الثلاثاء، 28 يوليو 2026

فلَّاح غيَّرَ مسار أحد كبار علماء الأزهر

 

فلَّاح غيَّرَ مسار أحد كبار علماء الأزهر

مَن كان يُصدّق أن لقاءً عابرًا مع فلاحٍ بسيط في طريقٍ ريفي، سيكون السبب في تغيير مسيرة عالمٍ تخرّج في الأزهر، ثم أصبح لاحقًا من أشهر المحققين والدعاة إلى نشر تراث السلف في القرن الرابع عشر الهجري؟!

إنها قصة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله.

بعد سنواتٍ طويلة قضاها في أروقة الأزهر، أنهى الشيخ دراسته سنة (1917م)، وحمل شهادته العلمية عائدًا إلى قريته، وقد امتلأ صدره بما تلقاه من العلوم الفقهية و"الكلامية"، ينتظر أن يستقبله أهله فرحين بنجاحه.

لكن الله كان قد أعدّ له موعدًا لم يكن في قاعة درس، ولا في مجلس أحد العلماء، وإنما في حقلٍ زراعي!

وذلك أنه في طريق عودته إلى بلده حاملا شهادته، مرّ بفلاح يحرث أرضه، فرحّب به قائلاً: «يا ولدي، اجلس على هذه الدكة حتى أفرغ من عملي».

جلس الشيخ ينتظر، فوقع بصره على كتابٍ موضوعٍ بجانبه، فتناوله يقلب صفحاته، فإذا هو كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» للإمام ابن القيم.

وما إن اندمج في القراءة، حتى جاء الفلاح بعد قليل، وسأله عن اسمه، ورحلته، وما الذي يدرسه.

فلما علم أنه تخرّج في الأزهر، ابتسم وقال: «يا ولدي، لقد حصلت على شهادة تستطيع أن تعيش بها في أي مكان من الدنيا؛ في أمريكا وأوروبا، لكنها لم تعلمك أول ما ينبغي أن تتعلمه!!»

وقد أثارت العبارة فضول الشيخ ودهشته، وكيف يتحدث هذا الفلاح بهذه الثقة؟! قال: «وما هو؟!»

قال الفلاح بثقة: «التوحيد؛ توحيد السلف!».

فسأله الشيخ: «وما توحيد السلف؟!»

فأخذ الفلاح يعدد له كتب العقيدة التي ينبغي لطالب العلم أن يقرأها: «السنة» للإمام أحمد، و«التوحيد» لابن خزيمة، و«خلق أفعال العباد» للبخاري، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي، ثم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وغيرها من كتب أئمة السلف.

ثم أوصاه وصية بقيت عالقة في قلبه طوال عمره، فقال: «إذا وصلتَ إلى قريتك وفرح الناس بنجاحك، فلا تطل المقام، ارجع مباشرة إلى القاهرة، واذهب إلى دار الكتب المصرية ستجد هذه الكتب كلها هناك، قد علاها الغبار، أنفض عنها الغبار، وانشرها بين الناس».

كانت كلمات الفلاح صادقة، خرجت من قلب مخلص، فدخلت قلب الشيخ بلا استئذان.

يقول الشيخ محمد حامد الفقي: رجعت إلى القاهرة، وذهبت إلى دار الكتب المصرية، فوجدت الكتب التي وصفها لي الفلاح كما قال، مكدسة على الرفوف، يغطيها الغبار، إلا كتابًا واحدًا لم أعثر عليه إلا بعد مدة.

ولم يستطع الشيخ أن يكتم دهشته، فسأل الفلاح قبل أن يفترقا: «من أين لك كل هذا العلم؟!»

فأجابه: «تعلمته على يد شيخ يُعرف بــ (الرمّال)، كان يبحث عن كتب السلف ويجمعها، ثم يعلّمها سرًّا للعمال والكنّاسين والفلاحين، في زمن لم يكن يُسمح فيه بإظهار هذا العلم، وكنتُ واحدًا ممن تلقوا العلم عليه».

هكذا كانت بداية التحول في حياة الشيخ محمد حامد الفقي؛ فلم يكن سببها مناظرة طويلة، ولا مجلسًا علميًا كبيرًا، وإنما لقاء عابر مع فلّاحٍ صالح، حمل علمًا نافعًا ونصيحة صادقة، فغيّر بها مسار أحد أبرز علماء الدعوة السلفية في العصر الحديث.

وتبقى هذه القصة شاهدًا على أن الهداية قد تأتي على يد من لا يخطر على البال، وأن العلم النافع ليس بكثرة الشهادات، وإنما بصدق الاتباع والإخلاص لله، وأن الخير لا يزال باقيًا في الأمة، يورثه الله من يشاء من عباده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق