خطر الإفتاء بغير علم
جعل الإسلام علاج الجهل في السؤال، ونهى عن القول بغير علم، وأذكر
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال»،
هذه الكلمة النبوية جاءت في حادثة مؤلمة تُبرز خطورة الفتوى بغير علم.
فعن جابر بن عبد الله أنه قال: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ
فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ،
فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟
قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ
فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ
بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ
يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ
أَنْ يَتَيَمَّمَ ..."، وهكذا كانت فتوى خاطئة سببًا في إزهاق نفسٍ معصومة!
إن الفتوى ليست مجرد رأي شخصي، ولا وجهة نظر قابلة للأخذ والرد، وإنما
هي إخبار عن حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان القول على الله بغير
علم من أعظم المحرمات؛ قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ
تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾
[النحل: 116].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ
رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ
عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59].
فالجرأة على الفتوى بغير علم ليست خطأً علميًا فحسب، بل هي تعدٍّ على
حق الله في التشريع.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى مهمة الإفتاء في حياته، فكان الصحابة
يرجعون إليه في كل ما أشكل عليهم، ثم انتقلت هذه المهمة بعد وفاته إلى العلماء الربانيين،
الذين هم ورثة الأنبياء، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا نزلت به نازلة جمع كبار
الصحابة من المهاجرين والأنصار يستشيرهم، مما يدل على عظم شأن الفتوى، وأنها لا تُبنى
على الهوى أو الظنون، وإنما على العلم الراسخ والاجتهاد الصحيح.
ولهذا أمر الله تعالى بالرجوع إلى أهل العلم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، والمقصود بأهل الذكر هم العلماء المعروفون
بالعلم الشرعي والفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا كل من اشتهر
في وسائل الإعلام، أو حمل لقبًا فكريًا أو ثقافيًا، أو امتلك قدرة على الخطابة والإقناع.
ومع الأسف، فقد أصبح التساهل في الفتوى من أبرز ظواهر هذا العصر، فصار
كثير من الناس يتصدرون للكلام في الحلال والحرام دون تأهيل علمي، وأصبحت وسائل الإعلام
ومنصات التواصل تفتح المجال لكل متحدث، حتى غدا بعض المثقفين، والإعلاميين، والأطباء،
والمهندسين، وغيرهم، يتناولون الأحكام الشرعية وكأنها آراء عامة لا تحتاج إلى علم أو
تخصص.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من علامات ذهاب العلم، فقال:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ
الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا
لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا،
فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، فالخطر لا يقف عند ضلال
المفتي، بل يمتد إلى إضلال الناس وإفساد دينهم.
ومن تأمل أحوال السلف الصالح أدرك مقدار هيبتهم للفتوى، فقد قال عبد الرحمن
بن أبي ليلى: «أدركت مئةً وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم
عن المسألة، فما منهم أحد إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياها»، وفي رواية: «فيردها هذا
إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول»، فكانوا يتدافعون الفتوى خوفًا من الخطأ،
لا طلبًا للشهرة أو كثرة الأتباع.
وكان الإمام مالك رحمه الله مثالًا لهذه الهيبة؛ فقد جاءه رجل مسافر
فسأله عن أربعين مسألة، فأجابه عن خمس مسائل، وقال عن البقية: لا أدري، فقال
الرجل: جئتك من كذا وكذا، وتقول: لا أدري، قال: نعم، اركب راحلتك، وقل للناس: سألت
مالكًا؟ وقال: لا أدري!
لم يكن يرى أن قول العالم: "لا أدري" نقص في منزلته، بل كان
يعدها من تمام العلم، لأن العالم الصادق يعلم حدود علمه، ولا يتكلف ما لا يعلم.
إن من أعظم ما يحتاجه المسلم اليوم أن يعرف قدر الفتوى، وألا يأخذ دينه
إلا عن العلماء الثقات المعروفين بالعلم والديانة، وألا يغتر بكثرة المتابعين أو الشهرة
الإعلامية. كما ينبغي لكل مسلم أن يتورع عن الكلام في أحكام الشرع بغير علم، فإن السلامة
في التوقف، والخطر كل الخطر في الجرأة على القول على الله بغير علم.
فالفتوى أمانة، والكلمة فيها قد تهدي إنسانًا أو تضله، وقد تحفظ نفسًا
أو تهلكها، ولذلك كان من قال في دين الله بغير علم فقد تجرأ على أعظم مقام، وهو مقام
التوقيع عن رب العالمين!
