشرفها.
إنما المذموم أن يستعبد شيء من ذلك القلب، فالفرق كبير بين من يملك المال
ومن يملكه المال، وبين من يتولى المنصب ليؤدي أمانته ومن يعيش من أجل المنصب، وبين
من يطلب العلم ابتغاء وجه الله ومن يطلبه لتتجه إليه وجوه الناس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق