حدُّ القَذْف في الشريعة الإسلامية
جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الضرورات التي تقوم عليها حياة الناس وتستقيم
بها مجتمعاتهم، ومن أعظمها حفظ العرض وصيانة السمعة والكرامة؛ ولذلك حرَّمت الاعتداء
على أعراض المسلمين، وشدَّدت في جريمة القذف، لما يترتب عليها من هتك للأعراض، وإشاعة
للفاحشة، وإفساد للعلاقات، وربما تفكيك للأسر والمجتمعات.
ولم تكتفِ الشريعة بتحريم القذف، بل رتبت عليه عقوبةً دنيويةً زاجرة،
مع ما توعَّد الله به مرتكبه من العقوبة في الآخرة.
ما القذف؟
القذف في اللغة هو الرمي، فيقال: قذف بالحجارة، أي رمى بها، ثم استُعمل
في الرمي بالمكاره؛ كالزنى واللواط ونحوهما، لما في كلٍّ منهما من الإيذاء.
أما في الاصطلاح الشرعي، فالقذف هو: الرمي بالزنى أو اللواط، أو الشهادة
بأحدهما مع عدم اكتمال البينة، أو نفي النسب على وجه يوجب الحد.
* * *
والقذف في أصله محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من كبائر الذنوب؛
لما فيه من انتهاك أعراض الناس والطعن في عفتهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ
الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[النور: 23].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ
الْمُوبِقَاتِ»، وذكر منها: «وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ»
رواه البخاري (2766)، ومسلم (89).
وقد أجمع المسلمون على تحريم القذف، وعدُّوه من كبائر الذنوب.
ومع كون الأصل في القذف التحريم، فإن له أحوالًا استثنائية تتعلق بالحياة
الزوجية؛ فمن رأى زوجته تزني ثم ولدت ولدًا يغلب على ظنه أنه من الزاني، وجب عليه نفيه
بالطريق الشرعي؛ حتى لا يُلحق بنسبه من ليس منه. وإذا رآها تزني ولم يترتب على ذلك
حمل، جاز له أن يقذفها، ويكون الفصل في ذلك عن طريق اللعان الذي جاءت به الشريعة.
عقوبة القذف:
لما كان القذف اعتداءً خطيرًا على عرض الإنسان وسمعته، جعلت الشريعة له
عقوبةً رادعة؛ فمن قذف محصنًا بالزنى ولم يأتِ بأربعة شهداء، استحق حد القذف.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ
شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4].
وقد دلت الآية على أن العقوبة لا تقتصر على الجلد، بل يترتب على القذف
- عند تحقق شروطه - ثلاثة أحكام: أن يُجلد القاذف ثمانين جلدة، وأن تُرد شهادته، وأن
يُحكم بفسقه.
وهذا يدل على عظم الجناية؛ فالقاذف لم يعتدِ على بدن الإنسان أو ماله،
وإنما اعتدى على موضع ربما كان عند صاحبه أعزَّ من المال، وهو العرض والسمعة.
ثم فتح الله باب التوبة فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 5].
فإذا تاب القاذف توبةً صحيحة، وندم على ما صدر منه، وأصلح ما أفسده، قُبلت
توبته، وتُقبل شهادته عند من يرى ذلك من أهل العلم.
لماذا شدَّدت الشريعة في القذف؟
المتأمل في أحكام القذف يدرك أن المقصود ليس مجرد معاقبة القاذف، وإنما
حماية المجتمع بأكمله؛ فالأعراض إذا أصبحت مجالًا للكلام بلا بينة، سهل على كل إنسان
أن يتهم خصمه، وأن يشوِّه سمعة من يخالفه، وأن يطعن في الأسر والأنساب دون برهان.
ومن هنا جاءت الشريعة بقاعدة شديدة الوضوح: من ادعى الفاحشة فعليه البينة
الشرعية، وإلا عاد عليه أثر اتهامه.
وبذلك تُصان أعراض الناس، وتُقطع ألسنة السوء، ويُغلق باب إشاعة الفاحشة
بين المؤمنين، ويعيش الإنسان آمنًا على سمعته وعرضه كما يعيش آمنًا على دمه وماله.
متى يجب حد القذف؟
ليس كل لفظ أو اتهام يترتب عليه حد القذف، بل لا بد من توافر شروط في
القاذف وشروط في المقذوف.
فيُشترط في القاذف أن يكون:
بالغًا عاقلًا مختارًا، عالمًا بتحريم ما أقدم عليه، فلا يقام الحد على
الصغير، ولا المجنون، ولا المكره.
ومن الشروط التي ذكرها الفقهاء كذلك ألا يكون القاذف أصلًا للمقذوف؛ كالأب
والأم والجد والجدة.
أما المقذوف: فلا
بد أن تتحقق فيه صفة الإحصان المقصودة في باب القذف؛ فيكون مسلمًا، عاقلًا، حرًّا،
عفيفًا عن الزنى في الظاهر، بالغًا أو ممن يمكن منه الوطء.
وهذه الصفات مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾
[النور: 4].
ومن المسائل المتعلقة بذلك أن قذف المملوك لا يوجب حد القذف في الدنيا
عند الفقهاء، وإن كان القذف محرَّمًا ويستحق صاحبه التعزير، فعن أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» رواه مسلم (1660).
قال الإمام النووي رحمه الله: «فيه إشارة إلى أنه لا حدَّ على قاذف العبد
في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن».
شروط إقامة الحد:
وحتى بعد تحقق جريمة القذف وشروطها، فإن إقامة الحد لا تكون بصورة تلقائية،
بل ذكر الفقهاء شروطًا لا بد من تحققها.
فمن ذلك: مطالبة المقذوف بحقه واستمرار مطالبته حتى إقامة الحد؛ لأن حد
القذف متعلق بحق المقذوف، ولذلك يسقط بعفوه عند من يرى ذلك من أهل العلم، وإن كان للقاضي
أن يعزر القاذف بما يمنعه من العودة إلى الاعتداء على أعراض الناس.
ومنها ألا يأتي القاذف بأربعة شهداء يثبت بهم ما ادعاه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ
لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:
4] فإن جاء بالبينة الشرعية، لم يكن قاذفًا مستحقًّا للحد.
وكذلك إذا أقر المقذوف بصحة ما نُسب إليه وصدَّق القاذف، لم يقم حد القذف
على القاذف؛ لأن الإقرار حجة على صاحبه.
أما إذا كان القذف بين الزوجين، فقد جعلت الشريعة له حكمًا خاصًّا هو
اللعان، فإذا لاعن الزوج زوجته وفق الصفة الشرعية سقط عنه حد القذف.
صيانة الأعراض في عصر وسائل
التواصل:
وإذا كان القذف خطيرًا في المجالس والأحاديث الخاصة، فإن خطره اليوم أشد؛
لأن الكلمة التي كان يسمعها عدد قليل من الناس أصبحت في وسائل التواصل الاجتماعي تصل
إلى الآلاف وربما الملايين في دقائق معدودة.
وقد يتساهل بعض الناس في إعادة نشر اتهام يتعلق بعرض مسلم، أو تداول مقطع
أو صورة، أو كتابة تعليق يتضمن اتهامًا بالفاحشة، من غير بينة ولا تثبت، متناسين أن
إعادة نشر الباطل مشاركة في نشره، وأن أعراض الناس ليست مادةً للتسلية أو تصفية الحسابات.
ولهذا جاء القرآن محذرًا من مجرد محبة انتشار الفاحشة بين المؤمنين، فقال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].
فكيف بمن يتولى نشر الاتهامات بنفسه، ويجعل أعراض الناس حديث المجالس
والمنصات؟!
* * *
إن من كمال الشريعة أنها لم تحفظ للإنسان دمه وماله فحسب، بل حفظت له
كرامته وعرضه وسمعته، وجعلت الأصل في المسلم السلامة، ولم تسمح أن تتحول الأعراض إلى
ميدان للشائعات والظنون والخصومات.
والمؤمن يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن ما يكتبه أو ينشره أو يعيد إرساله
محسوب عليه، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
[ق: 18].
فحفظ اللسان عن أعراض المسلمين عبادة، والسكوت عن الشائعات سلامة، والذب
عن أعراض الناس من مكارم الأخلاق، وما أحوجنا في زمن سرعة انتشار الأخبار إلى استحضار
هذا السياج العظيم الذي أقامته الشريعة حول أعراض الناس وكرامتهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق