الثلاثاء، 28 يوليو 2026

أبجد هوّز

أبجد هوّز

يقرأ البعض عبارة «أبجد هوز حطي كلمن» فيظن أنها كلمات غريبة لا معنى لها، أو مجرد وسيلة قديمة لحفظ الحروف، لكن وراءها قصة تمتد إلى جذور الكتابة السامية القديمة، وتكشف لنا أن ترتيب الحروف العربية لم يكن كما نعرفه اليوم.

عرفت العربية ترتيبين مشهورين للحروف: الترتيب الأبجدي القديم، الذي بقي أثره في عبارة «أبجد هوز»، والترتيب الألفبائي المعروف اليوم: «أ، ب، ت، ث…». ولم تكن الحروف وسيلة للكتابة فحسب، بل استُخدمت قديمًا أيضًا للدلالة على الأعداد والتواريخ فيما عُرف بـ«حساب الجُمَّل».

فما قصة «أبجد هوز»؟ ولماذا تغير ترتيب الحروف؟ وكيف تحولت الحروف إلى أرقام؟ هذا ما نتعرف عليه في هذا المقال.

* * *

الأبجدية مصطـلح يُطلق على الكلمات الست التي تجْمع حروف هجاء اللغة العربية وهي: [أبجد، هوَّز، حُطّي، كَلَمُن، سَعَفَص، قرشت، ثخذ، ضظغ] .

وهذا الترتيب مأخوذ من الترتيب السامي القديم، أما [ثَخَذ، وضظغ] فحروفهما من العَربية ويطلق عليها الروادف، وهذا الترتيب الأبجدي "المشرقي" يوافق الترتيب الموجود في اللغتين العبرية والآرامية، مع الاحتفاظ بوضع الأحرف العربية الستة في آخر الترتيب.

ويختلف ترتيب هذه الألفاظ في "المغرب" فتأتي على النحو التالي: [أبجد، هوَّز، حُطي، كَلمُن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش].

وكان هذا الترتيب معمولا به إلى أن جاء نصر بن عاصم الليثي (ت 89هـ) ورتبها الترتيب المعروف الآن، وذلك بجمع الحروف المتشابهة في الرسم إلى بعضها:

[أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي]، وتبدأ حروف الهجاء عند معظم الأمم بحرفين قريبي الشبه من حرفي (أ) و (ب)، ويبلغ عدد حروف اللغة العربية (28) حرفًا، إذا لم تحتسب الهمزة، و (29) بالهمزة.

واستخدم العرب هذه الحروف للدلالة على الأرقام الحسابية وسموا ذلك حساب الجُمَّل ، ويُجعل فيه لكل حرف من حروف الأبجدية عدد من الواحد إلى الألْف وفق الترتيب التالي:

ومن نماذج هذا الاستعمال قول العلامة الحكمي في ختام منظومة سلم الوصول:

أَبْيَاتُهَا "يُسْرٌ" بِعَدِّ الْجُمَّلِ // تَأْرِيخُهَا "الْغُفْرَانُ" فَافْهَمْ وادع لي

أي عدد أبياتها (270) بيتا، فكلمة "يسر" = الياء: 10، والسين 60، والراء 200 = 270.

وتاريخ الانتهاء سنة (1362 هـ) وهو مجموع كلمة "الغفران" = الألف 1، واللام 30، والغين 1000، والفاء 80، والراء 200، والألف الثانية 1، والنون 50= مجموعها 1362.

* * *

هذا وكان اليهود وغيرهم يستعملون هذه الحروف في أعمال السحر والتنجيم؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ قَوْمًا يَحْسِبُونَ أَبَا جَادٍ، وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ، وَلَا أَرَى لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَلَاقٍ"، [أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة: وإسناده حسن].

قال العلامة عبد الرحمن بن حسن: "وكتابة أبي جاد وتعلّمها لمن يدَّعي بها عِلم الغيب هو الذي يسمى علم الحرف، وهو الذي جاء فيه الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به"[1].

علّق عليه الشيخ حامد الفقي قائلا: "وينسبه الدجَّالون المشركون إلى جعفر الصادق، ولهم في ذلك كلام كثير في منتهى الكفر، والظاهر أنه من وضع الرافضة الذين استجابوا لسلفهم اليهود فأعملوا في هدم الإسلام كل معول".

قال الشيخ ابن عثيمين: "... الثاني: محرم، وهو كتابة "أبا جاد" كتابة مربوطة بسير النجوم وحركتها وطلوعها وغروبها، وينظرون في النجوم ليستدلوا بالموافقة أو المخالفة على ما سيحدث في الأرض، إما على سبيل العموم؛ كالجدب والمرض والحرب وما أشبه ذلك، أو على سبيل الخصوص؛ كأن يقول لشخص: سيحدث لك مرض أو فقر أو سعادة أو نحس في هذا وما أشبه ذلك؛ فهم يربطون هذه بهذه، وليس هناك علاقة بين حركات النجوم واختلاف الوقائع في الأرض"[2].

* * *

وهكذا يتبين أن ترتيب الحروف العربية الذي نألفه اليوم هو حصيلة تطور تاريخي طويل؛ فقد سبقته الأبجدية القديمة «أبجد هوز»، ثم استقر الترتيب الألفبائي القائم على جمع الحروف المتشابهة في الرسم. ولم يقتصر دور الحروف على الكتابة، بل تجاوز ذلك إلى استعمالها في العدّ والتأريخ من خلال "حساب الجُمَّل".



[1] فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص301).

[2] القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 549).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق