شَهْرُ
صَفَر
يأتي شهر صفر ثاني شهور السنة الهجرية بعد شهر الله المحرم، وهو من الشهور
العربية التي عُرفت أسماؤها قبل الإسلام، وقد تعددت أقوال أهل اللغة والمؤرخين في سبب
تسميته، كما ارتبط به عدد من عادات العرب ومعتقداتهم، ثم جاء الإسلام فأبطل ما تعلق
به من تشاؤم وخرافات.
لماذا سُمّي شهر صفر بهذا الاسم؟
اختلفت الأقوال في سبب تسمية شهر صفر، ومن أشهرها:
- خلو الديار من أهلها: قيل إن العرب كانوا يخرجون فيه للغزو والسفر بعد
انقضاء شهر المحرم، فتخلو منهم المنازل، ومنه قولهم: صَفِرَ المكان إذا خلا.
- إصفار مكة من أهلها: وقيل إن مكة كانت تخلو من كثير من أهلها في هذا
الشهر لخروجهم وارتحالهم.
- إصفار من يُغار عليهم من المتاع: أي إن العرب كانوا يغزون فيه القبائل،
فيتركون من أغاروا عليهم صِفرًا من المتاع، أي لا شيء لديهم.
- الصَّفَرِيَّة: وقيل إن الاسم مرتبط ببلاد أو أسواق عُرفت بهذا الاسم،
كان العرب يقصدونها للتجارة.
والأشهر والأقرب إلى المعنى اللغوي أن تسميته مرتبطة بالخلو والإفراغ؛
فقول العرب: صَفِرَ الإناء يعني خلا، ومنه قولهم: صِفر اليدين لمن لا يملك شيئًا.
وكان العرب يقولون: «أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء»، يريدون
خلو أوعيتهم من الطعام وفناء مواشيهم.
أسماء أخرى لشهر صفر عند العرب
قديمًا:
لم يكن اسم «صفر» هو الاسم الوحيد الذي عُرف به هذا الشهر عند العرب في
عصورهم القديمة؛ فقد نُقلت له أسماء أخرى، منها:
- مُوجِر: وهو الاسم الذي عُرف به عند ثمود.
- ثقيل: وقيل إن بعض العرب العاربة كانوا يطلقون عليه هذا الاسم.
- ناجِر: ومن الأسماء القديمة المنقولة لهذا الشهر، وقيل إنه مشتق من
النَّجْر، وهو شدة الحر، إذ كانت تسمية الشهور مرتبطة في الأصل بالفصول التي وقعت فيها
عند وضع أسمائها. وقيل: تنجر الإبل، أي يشتد عطشها من شدة الحر.
ومن المهم التنبيه إلى أن
الشهور الهجرية بعد اعتماد التقويم القمري لا ترتبط بفصل معين، ولذلك ينتقل صفر بين
الصيف والشتاء وسائر الفصول على مر السنين.
بدع شهر صفر في الجاهلية:
ارتبط شهر صفر عند العرب قبل الإسلام بعدد من العادات والمعتقدات.
ومن ذلك "النسيء"؛ وهو تلاعب بعض العرب بحرمة الأشهر الحرم؛
فكانوا يؤخرون حرمة شهر إلى آخر وفق مصالحهم في القتال والغزو، وقد أبطل القرآن ذلك،
فقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37].
كما كانت عند أهل الجاهلية تصورات خاصة بشأن العمرة في صفر وأشهر الحج؛
فقد كانوا يرون العمرة فيهما من أفجر الفجور، ويقولون: «إذا برأ الدَّبَر، وعفا الأثر،
وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر».
وقد أبطل الإسلام هذه العادة، واعتمر النبي ﷺ وأصحابه في أشهر الحج، وما
زال المسلمون يعتمرون في شهر صفر -إلا من كانت عندهم بقايا تلك المعتقدات الجاهلية-.
أحداث وقعت في شهر صفر:
شهد شهر صفر عددًا من الأحداث المهمة في التاريخ الإسلامي، ومن أبرزها:
- في أواخر صفر من السنة التي وقعت فيها الهجرة خرج النبي ﷺ من مكة، ومكث
في غار ثور، ثم واصل طريقه إلى المدينة في مطلع ربيع الأول.
- وفي مثل هذا الشهر من سنة 3هـ، وهي التي كانت تُسمى عند العرب سنة
التّمحيص كانت غزوة بني قينقاع.
- أما في سنة الترفئة، أي في صفر من عام 4 هـ فكانت غزوة الرجيع.
- وفي صفر عام 7 هـ سنة الاستغلاب كان فتح خيبر.
- وفي 27 منه عام 11هـ كان مرض الرسول صلى الله عليه وسلم الذي توفي
بعده في يوم الاثنين 13 ربيع الأول من العام نفسه.
- وفي صفر سنة 37هـ جرت وقائع معركة صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية
بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ودامت هذه الحرب 110 أيام.
- وفي صفر سنة 99هـ تولى عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخلافة بعد وفاة
سليمان بن عبد الملك.
هل لشهر صفر خصوصية شرعية؟
ليس لشهر صفر فضيلة شرعية خاصة ولا شؤم خاص، فهو كسائر شهور السنة، ولا
يصح اعتقاد أن المصائب تكثر فيه أو أن الزواج والسفر والتجارة فيه مظنة للفشل.
وقد أبطل النبي ﷺ ما كان عند أهل الجاهلية من الخرافات والتشاؤم، فقال:
«لا عَدْوَى، ولا طِيَرَةَ، ولا هَامَةَ، ولا صَفَرَ» متفق عليه.
وقيل في تفسير قوله ﷺ: «ولا صفر» المراد إبطال ما كانت الجاهلية
تعتقده في شهر صفر، وقيل: المراد اعتقاد جاهلي آخر متعلق بمرض في البطن، وعلى كلا التفسيرين
فالحديث أصل في إبطال معتقدات الجاهلية والخرافات التي لا دليل عليها.
اعتقادات وبدع مرتبطة بشهر
صفر:
ظهرت عبر العصور بعض المعتقدات والممارسات التي لا أصل لها في الشريعة،
ومن أبرزها:
- التشاؤم من صفر: كاعتقاد أنه شهر للمصائب والنكبات أو أن الشر فيه أكثر
من غيره، وهذا لا دليل عليه.
- تأجيل الزواج والسفر: فمن الناس من يمتنع عن الزواج أو السفر أو بدء
مشروع جديد في صفر خوفًا من سوء العاقبة، وهذا من التشاؤم المذموم.
-تخصيص آخر أربعاء من صفر بعبادة: كإقامة صلاة مخصوصة أو قراءة آيات وأدعية
بأعداد وهيئات محددة اعتقادًا بأن البلاء ينزل في ذلك اليوم؛ ولم يثبت في ذلك شيء عن
النبي ﷺ ولا عن أصحابه.
- اعتقاد نزول بلاء مخصوص في آخر صفر: لا يوجد دليل صحيح يدل على أن يومًا
من أيام صفر تختص فيه البلايا بالنزول.
- تسمية الشهر بـ«صفر الخير»: شاع عند بعض الناس إضافة كلمة «الخير» إلى
صفر ردًا على من يتشاءم منه، والأولى الاكتفاء باسمه الذي سماه به العرب وعرفه المسلمون:
شهر صفر؛ إذ ليس المقصود مقابلة التشاؤم باعتقاد خصوصية في الخير، وإنما الاعتقاد بأن
الأزمنة لا تجلب خيرًا أو شرًا بذاتها إلا بما يقدره الله تعالى فيها.
الخلاصة:
شهر صفر شهر من الشهور القمرية، لا يختلف في أصله عن سائر الشهور، وقد
ارتبط في الجاهلية بعادات ومعتقدات جاء الإسلام بإبطالها، فلا يجوز للمسلم أن يتشاءم
منه، أو يؤخر زواجًا أو سفرًا بسببه، أو يخصص شيئًا من أيامه بصلاة أو دعاء أو عبادة
لم يثبت بها دليل.
والمنهج الصحيح أن يعلم المسلم أن الأيام والشهور لا تملك نفعًا ولا ضرًا
بذاتها، وإنما الأمر كله لله تعالى، وأن ما يقع فيها من خير أو شر إنما يقع بقضاء الله
وقدره.
وبذلك يتحرر المسلم من خرافة التشاؤم بالأزمان، ويحقق ما جاء به الإسلام
من التوكل على الله وحسن الظن به، بعيدًا عن أوهام الجاهلية ومحدثات الأمور.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق