الأحد، 26 مايو 2024

حديث "لتمنت أُمَّتي أن يكون رمضان السنة كلها"

 حديث "لتمنت أُمَّتي أن يكون رمضان السنة كلها"



يتادول الناس مع قرب أو نهاية شهر رمضان حديث: (لو يعلم الناس ما في شهر رمضان من الخير لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها، ولو أذن الله للسموات والأرض أن تتكلما لشهدتا لمن صام رمضان بالجنة ...) 

فهل هذا الحديث صحيح ؟

هذا الحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"[1]، وأبو يعلى في "مسنده"[2]، من حديث: جرير بن أيوب البجلي، عن الشعبي، عن نافع بن بردة، عن أبي مسعود به.

وقال ابن خزيمة: "إنْ صَحَّ الخبر؛ فإن في القلب من جرير بن أيوب البجلي!".

قلت: جرير بن أيوب: ضعيف باتفاق النقاد، بل قال عنه أبو نعيم الفضل بن دكين والدارقطني: كان يضع الحديث.

من أجل ذلك حكم عليه بالوضع جَمْعٌ من أهل العلم: كابن الجوزي[3]، والسيوطي[4]، وابن عراق[5]، والشوكاني[6].

فالحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو موضوع، أي: مكذوب، وهو شر أنواع الحديث.

قال السيوطي:

الْخَبَرُ ‌الْمَوْضُوعُ شَرُّ الْخَبَرِ //  وَذِكْرهُ لِعَالِمٍ بِهِ احْظُرِ



[1] صحيح ابن خزيمة (3/ 190): 1886.

[2] مسند أبي يعلى - ت السناري (7/ 396): 5273.

[3] الموضوعات لابن الجوزي (2/ 189).

[4] اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (2/ 85).

[5] تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة (2/ 153).

[6] الفوائد المجموعة (ص88).


السبت، 4 مايو 2024

حديث التيمم مع وجد الماء

 حديث التيمم مع وجود الماء 


قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم ‌يخرج ‌فيبول ‌ثم ‌يمسح ‌بالتراب، فأقول: إن الماء منك قريب، فيقول: "ما يدريني لعلي لا أبلغه".


خلاصة معنى الحديث:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يبول، ثم يسرع فيتيمم، مع أن الماء قريب منه، ولكنه يرفع الحديث بالتيمم خوفاً من حلول الأجل وهو على غير طهارة.

وينبني على هذا الحديث مسائل، من أهمها:

هل يجوز التيمم بحضرة الماء، وليس هناك ضرر باستعماله ؟

ظاهر الحديث يدل على الجواز.


تخريج الحديث:

أخرجه ابن المبارك في "الزهد"[1] قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش [بن عبد الله الصنعاني]، عن ابن عباس به.

ومن طريق ابن المبارك أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، قال: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا ابن لهيعة به[2].

كذلك أخرجه عن موسى بن داود، قال: حدثنا ابن لهيعة به[3].

وأخرجه أحمد في "المسند"[4] والطبراني في "الكبير"[5] من حديث يحيى بن إسحاق السيلحيني، ثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن الأعرج، عن حنش به.

فزاد السيلحينيُّ في الإسناد "عن الأعرجَ"، قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: "زيادة يحيى بن إسحاق في الإسناد (عن الأعرج) بين عبد الله بن هبيرة وبين حنش الصنعاني أكبر الظن أنه خطأ، فإن الحديث رواه ابن المبارك عن ابن لهيعة كرواية موسى بن داود ليس فيه (عن الأعرج)".

والحديث مداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف الحديث، إلا أنها من رواية عبد الله المبارك، وقد قال عبد الغني بن سعيد الأزدي: إذا روى العبادلة عن عبد الله بن لهيعة فهو صحيح؛ ابن المبارك، وابن وهب، والمقري[6].

وهذه القاعدة غير متفق عليها ولا مسلَّمٌ بها؛ فبعضهم رأى أن كل ما في الأمر أن رواية العبادلة أحسن حالاً مما رواه غيرهم، وكلٌ ضعيف، لذا جاءت عبارة ابن حجر دقيقة في هذا الشأن، قال: "ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما"[7].

بل بعض الأئمة النقاد تركوا حديثه جملةً، يقول ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن سماع القدماء من ابن لهيعة؟ فقال: كله سواء الأول والآخر، لكن ابن وهب يتتبع أصوله فيكتب منها وكذلك عبد الله بن المبارك، أما البقية فكانوا يأخذون من تلك النسخ عنه[8].

وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: إذا كان مَن يروي عن ابن لهيعة مثل: ابن المبارك، وابن وهب يحتج به؟ قال: لا![9].

وما أحسن ما قاله ابن حبان: "وجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه؛ لما فيها من الأخبار المدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه"[10].

وسُئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث فقال: "لا يصح هذا الحديث، ‌ولا ‌يصح ‌في ‌هذا ‌الباب حديث"[11].

وقد ضعفه: الحافظ العراقي[12]، والهيثمي[13]، وابن حجر[14]، وغيرهم.

تنبيه: قال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة": "وهذا إسناد ضعيف جداً؛ رجاله ثقات غير حنش هذا، واسمه الحسين بن قيس الرحبي، وهو متروك، كما في "التقريب"، وهو إنما يروي عن ابن عباس بواسطة عكرمة، فهو منقطع أيضا إلا أن يكون سقط من الناسخ أو الطابع قوله: "عن عكرمة"، والله أعلم"[15].

قلت: إنما هو حنش الصنعاني وليس الرحبي كما قال الشيخ الألباني، والصنعاني له رواية عن ابن عباس كما في "تهذيب الكمال"، وروايته عنه عند الترمذي وابن ماجه[16]، والعجيب أن الشيخ الألباني صحح هذا الحديث نفسه في السلسلة الصحيحة وذكر أن الرواي هو: هو ابن عبد الله الصنعاني[17].


درجة الحديث:

وعلى كل حال فالحديث ضعيف كما تقدم بيانه.



[1] الزهد والرقائق - ابن المبارك - ت الأعظمي (ص98): 292. وأخرجه الإمام أحمد من طريقه في "المسند": 2614، 2764.

[2] مسند أحمد (4/ 374 ط الرسالة): 2614.

[3] مسند أحمد (4/ 488 ط الرسالة): 2764.

[4] مسند أحمد (4/ 488 ط الرسالة): 2764.

[5] المعجم الكبير للطبراني (12/ 238): 12987.

[6] [تهذيب التهذيب (5/ 378)]

[7] تقريب التهذيب (ص319).

[8] [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/ 147)]

[9] [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/ 147)]

[10] [المجروحين لابن حبان (2/ 13)]

[11] العلل لابن أبي حاتم (1/ 542 ت الحميد).

[12] تخريج أحاديث الإحياء = المغني عن حمل الأسفار (ص1638)، و(ص1831).

[13] مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 263) قال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف".

[14] المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (2/ 436).

[15] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (4/ 139).

[16] تهذيب الكمال في أسماء الرجال (15/ 157).

[17] سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (6/ 266).

الأحد، 30 أبريل 2023

شرح البيقونية (19) الحديث المعضل

 

الـمُعْضَل


18 – والـمُعْضَلُ الساقِط مِنه اثنانِ …

المعضل لغة: اسم مفعول من أعضله بمعنى أعياه، أَعْضَلَهُ الْأَمْرُ، يعني: أعياه الأمر، وَالْمُعْضِلَاتُ: الشَّدَائِدُ[1].

واصطلاحاً: ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر على التوالي، في أي موضع؛ من أوله أو وسطه أو آخره[2].

أما إذا لم يتوال فيُسمى: منقطع من موضعين[3].

مثاله: ما رواه عبد الرزاق[4] في مصنفه عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ * *: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِفَتًى وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ عُمَرُ: يَا فَتَى، يَا فَتَى! ثَلَاثًا، حَتَّى رَأَى عُمَرُ، أَنْ قَدْ عَرَفَ صَوْتَهُ: تَقَدَّمْ إِلَى السُّارِيَةِ، لَا يَتَلَعَّبِ الشَّيْطَانُ بِصَلَاتِكَ، فَلَسْتُ بِرَأْيٍ أَقُولُهُ، وَلكنْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.

فهذا إسناد معضل؛ لأن ابن جريج أسقط منه راويين أو أكثر؛ شيخَه وشيخَ شيخِه، فليس أحدٌ من شيوخه يروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلا بواسطة راو أو أكثر.

وكثير من البلاغات تعتبر من قبيل الحديث المعضل، والبلاغ: هو أن يقول الراوي بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو عن الصحابي الفلاني، وهي كثيرة في موطأ الإمام مالك بن أنس[5].

مثاله: قول الإمام مالك: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ الْعُكُوفَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ، حَتَّى إِذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ، اعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوَّالٍ[6].

حكم الحديث المعضل: ضعيف بإجماع العلماء[7]، فهو أسوأ حالاً من المرسل والمنقطع؛ وذلك لكثرة المحذوفين من الإسناد.

من مظان وجود الحديث الـمُعضل:

قال السيوطي: "من ‌مظان ‌المعضل، ‌والمنقطع، والمرسل، كتاب السنن لسعيد بن منصور، ومؤلفات ابن أبي الدنيا"[8].

 



[1] مقاييس اللغة (4/ 346)

[2] مقدمة ابن الصلاح (ص59)

[3] تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (1/ 241)

[4] مصنف عبد الرزاق (2/ 303) برقم: 2381

[5] صنف ابن عبد البر كتابا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع، والمعضل. قال: وجميع ما فيه من قوله بلغني، ومن قوله، عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثا، كلها مسندة من غير طريق مالك، إلا أربعة لا تعرف. (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (1/ 242)

[6] موطأ مالك - رواية يحيى (3/ 455 ت الأعظمي). وسماه الخطيب البغداددي في بعض كلامه "مرسلا"، وذلك على مذهب من يسمي كل ما لا يتصل مرسلا.

[7] تيسير مصطلح الحديث (ص93)

[8] [تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (1/ 244)]

الأحد، 2 أبريل 2023

ضاع الشهر !

 ضاع الشهر!


من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل لهم مواسم الخيرات يتزودون من الحسنات ليوم معادهم ، ويتوبون من ما اقترفوا من السيئات.

ومن أعظم تلك المواسم شهر رمضان المبارك، ففيه تفتح أبواب الجنات وتغلق أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

فحري بالمسلم إذا علم فضائل هذا الشهر أن يتفرغ فيه قدر الإمكان لحفظ صيامه، والخشوع في صلاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.

لكن الناظر لواقعنا اليوم يجد أن كثيراً من الناس على خلاف ذلك تماماً، فقد انصرف كثير منهم إلى أمور أخرى تصدهم وتصرفهم عن نفحات هذا الشهر المبارك، وقد تأملت تلك الصوارف فدونتها، وهذه أبرزها:

1-الزيارات

التواصل مع الأصدقاء والأقارب، وصلة الرحم شيء عظيم، ولكن ليس واجباً أن يكون في شهر رمضان، وليس واجباً إن أردت أن تهنئ الناس بهذا الشهر أن تزور أرحامك كلهم، ومعارفك جلهم، بل يكفي أن تذهب لمكان يجمعهم مثلاً، بل يكفيك اتصالٌ أو رسالةٌ.

فغالب الناس اليوم ينشغلون في الثلث الأول من رمضان بالزيارات إلى ما بعد منتصف الليل، ويرجعون منهكين، فماذا بقي -بالله عليك- للعبادة وقراءة القرآن.

ويا ليت تلك الزيارات تسلم من الكلام في الناس، والخوض في المحرمات.

2-القرقيعان:

حين تدخل العشر الوسطى من شهر رمضان يأتي صارف جديد، ألا وهو "القرقيعان" عادة فاطمية أو نصرانية، تستهلك وقت الأُسر، وجيوبَهم.

تنشغل الأم -منذ بداية الشهر- بشراء ملابس القرقيعان لأولادها بأغلى الأثمان، مع حرصها أشد الحرص أن لا يكون هناك أجمل من لباس أولادها، حتى الأم والبنات أنفسهم قد يكون لهم نصيب من لباس القرقيعان، مع ما يشوبه من تبرج، مع توزيع الحلوى والكاكاو الغالي النفيس.

فدخل الناس في هذه العادة في بدعة وإسراف ومضيعة وقتٍ وتبرج!

3-الغبقات:

الغبة هي وليمة طعام كبيرة تكون الدَّعوة فيها عامة، فيتكلف صاحب الوليمة من أجل ذلك المصاريف الكبيرة.

وليت الأمر توقف على هذا فقط، بل تكون هناك منافسة على أشدها بين العوائل، كلٌ ينافس الآخر من أكثر مالاً وأعز نفراً؟! ومن خير مقاماً وأحسن ندياً؟!

وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن طعام المتبارين أن يؤكل!" [انظر: صحيح الجامع 6965 ]

"والمُتباريانِ هما المتعارِضانِ بفِعليهما؛ ليُرَى أيُّهما يَغلِب صاحبَه، فيُقيمُ كلُّ واحدٍ منهما الوليمةَ والضِّيافةَ ويُرادُ بها الفَخْرُ والسُّمْعَةُ والمباهاةُ والرِّياءُ، ولا يُرادُ بها وجْهُ اللهِ، بل يُريدُ مُقيمُ الطَّعامِ أنْ يُسابِقَ غيرَه في مباراةِ الفخرِ والرِّياءِ؛ حتَّى يُعجِزَه أنْ يَصنَعَ مِثْلَه".

فانظر يا رعاك الله كيف ضاع رمضان ما بين زيارات مبالغ فيها، وقرقيعان، وغبقات، إلى جانب أمور أخرى كالمسلسلات الرمضانية، والحفلات الغنائية، وسهرات ليالي رمضان!!

فهذه تذكرة لتدارك هذا الشهر العظيم من أن يضيع سدى، في أمور محرمة، أو أمور على الأقل يمكن تداركها في غير هذا الشهر الثمين، كالعيد أو بقية أيام السنة.


أسأل الله تعالى بمَنِّهِ وكرمه أن يوفقنا لصيام رمضان وقيامه وأن يتقبله منا.