السبت، 27 يوليو 2019

حجية قول الصحابي


حجية قول الصحابي[1]
أدلة الأحكام المتفق عليها أربعة: (القرآن والسنة والإجماع والقياس) والمختلف فيها ما سوى ذلك.
مذهب الصحابي[2]: هو قولهُ ورأيُهُ فيما لا نصَّ فيه من الكتابِ والسُّنَّةِ.
حجيته: مذهبُ الصَّحابيّ واردٌ على وُجوهٍ، لكلٍّ منهَا مرتبةٌ في القبُولِ والاحتجاجِ أو عدمِهِ عندَ أهلِ العلمِ، هي كالتَّالي:
1-قول الصحابي فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، له حكم الرفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستدلال به والاحتجاج.
2-أن يكونَ المذهبُ انتشرَ بين الصَّحابةِ فلم يُنكرْهُ أحدٌ منهُمْ، فهذا حجَّةٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ جرى عليهِ العملُ عندَ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والشَّافعيِّ في مذهبهِ الجديدِ والحنابلةِ، وهذا في الحقيقةِ من قبيلِ (الإجماعِ السُّكوتيِّ).
قال ابن تيمية: "وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء"[3]
3-أن يكونَ خالفَهُ فيه غيرُهُ من الصَّحابَةِ، فهذا ليسَ بِحُجَّةٍ عند جميعِ الفُقهاءِ، لأنَّهُ لا مرجِّحَ لقبولِ قولِ هذا وردِّ قولِ ذاكَ، وإنْ وُجِدَ مُرجِّحٌ خارجيٌّ كدليلٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ أو القياسِ أو غير ذلكَ كان الاحتجَاجُ بالدَّليلِ لا بقولِ الصَّحابيِّ، ولم يجز للمجتهد بعدهم أن يقلد بعضهم، بل الواجب في هذه الحالة التخير من أقوالهم بحسب الدليل عند الأكثر ولا يجوز الخروج عنها.
قال ابن تيمية: "وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء"[4]
3-أن يكونَ المذهبُ لم ينتشرْ، وليسَ مثلُهُ مظنَّةَ الانتِشارِ، ولمْ يخَالف فيهِ صحابيًّا غيرَهُ، فهذا اختلفوا فيهِ، وأكثرُهُم يحتجُّ به حيثُ لا يكونُ عندَهُ في المسألةِ نصٌّ من كتابٍ أو سُنَّةٍ[5]، ويُقدِّمُهُ على رأي نفسِهِ[6]، فهو قول الأئمة الأربعة وجمهور الأمة -أنه حجة- خلافًا للمتكلمين[7].
قال ابن تيمية: "وإن قال بعضهم قولاً ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد - في المشهور عنه - والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول: هذا هو القول القديم"[8].
تنبيه: قول الصحابي الذي ذهب الأئمة إلى الاحتجاج به لا يكون مخالفًا للنص، إذ من المستبعد أن يخالف الصحابي نصًا ولا يخالفه صحابي آخر.
قال ابن القيم: "من الممتنع أن يقولوا -أي الصحابة- في كتاب الله الخطأ المحض؛ ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها [يعني قول الصحابي المخالف للنص] قد تكلم فيها غيرهم بالصواب، والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب، واشتماله على ناطق بغيره فقط، فهذا هو المحال"[9].
مسألة: قول الصحابي الذي اتفق الأئمة على الاحتجاج به لا يكون مخالفًا للقياس.
أما إن كان مخالفًا للقياس:
فالأكثر على أنه يحمل على التوقيف؛ لأنه لا يمكن أن يخالف الصحابي القياس باجتهاد من عنده.
وقول الصحابي المخالف للقياس - عند هؤلاء - مقدم على القياس؛ لأنه نص والنص مقدم على القياس، وقد تعارض دليلان والأخذ بأقوى الدليلين متعين.
وذهب بعض الأئمة إلى أن قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالف القياس؛ لأنه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس، وهو لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض.

: فتوى الصحابي لا تخرج عن ستة أوجه:
الوجه الأول: أن يكون سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه - صلى الله عليه وسلم -، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يهابون الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعظمونها، ويقللونها خوف الزيادة والنقصان.
الوجه الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهمًا خفي علينا.
الوجه الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.
الوجه الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومشاهدة أفعاله، وأحواله، وسيرته، وسماع كلامه، والعلم بمقاصده، وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فهم ما لا نفهمه نحن.
وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.
الوجه السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه.
وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة.
ومعلوم قطعًا أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين.

درجات مذاهب الصحابة متفاوتة: كثيرٌ من العلماءِ يرى أنَّ مذاهب الصَّحابةِ ليستْ مُتساويةً قوَّةً، فأعلاهَا: مذاهبُ الخُلفاء الرَّاشدِينَ[10]، ثمَّ مذاهبُ الفُقهاءِ الَّذين اشتهرُوا بالفقهِ وعُرفُوا بهِ[11]، ثمَّ الصَّحابةِ الَّذين لا يُحفظُ عنهُم في الفقهِ إلاَّ المسألةُ والمسألتانِ ولم يشتهِرُوا به.
استثناء: وأمَّا تفسيرُهُم للنُّصوصِ من الكتابِ والسُّنَّة من جهةِ ما تدلُّ عليه ألفاظُها في استعمالِ اللِّسانِ؛ فهوَ حُجَّةٌ، وهو أعلى وأقوَى ممَّا يُذكرُ عن آحادِ أئمَّةِ اللُّغةِ بعدَهُم، لأنَّهُم كما لا يخفَى أهلُ اللِّسانِ، فكيفَ وقدِ انضمَّ إلى ذلكَ معرفَتُهُم بمُرادِ الشَّارعِ فيما يستعملُه من تلكَ الألفاظِ؟ وهذا غيرُ الآراءِ في المسألةِ الفِقيَّةِ الَّتي تُستفادُ بالرَّأي والنَّظرِ.



[1] مستفاد من كتابي: (أصول الفقه والقواعد الفقهية، لعبدالله الجديع) وكتاب (أصول الفقه والقواعد الفقهية، د.محمد الجيزاني)
[2] الصَّحابيُّ هوَ: من لقِيَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مؤمنًا بهِ وإنْ قلَّتْ صُحبَتُهُ.
[3] "مجموع الفتاوى" (20/14)
[4] "مجموع الفتاوى" (20/14)
[5] فرُوي أنه حجة يقدم على القياس ويخص به العموم وهو قول مالك والشافعي في القديم وبعض الحنفية، وروي ما يدل على أنه ليس بحجة وبه قال عامة المتكلمين والشافعي في الجديد واختاره أبو الخطاب لأن الصحابي يجوز عليه الغلط والخطأ والسهو ولم تثبت عصمته.
[6] لكنْ هل احتِجَاجُ من يحتجُّ بهِ بناءً على أنَّهُ دليلٌ من أدلَّةِ الأحكامِ أو ألجأهُم إليهِ فُقدانُ الدَّليلِ في المسألةِ فصارُوا إلى اقتفاءِ أثرِ الصَّحابَةِ ومُتابَعتِهم على سبيلِ التَّقليدِ لأنَّ قولهُم ألصقُ بالهُدَى والصَّوابِ من قولِ غيرِهِم؟ يبدُوا أنَّ الاحتمالَ الثَّاني أرجحُ.
[7]  انظر: "الفقيه والمتفقه" (1/174) ، و"روضة الناظر" (1/403) ، و"إعلام الموقعين" (4/120) ، و"شرح الكوكب المنير" (4/422) ، و"رسالة ابن سعدي" (107) .
[8] "مجموع الفتاوى" (20/14).
[9] "إعلام الموقعين" (4/155)
[10] ويستدلُّ من يُقدِّم مذاهبَ الخُلفاءِ الأربعةِ بحديث العرباضِ قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكمْ بسُنَّتي وسنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ المهْدِيِّينَ فتمسَّكُوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجِذِ" حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمدُ وأبو داودَ والتِّرمذيُّ وغيرُهُم.
وهذا التَّرجيحُ لسُنَّتهم على سُنَّة غيرهم لأنَّهم حُكَّام المسلمين وأولياءُ الأمرِ فيهم كما يدلُّ عليه صدرِ الحديثِ، وقولُ وليِّ الأمرِ واجبُ الطَّاعةِ حفظًا لوحدَةِ المسلمين، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وليسَ في هذا أنَّ قول الواحدِ منهُم في مسألةٍ فقهيَّةٍ اجتهاديَّةٍ يُعتبرُ حجَّةً في الدِّين، وإن وجبَ على النَّاسِ له فيها السَّمعُ والطَّاعة حفظًا لكلمةِ المسلمين من التَّفرُّقِ.
[11] قال مَسْروقٍ:" شَامَمْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمُ انْتَهَى إِلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُاللَّهِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، ثُمَّ شَامَمْتُ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمُ انْتَهَى إِلَى رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ إِلَى: عَلِيٍّ وَعَبْدِاللَّهِ ". "علل الحديث لابن المديني ص103".
وعَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ قالَ: "ليسَ أحَدٌ مِنْ أصْحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُرْوَى عنهُ في الفتْوى أكثرَ مِنِ ابنِ عَبَّاسٍ". "علوم الحديث ص296"
وعَنْ عليِّ المدينيِّ قالَ: "لَمْ يَكُنْ في أَصْحَابَ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن لَهُ صُحَيْبَةٌ، يذهبون مذهبه، يُفْتُونَ بفتواه، ويسلكون طريقته؛ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُاللَّهِ ْبنُ عَبَّاسٍ". "علل الحديث لابن المديني ص107"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق