الخميس، 6 أغسطس 2026

خطر الإفتاء بغير علم

خطر الإفتاء بغير علم

جعل الإسلام علاج الجهل في السؤال، ونهى عن القول بغير علم، وأذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال»، هذه الكلمة النبوية جاءت في حادثة مؤلمة تُبرز خطورة الفتوى بغير علم.

فعن جابر بن عبد الله أنه قال: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ..."، وهكذا كانت فتوى خاطئة سببًا في إزهاق نفسٍ معصومة!

إن الفتوى ليست مجرد رأي شخصي، ولا وجهة نظر قابلة للأخذ والرد، وإنما هي إخبار عن حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات؛ قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59].

فالجرأة على الفتوى بغير علم ليست خطأً علميًا فحسب، بل هي تعدٍّ على حق الله في التشريع.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى مهمة الإفتاء في حياته، فكان الصحابة يرجعون إليه في كل ما أشكل عليهم، ثم انتقلت هذه المهمة بعد وفاته إلى العلماء الربانيين، الذين هم ورثة الأنبياء، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا نزلت به نازلة جمع كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار يستشيرهم، مما يدل على عظم شأن الفتوى، وأنها لا تُبنى على الهوى أو الظنون، وإنما على العلم الراسخ والاجتهاد الصحيح.

ولهذا أمر الله تعالى بالرجوع إلى أهل العلم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، والمقصود بأهل الذكر هم العلماء المعروفون بالعلم الشرعي والفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا كل من اشتهر في وسائل الإعلام، أو حمل لقبًا فكريًا أو ثقافيًا، أو امتلك قدرة على الخطابة والإقناع.

ومع الأسف، فقد أصبح التساهل في الفتوى من أبرز ظواهر هذا العصر، فصار كثير من الناس يتصدرون للكلام في الحلال والحرام دون تأهيل علمي، وأصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل تفتح المجال لكل متحدث، حتى غدا بعض المثقفين، والإعلاميين، والأطباء، والمهندسين، وغيرهم، يتناولون الأحكام الشرعية وكأنها آراء عامة لا تحتاج إلى علم أو تخصص.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من علامات ذهاب العلم، فقال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، فالخطر لا يقف عند ضلال المفتي، بل يمتد إلى إضلال الناس وإفساد دينهم.

ومن تأمل أحوال السلف الصالح أدرك مقدار هيبتهم للفتوى، فقد قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركت مئةً وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم عن المسألة، فما منهم أحد إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياها»، وفي رواية: «فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول»، فكانوا يتدافعون الفتوى خوفًا من الخطأ، لا طلبًا للشهرة أو كثرة الأتباع.

وكان الإمام مالك رحمه الله مثالًا لهذه الهيبة؛ فقد جاءه رجل مسافر فسأله عن أربعين مسألة، فأجابه عن خمس مسائل، وقال عن البقية: لا أدري، فقال الرجل: جئتك من كذا وكذا، وتقول: لا أدري، قال: نعم، اركب راحلتك، وقل للناس: سألت مالكًا؟ وقال: لا أدري!

لم يكن يرى أن قول العالم: "لا أدري" نقص في منزلته، بل كان يعدها من تمام العلم، لأن العالم الصادق يعلم حدود علمه، ولا يتكلف ما لا يعلم.

إن من أعظم ما يحتاجه المسلم اليوم أن يعرف قدر الفتوى، وألا يأخذ دينه إلا عن العلماء الثقات المعروفين بالعلم والديانة، وألا يغتر بكثرة المتابعين أو الشهرة الإعلامية. كما ينبغي لكل مسلم أن يتورع عن الكلام في أحكام الشرع بغير علم، فإن السلامة في التوقف، والخطر كل الخطر في الجرأة على القول على الله بغير علم.

فالفتوى أمانة، والكلمة فيها قد تهدي إنسانًا أو تضله، وقد تحفظ نفسًا أو تهلكها، ولذلك كان من قال في دين الله بغير علم فقد تجرأ على أعظم مقام، وهو مقام التوقيع عن رب العالمين!


الإسلام سَبَقَ: "الماجنا كارتا"

 

الإسلام سَبَقَ: "الماجنا كارتا"

 


يظن كثير من الناس أن الحديث عن حقوق الإنسان بدأ مع الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م، وأن البشرية لم تعرف هذه الحقوق إلا في العصر الحديث.

والحقيقة أن الإعلان العالمي يمثل خطوة مهمة في تقنين هذه الحقوق على المستوى الدولي، لكنه لم يكن بداية الاعتراف بها؛ فقد سبق الإسلام إلى تقرير أصولها قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا وزاد عليها واختلف في بعضها، وجعلها جزءًا من شريعته التي يتعبد المسلم لله تعالى بالعمل بها.

ما هي حقوق الإنسان؟

يقصد بحقوق الإنسان: الحقوق التي يستحقها كل إنسان لكونه إنسانًا، والتي تحفظ كرامته وتصون حياته وحريته وأمنه، وتمكنه من العيش الكريم.

ومن أبرز المحطات في تقرير حقوق الإنسان: وثيقة الماجنا كارتا (العهد الأعظم) الصادرة في إنجلترا سنة 1215م، التي حدّت من سلطة الملك وأقرت بعض الحقوق والضمانات القانونية، لكنها اقتصرت في بدايتها على فئات معينة من المجتمع، ثم جاءت وثيقة الحقوق الأمريكية سنة 1791م، فأقرت عددًا من الحريات الأساسية، إلا أنها لم تشمل جميع الناس؛ إذ استُثني منها الرقيق وغيرهم، ولذلك لم تكن ذات طابع عالمي.

ثم عملت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية على ترسيخ هذه المبادئ، فأصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر سنة 1948م، ثم ألحقت به عددًا من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق المرأة والطفل وغيرها.

وقد أسهمت هذه المواثيق في نشر الوعي بحقوق الإنسان، والحد من كثير من صور الظلم والتمييز، ووضع معايير دولية يُحتكم إليها عند وقوع الانتهاكات.

سبق الإسلام إلى تقرير حقوق الإنسان:

إن المتأمل في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية يجد أن الإسلام سبق هذه المواثيق بقرون طويلة، فلم يجعل كرامة الإنسان منحة من دولة أو هيئة دولية، وإنما جعلها حقًا ثابتًا مَنَحه الله لعباده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، فالتكريم هنا يشمل جميع البشر، ولم يقتصر على جنس أو لون أو لغة أو وطن.

ومن تأمل مقاصد الشريعة وجد أنها قامت على حفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض، وهي في حقيقتها أعظم منظومة لحماية حقوق الإنسان.

مقارنة بين الإعلان العالمي والإسلام:

عند المقارنة بين المبادئ التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وما قرره الإسلام، تظهر أوجه اتفاق كبيرة، ومن ذلك:

أولًا: الحق في الحياة: نص الإعلان العالمي على حق كل إنسان في الحياة والأمن.

وقد قرر الإسلام ذلك قبل قرون، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

ثانيًا: المساواة والكرامة الإنسانية:

أكد الإعلان العالمي أن جميع الناس يولدون متساوين في الكرامة والحقوق.

وقد قرر الإسلام هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى».

ثالثًا: حرية الاعتقاد:

قرر الإعلان حرية المعتقد.

وقال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، فالإيمان لا يكون بالإجبار، وإنما بالاقتناع والاختيار.

رابعًا: العدالة والمساواة أمام القضاء:

أكدت المواثيق الدولية حق كل إنسان في محاكمة عادلة.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

خامسًا: حماية الأموال والممتلكات:

كفلت المواثيق الدولية حق التملك.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».

سادسًا: تحريم التعذيب والاعتداء على الإنسان:

تحظر المواثيق الدولية التعذيب بكافة صوره.

وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»، ونهى الإسلام عن الـمُثْلَة والاعتداء حتى في حال الحرب.

سابعًا: الحقوق الاجتماعية:

أقرت المواثيق حق الإنسان في المعيشة الكريمة والتعليم والرعاية.

وقد سبق الإسلام إلى ذلك من خلال الزكاة، والصدقات، والأوقاف، والنفقات الواجبة، والتعليم، ونشر العلم، وكفالة الفقراء والمحتاجين، حتى لا يبقى المجتمع فريسة للفقر والعوز.

ما الذي يميز التصور الإسلامي؟

مع اتفاق الإسلام مع كثير من المبادئ الإنسانية العامة، إلا أنه يمتاز بعدة خصائص، منها:

* أن مصدر الحقوق هو الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز تعطيلها أو تغييرها تبعًا للأهواء أو المصالح السياسية.

* أن الحقوق تقترن بالواجبات، فلا يطالب الإنسان بحقه مع إهمال ما عليه من واجبات.

* أن الرقابة على الحقوق ليست قانونية فقط، بل هي رقابة دينية وأخلاقية، تقوم على مراقبة الله تعالى قبل مراقبة البشر.

* أن الشريعة لا تفرق بين الحقوق المادية والروحية، بل تحفظ مصالح الإنسان في دنياه وآخرته.

* * *

صحيح أن الأمم المتحدة أسهمت في نشر ثقافة حقوق الإنسان وتقنين كثير من المبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان، وهذا جهد يُذكر ويُقدَّر، غير أن المسلم ينبغي أن يدرك أن هذه الحقوق ليست غريبة عن دِينه، بل هي جزء أصيل من شريعته التي سبقت المواثيق الدولية بقرون طويلة.

والتحدي الحقيقي اليوم ليس في إثبات أن الإسلام سبق إلى تقرير حقوق الإنسان، فالنصوص في ذلك واضحة، وإنما في حسن تطبيق هذه المبادئ وإظهارها للناس واقعًا وسلوكًا، حتى يدرك العالم أن الشريعة الإسلامية جاءت رحمةً وعدلًا، وحفظًا لكرامة الإنسان التي كرمه الله بها.