الجمعة، 1 يناير 2021

كيف تحقق أهدافك نهاية العام الجديد ؟

 كيف تحقق أهدافك نهاية العام الجديد ؟

الإنسان الذي لا أهداف عنده يعيش حياةً مملة، ويحيا بـــــ "روتين" متكرر، لا طعم النجاح ذاق، ولا لذة الفوز استطعم، إنما يذوق طعم النجاح مَن عانى الصعاب وقاسى الشدائد، وقد قيل: (فاز باللذات مَن كان جسورا).

وكثير منا له طموحات وأحلام يتمنى تحقيقها، والبعض ينجح في ذلك والكثير يفشلون، ولعل أهم العوامل في نجاح أولئك وفشل هؤلاء هو عامل التخطيط !

في عام 1953م أجرت الجامعة العريقة "ييل" دراسةً بين الطلاب حول عدد الطلاب الذين لديهم أهداف واضحة قد كتبوها ورسموا خططاً لإنتاجها. 

وجدت الدراسة أن 3% من طلاب السنة الأخيرة من الدراسة الجامعية قد فعلوا ذلك، وبعد ذلك بعشرين سنة توبعت الدراسة بالاتصال بأولئك الطلاب الــ (3%) للنظر في وضعهم المالي والاجتماعي، فوجد أن هؤلاء الــ (3%) الذين كتبوا أهدافهم يحصلون مالياً على ما يعادل دخل الـ (97%) الآخرين.

وقد دلت الدراسات على أن كل من لهم أهداف واضحة في أي مجال هم الذين ينجحون فيما يريدون.

النجاح والتخطيط صنوان، فالتخطيط الجيد يوفر الجهد والوقت؛ "وحسبما يقول بعضُ المختصين في الإدارة، فإن كلَّ دقيقة تُنفَق في التخطيط توفِّرُ ثلاث أو أربع دقائق في التنفيذ! وإن قضاء سبع ساعات مثلاً في التخطيط الجيِّد الذي ينجُم عنه وضوحٌ في الأهداف، وترتيب للأولويات، وتحديد لطُرُق الإنجاز - قد يكون أفضلَ من إنفاقِ سبعة أيام في العمل دون تحديدٍ للأهداف"[1].

فمن خلال التخطيط الجيد ربما تنجز عملاً في شهرين أو ثلاثة أشهر، كنت تنجزه في سنة كاملة من غير تخطيط؛ لأن صاحب الهدف الواضح المبني على خطة مرسومة محكمة، كأنه يرى كنزاً أمامه ويسير نحوه بخطىً ثابتة، فلماذا يلتفت إلى غيره، وينشغل بما دونه ؟! 

فلا تخدع نفسك بالأماني الكاذبة؛ تريد تحقيق أهدافٍ من غير تخطيط، فأنت إذاً كالذي يرى سَرَاباً {بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} إنما هي صورة في ذهنك تنام وتصحو عليها .. مجرد أماني !

والفرق بين الأهداف والأماني: أن الهدف: هو ما وَضع له صاحبُه خطةً وسار عليها، أما الأماني: فهي أحلام يقظة من غير تخطيط.

... الهدف من غير تخطيط = سراب !

 

كيف تعرف هدفك؟

يمكن للإنسان أن يعرف أهدافه من خلال الأشياء التي يحبها، أو التي كان يحلم بها في زمن الطفولة، أعرف شخصاً مذ كنا أطفالاً وهو يحلم أن يكون طيَّاراً كأبيه، وقد كان !

ويمكنك معرفة أهدافك من خلال الأشياء التي تستمتع بممارستها، مثل شخص يحب السيارات وله اهتمام بتفاصيلها، فهذا ممكن أن يكون هدفه: مشروع ورشة للسيارات، أو غير ذلك مما يختص بالسيارات، وقُل مثل ذلك بشخص له اهتمام بالحاسوب والبرمجيات.

ويمكنك معرفة أهدافك باستشارة المقربين منك، فإنهم يلاحظون فيك ما قد لا تنتبه إليه.

 

 أنواع الأهداف:

والأهداف كما يقول المختصون تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

-أهداف طويلة الأمد: من خمس سنوات فأكثر، ويسمى بالهدف الاستراتيجي:

مثل: حفظ القرآن الكريم، أو الحصول على شهادة الدكتوراه، أو تأسيس شركة كبيرة، أو إنشاء جامعة مثلاً ... إلخ.

-أهداف متوسطة الأمد: من سنتين إلى أربع سنوات.

مثل: الحصول على ترقية في وظيفتك، الزواج، الحصول على الشهادة الجامعية ... إلخ.

-أهداف قصيرة الأمد: من سنة فأقل.

مثل: شراء سيارة، اجتياز اختبار، الذهاب للحج أو العمرة ... إلخ.

فالناجح يكون له هدف استراتيجي كبير في حياته، وأهداف متوسطة، ولا بد أن تعرض له أهداف قصيرة.

 

كيف تحقق هدفك؟

يقول المختصون إن الهدف حتى يُحقق لا بد أن يكون الهدف هدفا ذكيا[3]، والهدف الذكي هو ما توفرت فيه خمس صفات[4]:

1- أن يكون هدفاً محدداً وواضحاً: فلا يكون الهدف عاماً أو مطلقا، مثلاً: "أريد أن أكون شخصاً ناجحاً!!"، بل قُل مثلاً: "أريد أن أنهي الدراسة الجامعية في تخصص الإدارة".

2- أن يكون هدفاً قابلاً للقياس: أي: أن تتوفر معايير محددة لقياس مدى تقدمنا وتأخرنا في العمل على تحقيق الهدف، ومدى نجاحنا وفشلنا في تحقيق الهدف، مثلا: أريد خسارة 20 كيلو من وزني، ولا يكفي قولك: أريد أن أكون رشيقاً!

3- أن يكون هدفاً قابلاً للتحقيق والإنجاز: فعلى حسب الموارد المتاحة والوقت يكون المضي في تحقيق الهدف، ولا تسعَ إلى أهداف تتعارض مع وقتك أو لا تمتلك الموارد لتحقيقها.

4- أن يكون هدفاً واقعياً وذا علاقة بحياة الفرد: فمن المستبعد أن يحقق الإنسان هدفاً بعيد المنال أو شبه مستحل، مثال ذلك: يريد أن يكون رئيساً لشركة Google ! فهذا أمر مستحيل على شخص لا علاقة له بالبرمجيات ولا يتقن الإنجليزية ولم يرَ الولايات المتحدة من قبل، بل حتى لو اتصف بتلك الصفات فتلك أمنية بعيدة المنال.

5- أن يكون هدفاً محدداً بإطار زمني: بمعنى أن نضع خطة زمنية وتوقيتاً زمنياً لبدء الهدف والانتهاء منه وتحقيقه، لأن الهدف إذا لم يحدد بتاريخ انتهاء سيقتله التسويف والتأجيل، حتى يموت!

 

وأخيراً .. يقول الله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي لا يستوي مَن كان يعرف طريق النجاح ويسير عليه، ممن يتخبط ولا يدري إلى أين وجهته.

فالحياة قصيرة جداً وتستحق أن تُعاش بنجاح، لذا علينا ألا نهدرها بلا هدف، بل يجب أن يكون لدينا أهداف تحقق لنا رسالة في الحياة.



[1] رابط الموضوع: http://www.alukah.net/social/0/66843/#ixzz6iK5MFljI

[2] وبعض الموفقين ضبطوها بالتاريخ الهجري، وهو أفضل.

[4] اختصرت بكلمة (SMART) الحرف الأول للكلمة S هو اختصار لكلمة "Specific" وتعني "محدد".

الحرف الثاني M هو اختصار لكلمة "Measurable" التي تعني "قابل للقياس".

الحرف الثالث A من كلمة "Achievable" أو "Attainable" وتعني "قابل للتحقيق".

والحرف الرابع R من كلمة "Relevant" وتعني "وثيق الصلة بحياة الفرد"، أو "Reality" وتعني "واقعي".

الحرف الأخير T، اختصار لكلمة "Time-Bound"، أي "محدد بمدة زمنية".

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2020

أبو إسحاق الفَزاري

 

الإمام أبو إسحاق الفزاري

إن "ذكر الصالحين ومراجعة سيرهم وتشنيف الأذان بسماع أخبارهم، مما يثلج صدور المؤمنين وينزل السكينة في قلوب الموحدين، فهم القدوة والمثل، والنموذج الأسمى في تطبيق أخلاق الإسلام.

وقد كان القرآن الكريم يقصُّ علينا أخبار الأنبياء الكرام، فنحسُّ بالقمم الإنسانية الشامخة ترنو إلينا، فستنهض هممنا، ويقص علينا أخبار الصالحين من غير الأنبياء، الذين كان لهم الدور الكبير في نشر كلمة لا إله إلا الله، وإعلائها، وتَحَمُّلِ الأذى، والصبر عليه"[1].

ومما استوقفتني وأنا أقرأ في كتاب "تهذيب التهذيب" لابن حجر، ترجمة الإمام إبراهيم الفزاري، وما رأيت فيها من عِلم وهِمَّة وعبادةٍ وجهاد وتضحيات، فأحببت أن أفردها في مقالة في مدونتي.

* * *

أقول هو: الإمام الكبير، الحافظ، المجاهد: إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري الشامي.

ولد في العراق بــ "واسط"، وابتدأ في كتابة الحديث وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وكان من الفقهاء والعُبَّاد.

أثنى عليه العلماء فهذا أبو حاتم الرازي يقول: "اتفق العلماء على أن أبا إسحاق الفزاري إمام يقتدى به، بلا مدافعة".

وكان مع عِلمه بالسنن مجاهداً في سبيل الله، قال ابن سعد: "كان ثقة فاضلا صاحب سنة، وغزو".

بل كان حريصاً على تعليم المجاهدين وأمرهم بفعل الطاعات وترك المنكرات، وتنقية صفوفهم من دخول أهل البدع، قال أحمد العجلي: "كان ثقة، صاحب سنة، صالحا، هو الذي أدب أهل الثَّغْر[2]، وعلمهم السُّنَّة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع، أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه".

وكان لا يضع علمه عند مَن لا يستحق، كما قال عِكْرِمَة: "إن لهذا العلم ثمنًا، قيل: وما هو؟ قال: أن تضعه فيمن يُحْسِن حَمْلَه ولا يضيعه"، قال أبو مسهر قدم علينا أبو إسحاق فاجتمع الناس يسمعون منه، قال فقال لي: "أخرج إلى الناس فقل لهم من كان يرى القَدَر فلا يحضر مجلسنا" ففعلت.

فأهل البدع ربما ضيعوا السنن بكتم ما يخالف مذهبهم، أو بتأويلها بما يوافق مذهبهم الباطل!

ولسعة علمه بالسُّنن فقد كان مرجعا يوثق به في تمييز الصحيح من السقيم من الحديث؛ يُروى: أن هارون الرشيد أخذ زنديقا ليقتله، فقال الرجل: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟!

قال: "فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك يتخللانها، فيخرجانها حرفا حرفا".

وكان الناس يختبرون به؛ فلا يحبه إلا صاحب سنَّة ولا يبغضه إلا صاحب بدعة، قال ابن مهدي: "رجلان من أهل الشام إذا رأيت رجلا يحبهما فاطمئن إليه: الأوزاعي وأبو إسحاق كانا إمامين في السنة".

وكان الفزاري رحمه الله من علماء الأمة الذين اجتهدوا في نشر علمهم وبثه بين المسلمين فانتفع الناس بعلمهم، قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: قلت لأبي أسامة: أيهما أفضل: فضيل بن عياض، أو أبو إسحاق الفزاري؟

فقال: "كان فضيل رجل نفسه، وكان أبو إسحاق رجل عامة".

وله من المؤلفات كتاب في السِّيَر، قال الخليلي: "أبو إسحاق إمام يقتدى به وهو صاحب كتاب السير نظر فيه الشافعي وأملي كتابا على ترتيبه ورضيه", وقال الحميدي قال لي الشافعي: "لم يصنف أحد في السير مثله".

توفي -رحمه الله- سنة 186 هجرية، قال أبو داود الطيالسي: "توفي أبو إسحاق الفزاري وليس على وجه الأرض أحد أفضل منه".

رؤيا صالحة:

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرؤيا الصالحةُ يراها المؤمنُ، أو تُرى لهُ"[3].

قال الفضيل بن عياض: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم، وإلى جنبه فُرْجَة، فذهبت لأجلس، فقال: "هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري!".

وهذا ثواب من اختلطت أنفاسه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاش مقتدياً به !

اللهم ارحم أبا إسحاق الفزاري، وارحم علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين، وارحمنا معهم يا رب العالمين.

 



[1] مقدمة من مقال (ذكر الصالحين) للدكتور بدر عبد الحميد هميسه: http://www.saaid.net/Doat/hamesabadr/183.htm

[2] الثغر: الموضع يخَاف مِنْهُ الْعَدو.

[3] أخرجه الترمذي 2273 وصححه الألباني.

الأحد، 20 ديسمبر 2020

عِزَّةُ النَّفس

 

عِزَّةُ النَّفْسِ

العِزَّة والإيمان صِنْوَان لا يفترقان، فمتى وَقَرَ الإيمان في قلب الرَّجل، وتشبَّع به كيَانُه، واختلط بشِغَاف قلبه، تشرَّب العِزَّة مباشرةً.

والعِزَّة تَنْتُج عن معرفة الإنسان لنفسه، وتقديره لها، وترفُّعه بها عن أن تصيب الدَّنايا، أو تُصَاب بها، أو أن تَخْنَع لغير الله عزَّ وجلَّ أو أن تركع لسواه، أو أن تُدَاهن، وتحابي في دين الله عزَّ وجلَّ ، أو أن ترضى بالدَّنيَّة فيه، فهي نتيجة طبيعيَّة لهذه المعرفة.

* * *

والله سبحانه هو الذي يَهَب العِزَّة لمن يشاء، كما أنَّه يُذِلُّ من يشاء، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

فالعزة من الله تطلب ومنه توهب، كما قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}.

ولذلك كان من دعاء بعض السَّلف: (اللهمَّ أعِزَّني بطاعتك، ولا تذلَّني بمعصيتك).

ولما طلب المنافقون العزة من غير الله تعالى؛ عاب الله عز وجل عليهم وتوعدهم، فقال تعالى:

{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}.

فالله عز وجل يُعز الغريب، ويعز الفقير، ويعز الضعيف، وكل هذا مشروط بطاعته.

قال علي بن الحسين: "من أراد عزا بلا عشيرة، وغنىً بلا مال، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقل من ذُل معصية الله، إلى عز طاعته".

 * * *

ومن أعظم أسباب حصول العزة: الاستغناء عن الناس!

فعن جابر بن عبدالله وسهل بن سعد الساعدي قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريلُ، فقال: يا مُحمَّدُ ! عِشْ ما شِئتَ فإنَّك مَيِّتٌ، وأحْبِبْ من شِئتَ فإنَّكَ مُفارِقُه، واعمَل ما شِئتَ فإنَّك مَجْزِيٌّ بهِ، واعلَم أنَّ شرفَ المؤمنِ قيامُه باللَّيلِ، وعِزُّه استِغناؤُه عن النَّاسِ"[1].

وعن سهل بن سعد قال: جاءَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ! دُلَّني على عَملٍ؛ إذا أنا عمِلتُه أحبَّني اللهُ وأحبَّني النَّاسُ؟ قال: "ازهَد في الدُّنيا يحبَّكَ اللهُ، وازهَدْ في ما عندَ النَّاسِ يحبَّكَ النَّاسُ"[2].

إن تطلع المرء إلى ما في أيدي الناس، وكثرةَ الطلب من منهم ينزعُ مهابته من صدورهم، وتورثه ذلاً في العاجلة والآجلة أمام الله عز وجل، أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَزالُ المَسْأَلَةُ بأَحَدِكُمْ حتَّى يَلْقَى اللَّهَ، وليسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ".

فاقطع الطمع مما في أيدي الناس بالقناعة، فإنها نِعم المعين على ذلك، ورحم الله الإمام الشافعي لما قال:

رَأَيتُ القَناعَةَ رَأس الغِنى         فَصِرتُ بِأَذيالِها مُمَتسِّكِ

فَلا ذا يَراني عَلى بابِهِ           وَلا ذا يَراني بِهِ مُنهَمِكِ

فَصِرتُ غَنيّاً بِلا دِرهَمِ           أَمُرُّ عَلى الناسِ شِبهَ المَلِكِ

 

ومما يذكر لنا التاريخ من صور العزة والتعفف، أن (والي الشام إبراهيم باشا بن محمد علي حاكم مصر دخل المسجد الأموي في وقتٍ كان فيه عالم الشام الشيخ سعيد الحلبي يلقي درسًا في المصلين، ومرَّ إبراهيم باشا من جانب الشيخ، وكان مادًّا رجله فلم يحركها، ولم يبدِّل جلسته، فاستاء إبراهيم باشا، واغتاظ غيظًا شديدًا، وخرج من المسجد، وقد أضمر في نفسه شرًّا بالشيخ.

وما أن وصل قصره حتى حف به المنافقون من كل جانب، يزينون له الفتك بالشيخ الذي تحدى جبروته وسلطانه، وما زالوا يؤلبونه حتى أمر بإحضار الشيخ مكبلا بالسلاسل.

وما كاد الجند يتحركون لجلب الشيخ، حتى عاد إبراهيم باشا فغيَّر رأيه، فقد كان يعلم أن أي إساءة للشيخ ستفتح له أبوابًا من المشاكل لا قِبل له بإغلاقها.

وهداه تفكيره إلى طريقة أخرى ينتقم بها من الشيخ، طريقة الإغراء بالمال، فإذا قَبِله الشيخ فكأنه يضرب عصفورين بحجر واحد، يضمن ولاءه، ويسقط هيبته في نفوس المسلمين، فلا يبقى له تأثير عليهم.

وأسرع إبراهيم باشا فأرسل إلى الشيخ ألف ليرة ذهبية، وهو مبلغ يسيل له اللعاب في تلك الأيام، وطلب من وزيره أن يعطي المال للشيخ على مرأى ومسمع من تلامذته ومريديه.

وانطلق الوزير بالمال إلى المسجد، واقترب من الشيخ وهو يلقي درسه، فألقى السلام، وقال للشيخ بصوت عالٍ سمعه كل من حول الشيخ: هذه ألف ليرة ذهبية، يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك.

فَنَظَر الشيخ نظرة إشفاق نحو الوزير، وقال له بهدوء وسكينة: يا بُنَيّ، عُدْ بنقود سيدك وردها إليه، وقُلْ له: إن الذي يمدُّ رجله، لا يمد يده).

 

اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك..



[1] حسن، صحيح الجامع 73.

[2] صحيح الجامع 922.